صحيت في أوضة الفندق...... احمد عمار
"الفانوس الأزرق"
وجوزي ميعرفش أي حاجة خالص عن اللي الكلمتين دول يقدروا يحركوه ويقلبوا بيه الترابيزة!
قعدت على طرف السرير ودماغي بتلف. كانوا فاكرين إنهم زنقوني في الزاوية وخلاص قفلوا عليا كل الأبواب.. بس شريف وشدوان نسوا حاجة واحدة، حاجة مكنتش بقولها لأي حد ولا حتى لجوزي نفسه.
قبل ما أتجوز شريف بسنين، كنت شغالة في شركة إنقاذ واستشارات أمنية دولية لحساب رجال أعمال وشخصيات مهمة. لما سبت الشغل عشان أتجوز واستقر، مدير الشركة - وهو راجل زي أبويا ومقتدر جداً - إداني رقم تليفون أرضي وكود طوارئ، وقال لي: "لو في يوم من الأيام اتزنقتي في أي بقعة في العالم ومبقاش معاكي غير هدومك، اتصلي بالرقم ده وقولي الكود ده.. وسيب الباقي علينا."
نزلت الريسبشن تاني وأنا المرة دي متماسكة، ونظرة الرعب اللي في وشي اختفت وحل محلها برود تام.
قلت للموظفة بصوت هادي ومباشر: "ممكن أستخدم التليفون الأرضي بتاع الفندق لمكالمة دولية؟ وهدفع حقها كاش أول ما أموري تتظبط، أو هسيبلك ساعتي الدهب دي تأمين لحد ما تخلص المكالمة."
الموظفة حسّت إن فيه حاجة جد جداً في نبرتي، فزقت لي التليفون وقالتلي: "اتفضلي يا فندم، مش مشكلة الساعة."
ضربت الرقم الدولي اللي حافظاه زي اسمي.. رن مرتين، وجالي صوت راجل هادي ورسمي:
"مركز الخدمة، تفضلي."
قلت بصوت واطي وبثبات:
"أنا ياسمين.. الكود: الفانوس الأزرق. أنا متثبتة في فندق بالشارقة، اتسرق مني باسبوري وتليفوني وبنتي اتخطفت من جوزي وحماتي، وتذكرتي اتلغت."
الصوت على الناحية التانية اتغير في ثانية من رسميات لجدية مطلقة:
"يا أهلاً يا ياسمين.. أهدي تماماً. خليكي مكانك في لوبي الفندق، خلال 20 دقيقة بالظبط هيكون عندك مندوبنا بالشارقة ومعه تليفون وأوراق مؤقتة وفيزا باسمك.. وطيارة شريف اللي طالعة للقاهرة لسة قدامها ساعتين على ما تهبط.. هنجيبهم قبل ما ينزلوا من المطار."
بعد 15 دقيقة بالظبط، دخل راجل ببدلة سودا لشبكة الفندق، جه عليا وسلمني تليفون جديد بشريحة مفعلة، وباسبور طوارئ صادر بالتنسيق مع السفارة، وكارت بنكي مفتوح.
الشركة مأخرتش ثانية.. تواصلوا فوراً مع السلطات ومطار القاهرة الدولي، وبلاغ خطف الأطفال والسرقة كان متسجل رسمياً قبل ما طيارة شريف تلمس أرض المطار!
أنا أخدت طيارة خاصة طلعت بعدهم بساعة، ووصلت مطار القاهرة تقريباً في نفس وقت نزولهم من الصالة!
وقفت في صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي وأنا سانده ضهري على العمود ومربعة إيدي، والهدوء يملأ وشي تماماً عكس النار اللي كانت جوايا من ساعات.
طيارتهم وصلت.
من بعيد، لمحت شريف طالع من بوابة الوصول وهو شايل بنتي "هنا" على كتفه، ومسك إيد أمه "شدوان" اللي كانت ماشية بتبص حواليها بانتصار وفرحة، وفاكرين إن خطتهم نجحت بالمليم وإنهم رموني في الشارقة خلاص ومش هعرف أوريهم وشي تاني ولا أوصل لبنتي.
شريف كان بيضحك وبيقول لأمه: "خلاص يا أمي، كدة الموضوع انتهى.. مش هتعرف ترفع علينا قضية ولا تعمل حاجة وهي هناك من غير أوراق ولا تليفون."
في اللحظة دي بالظبط، اتتحركوا أربعة من ضباط شرطة المطار ومعاهم اثنين برتب عالية، وقفلوا عليهم الطريق تماماً.
شريف اتفاجئ ووقف مكانه: "خير يا فندم؟ فيه حاجة؟"
الضابط بص له بنظرة حادة وقال له: "أستاذ شريف؟ اتفضل معانا على مكتب التحقيقات فوراً، وحضرتك كمان يا مدام شدوان."
أمه شدوان اتخضت وشاطت في الكلام بصوت عالي: "تحقيقات إيه يا حضرة الضابط؟! أنتم مش عارفين إحنا مين ولا إيه؟ إحنا راجعين من سفرنا عادي ومفيش أي حاجة!"
الضابط رد بصرامة هزت المكان: "حضرتك مقبوض عليك بتهمة خطف طفلة قاصر، وتغيير خط سيرها بدون موافقة الأم، وسرقة وثائق سفر وتليفون شخصي، وإلغاء حجز طيران بخديعة وتآمر."
شريف وشه اصفرّ والدم هرب منه، وبدأ يتلعثم: "خـ.. خطف إيه؟! دي بنتي! ومراتي هي اللي اتأخرت هناك و..."
قبل ما يكمل جملته، أنا خطوت خطوات هادية وطلعت من ورا الضباط ووقفت قدامه مباشرة.
شريف أول ما شافني، عينيه برزت لبره وركبه خبطت في بعضها.. بقى يبصلي ويبص لأمه ومش مصدق، كأنه شايف عفريت قدامه!
"يـ.. ياسمين؟! أنتي.. أنتي وصلتي هنا إزاي؟! وباسبورك وتذكرتك؟! إزاي لحقتينًا?!"
أمه شدوان شهقت وحطت إيدها على بقها، والصدمة شلتها تماماً.
قربت من شريف بكل ثبات، وأخدت بنتي "هنا" من بين إيديه.. البنت أول ما شافتني حضنتني بقوة، وأنا حطيتها في حضني وبصيت لشريف وأمه وقلت لهم بابتسامة باردة:
"مش أنتم سبتولي ورقة بتقولوا فيها 'اتصرفي مع نفسك.. وأما نشوف مين هييجي يلحقك'؟.. أديني اتصرفت، والناس اللي لحقتني جابوني هنا قبلكوا كمان.. ورتكم إنكم كنتوا بتلعبوا مع الشخص الغلط."
شدوان بدأت تصرخ وتتشنج: "أنت عملت إيه يا شريف؟! مش قلت لي إنك مسحت كل حاجة ولغيت تذكرتها ومش هتقدر تخرج من الإمارات؟!"
شريف كان جسمه كله بيتترعش ومش قادر ينطق كلمة واحدة.. النيابة واجهتهم بالورق اللي سابوه بخط إيدهم في الفندق، والرسائل دي بقت دليل إدانة صريح أثبت إن النية كانت مبيتة ومخطط ليها للسرقة والتآمر مش مجرد خلاف عائلي.
اتسحب شريف وأمه بالكلبشات قدام كل الناس في المطار، ودخلوا التخشيبة لحين عرضهم على النيابة.
المحكمة حكمت على شريف بالحبس سنتين بتهمة السرقة والتآمر وإلحاق الضرر وتسهيل خطف طفل، وأمه شدوان أخدت حكم مع وقف التنفيذ كشريكة مع غرامة مالية ضخمة جداً تعويض عن اللي عملوه.
أما أنا، فرفعت دعوى طلاق للضرر وأخدت طلاقي فوراً مع الحضانة الكاملة لبنتي "هنا"، وحرمان شريف من رؤيتها إلا بشروط ومراقبة مشددة من الشرطة.
خرج شريف من اللعبة دي مش بس خسران مراته وبنته، ده كمان مستقبله اتدمر وسمعته بقت في الأرض، وأدرك بعد فوات الأوان إن الندالة اللي خطط لها ردت في صدره وخسرته كل حاجة!