بشتري بضاعة لمحل ملابس ج1...... منى السيد
وقفت مكاني متسمرة، عيني رايحة جاية ما بين وش بنتي المخطوف، وملامح حماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتبص في الأرض وهادية، هدوء حسيت إنه بيستفز كل خلية في جسمي.
النار اللي كانت قايدة جوايا بدأت تزيد، مسكت إيد بنتي وشدتها على جمب بصوت واطي ومخنوق:
في إيه يا حبيبتي؟ زعل إيه اللي بتقولي عليه؟ أنتي خبيتي عني حاجة تانية؟ في مصيبة تانية حصلت في المستشفى وأنا معرفهاش؟
بنتي بلعت ريقها بالعافية، دموعها لمعت في عينيها وبصت لحماتي بخوف، حماتي رفعت راسها ورمقت البنت بنظرة معرفتش أفسرها، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنها طالعة من بئر سحيق:
احكي يا بنتي لأمك، كفاية لحد كده، أنا مكنتش عايزة وجع قلب، بس من حقها تفهم بدل ما هي شيلاني ذنب كاسر ضهري.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، اتلفت لحماتي وقولت بصوت عالي شوية:
شايلاكِ ذنب؟ وحضرتك مش مذنبة يا ماما؟ حفيدك كان هيروح فيها، الشارع غرق من دمه، والغريبة هي اللي شالته وجريت بيه، وأنتي قاعدة تقولي للبنت انزلي شوفي أخوكي؟ ده أنتي حتى مكلفتيش خاطرك ترني عليا وتقوليلي ابنك بينزف في الشارع!
حماتي مغضبتش، ولا ردت عليا بنبرتها الحادة المعتادة، هزت راسها بس بتعب وسكتت، وسابت البنت تتكلم.
بنتي مسكت إيدي بقوة، كانت صوابعها متلجة وبتترعش:
يا ماما، اسمعيني بس ومتظلميش تيتة. أنتي فاهمة الموضوع غلط خالص، والست أم محمد الجارة دي… مش زي ما أنتي متخيلة.
الكلمة خلتني أقف على طرافي، شديت كرسي وقعدت قدام بنتي وركبي مش شيلاني:
انطقي يا بنتي وريحي قلبي، أم محمد عملت إيه؟ دي شالته وودته المستشفى وجابتله عصير كمان!
بنتي خدت نفس عميق وبدأت تحكي بصوت مهزوز:
يومها، لما أخويا وقع، أنا كنت في الأوضة، فجأة سمعت صوت صريخ فظيع في الشارع، جريت على الصالة لقيت تيتة قايمة تجري ناحية الباب، بس تيتة ركبتها الاتنين أصلاً وجعاها ومش قادرة تدوس، ومع ذلك كانت نازلة على السلم حافية من الخضة.
لما نزلت أول كام درجة، قابلتها طنط أم محمد وهي طالعة تصرخ وتقول الولد غرقان في دمه والشارع مليان دم، تيتة أول ما سمعت الكلمة دي، ضغطها وطى ووشها اصفر وجت تقع على السلم، سندت على الحيطة وقعدت في الأرض مش قادرة تاخد نفسها. تيتة عندها فوبيا من منظر الدم يا ماما وبتجيلها نوبات قلب، أنتي عارفة ده كويس!
كلام بنتي نزل عليا زي المية الساقعة، أنا فعلًا عارفة إن حماتي بيغمى عليها من ريحة الدم حتى، بس من كتر غيظي من فكرة الإهمال، نسيت النقطة دي تمامًا!
بنتي كملت وهي بتمسح دموعها:
طنط أم محمد مكنتش هادية زي ما قالتلك، دي كانت عمالة تصرخ وتوتر البيت كله وتقول الولد هيموت الولد هيضيع، تيتة من كتر الخوف والدوخة مدت إيدها في صدر جلابيتها وطلعت محفظتها، ورمتها لأم محمد وقالتلها: خدي الفلوس دي كلها، ألفين جنيه كانوا مصاريف البيت، خدي الولد واطلعي بيه على المستشفى الكبيرة اللي في أول الشارع بسرعة وأنا هبعت البنت وراكي!
فتحت عيني على وسعها وقولت:
ألفين جنيه؟ أم محمد مقالتليش إنها خدت مليم من تيتة! دي قالتلي أنا اللي دفعت كشف المستشفى وتمن الخياطة من جيبي لحد ما انتي ترجعي!
بنتي عيطت أكتر وقالت:
ما هو ده اللي حصل يا ماما، تيتة زقتني وقالتلي انزلي وراها يا بنتي اوعي تسيبي أخوكي، شوفي هيعملوا إيه وطمنيني كل دقيقة، ولما سألتها طب ما نكلم ماما؟ تيتة زعقت فيا وقالتلي لأ، أمك مسافرة بالعربية في طريق سفر وسريع، لو سمعت إن ابنها سايح في دمه هتعمل حادثة وتموت، خلينا ننقذ الولد الأول ونداويه وبعدين نقولها لما نوصل!
الكلام كان بيلف في دماغي زي الساقية، حماتي كانت خايفة عليا أنا كمان من الصدمة في الطريق؟ بصيت لحماتي، لقيتها قاعدة باصة للسجادة بكسرة نفس، ست عجوزة وضعيفة، مش هي الحما المتجبرة اللي رسمتها في خيالي.
قولت لبنتي بصوت متقطع:
طب وبعدين؟ لما وصلتوا المستشفى إيه اللي حصل؟ وليه أم محمد قالتلي كل الرواية دي؟
بنتي بصت في الأرض بخوف وقالت:
وصلنا المستشفى الاستثماري القريبة، الدكتور بص على الجرح وقال لازم يدخل عمليات صغرى حالًا ويتخيط، وطالبين تأمين ألف ونص، طنط أم محمد طلعت الفلوس اللي تيتة ادتهالها ودفعتهم، بس الحساب كله طلع بألف وميتين جنيه تقريبًا بالدوا والشاش، وباقي الفلوس كان مع طنط أم محمد في شنطتها.
الدكتور وهو بيخيط، أخويا كان بيصرخ بطريقة تقطع القلب، الدكتور طلب من طنط أم محمد تطلع برة الأوضة عشان كانت موترة الكل وعمالة تلطم في الممر، وهي طالعة، فتحت الشنطة بتاعتها عشان تطلع مناديل، ووقعت منها ورقة من غير ما تاخد بالها، ورقة روشتة كانت ملفوفة في فلوس تيتة الباقية. أنا وطيت أجيب الورقة دي يا ماما… ولقيت مكتوب فيها حاجة تانية خالص!
سكتت بنتي فجأة واترعشت، مسكت دراعها وقولت بحرقة:
مكتوب فيها إيه يا بنتي متجننيش!
بنتي بصت لحماتي وبعدين بصتلي وقالت بصوت واطي جدًا:
الروشتة كانت بتاريخ قديم، بس الورقة اللي ملفوفة فيها كانت إيصال أمانة باسم جوز طنط أم محمد، والأهم من كده… إن طنط أم محمد وهي برة، مكنتش بتعيط على أخويا ولا حاجة، أنا طلعت أشرب مية، لقيتها واقفة في ركن بعيد في الطرقة بتتكلم في التليفون وبتقول: الولد اتخبط جامد في دماغه وهعمل من الحبة قبة، وأمه تاجرة ومعاها فلوس وبتسافر تجيب بضاعة، هفهمها إني شيلت الليلة كلها ودفعت من جيبي وحماتها رمت الواد، وساعتها هطلع منها بمبلغ محترم يفك الضيقة بتاعتنا!
الدم غلي في عروقي لدرجة إني حسيت بوداني بتصفر، كل مشهد افتكرته من يومها بدأ يتعاد في دماغي ببطء.
أم محمد وهي داخلة عليا البيت، وشها اللي كان مرسوم عليه الحزن المصطنع، كلامها المسموم اللي كان بينزل زي النقط على وداني: شوفتي حماتك؟ رمت حتة اللحمة في الشارع وقالت ماليش دعوة، شوفتي أنا اللي سترتكم ودفعت من لحمي ودمي عشان الواد ميموتش، أنتي لازم تعوضي عليا بقى وتعرفي مين حبيبك ومين عدوك!
وأنا زي المغفلة، من كتر الصدمة والوجع، مسمعتش، مفكرتش، جريت طلعت من شنطة البضاعة ألفين وخمسمية جنيه واديتهم لأم محمد وبوست راسها وقولتلها ده حق جميلك فوق راسي!
يعني الست دي خدت ألفين جنيه من حماتي، ودفعت منها مصاريف المستشفى، وأخدت الباقي في جيبها، ورجعت خلتني أدفع تاني وزرعت بيني وبين حماتي سم هاري بقاله أسابيع بيحرق في علاقتنا وفي بيتي!
بصيت لحماتي ودموعي نزلت، قولت بصوت مبحوح:
يا ماما… طب وليه مقولتيش؟ ليه سبتيني أفتكر فيكي كده؟ ليه لما دخلت زعقتلك وقولتلك ابنك وابنك، سكتي ومردتيش وقولتيلي ربنا يسامحك وسيبتيني ومشيتي؟
حماتي رفعت عينها المليانة دموع وبصتلي، صوتها كان هادي ومجروح:
عشان أنتي دخلتي عليا شايطة وعينيكي فيها غل السنين يا بنتي. أنتي دخلتي متهجمة عليا وبتسأليني ببرود: لو ابن بنتك كنتي سبتيه؟ الكلمة دي يا أم الغالي قطعت مصاريني. أنتي محاولتيش تسأليني إيه اللي جرالك، ولا شوفتي ركبي المتورمة من النزلة والطلعة على السلم، أنتي صدقتي الغريبة وكدبتي العشرة اللي بينا. قولت لنفسي خلاص، مادام هي شايفة إني معنديش رحمة بولاد ابني، يبقى أي كلام هقوله هيتقال عليه مبررات وكدب. سبتك لضميرك وقولت ربنا هيظهر الحق.
الأرض مكانتش شيلاني من الخجل، حسيت إني أصغر نملة في الدنيا قدام الست دي. إزاي الغضب يعمي الإنسان لدرجة إنه يصدق أقرب كلمة خبيثة ويشك في لحمه ودمه؟
مسكت إيد حماتي وبوستها وأنا منهارة:
حقك عليا يا ماما، أنا غبية، أنا اتعميت لما شفت ابني وراسه مربوطة والدم على هدومه، حقك على راسي والله ما كنت أعرف…
حماتي طبطبت على كتفي بايد ضعيفة، وقالت:
مسامحاكي يا بنتي، قلب الأم بيغفر، بس الغل اللي في قلوب الناس هو اللي يخوف…
وفجأة، الباب خبط خبطات سريعة وقوية.
بنتي اتخضت ورجعت ورا، وأنا مسحت دموعي بسرعة ووقفت مكاني، الخبطات كانت متوترة وعالية، صوت ست بتنادي من ورا الباب وهي بتلهث:
يا أم أحمد! يا حاجة! افتحوا بسرعة، في مصيبة تانية!
كان نفس الصوت… صوت أم محمد!
فتحت الباب ببطء وعيني بتطق شرار، لقيت أم محمد واقفة في وشي، ملامحها مخطوفة بجد المرة دي، ومش عارفة تتكلم، مسكت دراعي وقالت وهي بتنهج:
الحقي يا أم أحمد… الدكتور بتاع المستشفى، اتصل بيا من شوية، وعايز الولد يرجع المستشفى حالًا، في نتيجة تحاليل طلعت بعد ما خيطوا الجرح، وفي حاجة خطيرة جدًا في راسه لازم يشوفها دلوقتي!
يتبع…