خيانة وهمية .. و فخ لا يرحم ج2...... منى السيد
مليم مش بتاعه، في الوقت اللي كانت بنت الحسب والنسب والمظهر النضيف اللي كنت مأمنها بتنهش في لحمي من ورا ضهري!
أبويا بص لعمتي وخيلاني، وكمل بكبرياء نقي أحمد ما كانش محتاج فلوسي عشان يبقى راجل.. أنا اللي كنت محتاج شرفه وأمانته عشان أفهم معنى الرجولة بجد. ومن هنا ورايح، كرامة أحمد من كرامتي، واللي يفكر يقلل منه بحرف أو بنظرة، يبقى بيقلل من حامد السيوفي شخصياً وبيقطع صلته بيا للأبد.
الدموع لمعت في عين أحمد للمرة التانية، لكن المرة دي كانت دموع عزة وفخر. عمتي قامت من مكانها قربت من أحمد، طبطبت على كتفه واعتذرتله بصوت واضح قدام الكل، وباقي العيلة قربوا يسلموا عليه ويباركوله على سلامته، وكل واحد كان بيحاول يمسح موقفه السلبي القديم.
لكن المفاجأة الكبرى ما كانتش مجرد الاعتذار.
أبويا شاور لمحاميه الخاص، المستشار رفعت، اللي كان واقف في ركن الصالون وماسك في إيده شنطة جلد سودة. طلع المستشار ملفين زرق وحطهم على الترابيزة قدام الكل.
قال بابا بصوت هادي وواضح أما السبب التاني لعزومة النهاردة، فهو قرار إداري وقانوني لا رجعة فيه.. أوراق تعيين أحمد الدسوقي نائباً لرئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لقطاع العمليات والتطوير في مجموعة السيوفي القابضة. ومع القرار ده، عقد تنازل ونقل ملكية لعشرين في المية من أسهم الشركة باسمه وباسم مريم، كشريك مؤسس بحصته اللي دفع تمنها أمانة وشرف في أصعب اختبار.
أحمد شهق بصدمة، ورفع إيديه الاتنين يرفض لأ يا حامد بيه.. أرجوك، أنا مش عايز فلوس ولا مناصب، أنا بس كان يهمني أثبتلك إني مش طمعان في حاجة وإني بصون بنتك ومحافظ عليها.. المنصب ده كبير عليا ومفيش داعي للأسهم دي أبداً!
أبويا قرب منه، ومسك دراعه السليم بقوة وابتسم المنصب مش كبير عليك، المنصب هو اللي كان صغير على نيرة وأمثالها.. إنت راجل بتفهم في الشغل، طحنت نفسك في ورشتك، وأثبت في شهرين في المخازن إنك بتفهم في التوريدات أكتر من خريجين الجامعات الأجنبية اللي عندي. دي مش حسنة يا أحمد، ده حقك بمجهودك، وده استثماري في الراجل اللي هيدير اسمي بعد ما أكبر في السن ومرتاح الضمير.
سكت أحمد وهو مش لاقي كلام يتقال، بص في عيني ولقى فيهم كل الفرحة والدعم اللي في الدنيا، فهز راسه ومضى على الورق بإيد بترتعش من عظم المسؤولية.
خلص اليوم والعزومة، ورجعنا بيتنا في ساعة متأخرة من الليل.
دخلنا شقتنا البسيطة، اللي بنيناها طوبة طوبة بكل جنية حلال. قعد أحمد على الكنبة في الصالة، ريح راسه لورا وبص للسقف بذهول وكأنه لسه بيحلم. قعدت جنبه، وحطيت راسي على كتفه وسألته بنعومة سرحان في إيه يا سيادة النائب؟ ابتسم بحزن خفيف وبص لي سرحان في دار الأيتام اللي كبرت فيها يا مريم.. كنت دايماً بقعد على السور بالليل وأبص للسما وأسأل ربنا أنا هفضل طول عمري ماليش ضهر؟ هفضل دايماً اللي بيقف في آخر الطابور والناس تبصله بشفقة أو بشك؟ مديت إيدي ومسحت دمعة هربت من عينه، فكمل وهو بيبص في عيني بحب وامتنان مالهوش حدود ربنا عوضني بيكي.. إنتي كنتي أهلي لما العالم كله استكترني عليكي، وإنتي اللي صدقتيني لما كان كل شيء ضدي.. لولاكي ولولا الفلاشة اللي دورتي عليها وجريتي ورا الحقيقة، كان زماني دلوقتي متهم ولابس البدلة الزرقا ومفيش مخلوق هيسمعني.
إنت اللي أنقذت نفسك يا أحمد.. أنقذت نفسك بأصلك الطيب وبمعدنك اللي ما صِداش لما الفلوس والتهديد حاصروك. الراجل الحقيقي هو اللي بيختار الموت على الخيانة، وإنت أثبت إنك أنضف بكتير من الدنيا اللي كانوا عايزين يفرضوها علينا.
بعد شهرين من الليلة دي، كانت الحياة خدت مجراها الطبيعي، بس بشكل مختلف تماماً.
نيرة صدر ضدها حكم بالسجن المشدد سبع سنين مع رد كل المبالغ المختلسة وتغريمها، ومعاها شركائها اللي اتورطوا في الاعتداء. والشركة طهرت كل الدفاتر والأنظمة الإلكترونية القديمة.
أما أحمد، فدخل مقر الشركة في التجمع الخامس من الباب الرئيسي، مش كعامل متخفي ولا كموظف خايف من ظله، دخل ببدلته الأنيقة، مبتسم لكل العمال والموظفين، وبدأ أول يوم عمل له كرئيس للعمليات. أول قرار خده في أول اجتماع لمجلس الإدارة، كان إنشاء صندوق رعاية اجتماعية وتأمين صحي شامل لكل عمال النظافة والصيانة والمخازن اللي بيشتغلوا في الشركة، وإلغاء أي نظام للسخرة أو مد ساعات العمل بدون أجر إضافي عادل، عشان ما حدش فيهم يحس بالظلم أو يتكسر زي ما كان هيتكسر في يوم من الأيام.
وقبل ما ينزل من مكتبه عشان نروح نتغدى سوا، علق على الحيطة ورا مكتبه الفخم برواز خشب بسيط جداً، كان جواه أول فاتورة عملها في حياته لورشته الصغيرة القديمة بتاعة الخشب، وجنبها جملة واحدة بخط إيده الرزق يطلب الأمانة، والأصل لا يُشترى بالمال.