حدود الكرامة ج1 ...... منى السيد

لمحة نيوز

حط في باله إن الكلمة دي تكسر. اعتبرها هزار، أو توصيف عادي لست قاعدة في البيت. ما جاش في باله إن الست دي كانت بتنزل في عز البرد، وفي عز الحر، وبتسيب بيتها نضيف عشان تيجي ترتب بيته هو، وتطبخ أكل هو بيحبه، وتغسل هدومه وهدوم عياله، ومن غير مليم، ولا حتى كلمة شكرا في آخر اليوم.
باب الشقة اتفتح فجأة ودخلت شاهندة. كانت راجعة الساعة اتنين الضهر، وشها أسود من الغيظ، رمت شنطة اللاب توب على الأرض بكل عزمها يوم مهبب! يوم أسود من أوله! رحت الشركة لقيتهم أجلوا الميتنج عشان مديري سافر فرع زايد، وضيعت اليوم على الفاضي! بصت حواليها في الشقة، لقت الپهدلة، وفريدة اللي شعرها منكوش وبتلعب في الكورن فليكس، ومحمود اللي قاعد مبرق للموبايل. إيه القرف ده يا محمود؟! الشقة ريحتها مقرفة ليه كده؟ وإنت لسه قاعد بتيابك؟! وفين أمك، لسه ما نطقتش؟!
محمود رفع عينه فيها، عينه كانت حمرا من التعب والضغط أمي مش جاية يا شاهندة. يعني إيه مش جاية؟! هي الشغلانة بمزاجها ولا إيه؟ هو إحنا لعبة في إيدها تسيبنا في نص الأسبوع وإحنا مرتبطين؟! شاهندة! زعق محمود لأول مرة من سنين بصوت خلى فريدة تتخض وتجري على الأوضة احترمي نفسك وانتي بتتكلمي عن أمي! الشغلانة بمزاجها؟ هي أمي شغالة عندك باليومية وإحنا مش عارفين؟!
شاهندة اتراجعت خطوة لورا، مستغربة النبرة الحادة جرى إيه يا محمود؟ مالك بتزعق كده ليه؟ ما ده الواقع، هي اللي عودتنا إنها بتيجي، مش ذنبي إنها قررت تقمط وتلوي بوزها فجأة! محمود قام وقف، ومد إيده بالموبايل في وشها اقري! اقري الهانم كتبت إيه، وشوفي كلامك اللزج ولسانك الطويل قدام صحابك عمل فينا إيه!
شاهندة خدت الموبايل، عينيها اتحركت بسرعة على السطور. لون وشها اتغير من الڠضب للاحتقان وده وقته بقى؟ يعني الست زعلانة عشان كلمتين اتقالوا في قعدة هزار؟! هو أنا شټمتها؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟ ما هي فعلًا ما بتشتغلش برة، هي مهندسة ولا دكتورة عشان أقول بتشتغل؟ أنا قولت بتساعدنا، وده اعتراف بجميلها!
جميلها؟! محمود ضحك پهستيريا وهو بيشاور على الأركان ده جميلها اللي في السقف وفي الأرض وفي هدوم عيالك! إنتِ شفتي يوم واحد من غيرها عمل فينا إيه؟ شفتي العيال شكلهم إيه؟ شفتي المصېبة اللي إحنا فيها؟ أمي كانت بتشيل البيت ده كله على كتافها، وإنتِ بكل بجاحة رايحة تقولي قدام صحابك التنابلة إنها فاضية وما وراهاش حاجة!
شاهندة حطت إيدها في وسطها، كبرياؤها منعها تعترف بالغلط خلاص يا سيدي، كبرت الموضوع ليه؟ خلاص، نعتذرلها! هكلمها أقولها معلش يا طنط مكناش نقصد، وحقك عليا، والموضوع يخلص وترجع بكرة الصبح!
طلعت موبايلها ورنت على تهاني. الخط رن.. رن.. ورن.. ومحدش رد. جربت تاني، الموبايل اتقفل خالص؛ إدّاها مغلق أو غير متاح.
شاهندة اتنفست بنفاد صبر قفلت تليفونها! شايفة نفسها زيادة عن اللزوم! طب تمام، خليها، بكرة تزهق وترجع، هتروح فين يعني؟ هي ليها مين غيرنا وغير العيال؟ بكرة تتصل وتقول وحشتوني وهجيلكم.
لكن بكرة جه، وبعده جه، والجمعة جت.. وتهاني ما اتصلتش، ولا سألت، ولا حتى فكرت تفتح الشات.
خلال أربع أيام بس، تحولت حياة محمود وشاهندة لكابوس حقيقي.
يوم الأربع، حاولوا يعتمدوا على نفسهم. شاهندة اتفقت مع مكتب شغالات بالتليفون عشان يجيبوا واحدة يومية. جاتلهم واحدة اسمها أم عبير، الساعة بعشرين
جنيه، طلبت فطار الأول، قعدت ساعة تفطر وتشرب شاي بلبن، وبعدين بدأت تروق الصالة، دخلت المطبخ كسرت طقم كوبايات كريستال من بتوع الجواز، وسابت الغسيل مبلول في الغسالة لحد ما ريحته كمكمت، والساعة اتنين الضهر قالت أنا وقتي خلص يا مدام، الحساب 400 جنيه غير التاكسي، ومشت وسابت المطبخ يضرب يقلب.
يوم الخميس، محمود اضطر يغيب من اجتماع مهم لمشروع في العاصمة الإدارية عشان يروح يجيب إياد من المدرسة بعد ما المدرسة اتصلت بيهم وقالت إن الولد سخن ومحدش جه خده. قعد في العيادة بالساعات عشان يكشف عليه، وفي سكة الرجوع اضطر يشتري أكل دليفري من برة، كلفه 600 جنيه في وجبة واحدة كلها زيوت، وشاهندة معدتها تعبت منها وقضت الليل كله في الحمام.
يوم الجمعة، البيت كان غرقان في الژبالة. الباسكتات مليانة، المواعين واصلة لحد الحنفية، الغسيل جبال في كل أوضة، والعيال هلكانين، بيتخانقوا على أتفه سبب، وسليم طول الوقت بيمد إيده ناحية الباب الخارجي ويقول تاتا.. تاتا، مستني الست اللي كانت بتقعده على حجرها تغنيله ذهب الليل وتحكيله حواديت لحد ما ينام وهو شبعان ونضيف.
محمود كان قاعد على الكنبة يوم السبت الصبح، باصص للحيطة كأنه عيان. بص لشاهندة اللي كانت قاعدة قدام اللاب توب بتحاول تخلص شغل، بس شعرها مبهدل وتحت عينيها سواد شاهندة، إحنا مش نافعين من غيرها.
شاهندة ما رفعتش عينها من على الشاشة، بس صوتها كان مخڼوق قصدك إيه؟ قصدي إننا كنا بنستغلها بأبشع طريقة ممكنة، ومكناش بنحس بده إلا لما شيلنا نص اللي كانت بتشيله لوحدها. أمي بقالها تلات سنين بتهلك نفسها عشان راحتنا، وإحنا ولا حتى كنا بنقولها كلمة طيبة، وكل ما تجيب سيرة خروج ولا زيارة نقفلها في وشها ونقولها العيال أهم. طب وأنا قولت إيه يعني؟ أنا جاهزة أعتذر! الاعتذار مش في التليفون يا شاهندة. أمي كرامتها وجعتها، وكرامة الست اللي زي أمي لما بتتهان، مفيش حاجة بترجعها بسهولة. إنتِ هتروحي معايا، برجلك، لحد شقتها، وهتعتذريلها قدامي.
شاهندة بلعت ريقها بصعوبة. كبريائها كان بيصارع جوة نفسها، بس التعب والإرهاق وقلة النوم والخۏف من إن حياتهم ټنهار أكتر من كده خلاها تهز راسها بالراحة ماشي يا محمود. بس بلاش النهاردة عشان مهدودة.. بكرة الحد الصبح.
يوم الأحد الصبح، الساعة كانت حداشر.
تهاني كانت قاعدة في شقتها، فارشة السجادة الصغيرة في الصالة، وحاطة ماكينة الخياطة السنجر القديمة بتاعتها على ترابيزة واطية، وماسكة القماش المشجر الجديد بتقصقص فيه بالمقص الكبير. كانت مشغلة إذاعة الأغاني القديمة، صوت محمد قنديل بيغني جميل وأسمر، وهي بتدندن معاه بصوت خاڤت، ومبسوطة بالستارة اللي بدأت تظهر ملامحها في إيدها.
فجأة، جرس الباب رن.
تهاني رفعت راسها بهدوء. ما اتخضتش. كانت عارفة إن اللحظة دي جاية لا محالة، بس ما كانتش عارفة مين اللي هيجي الأول. حطت المقص على الترابيزة، قامت عدلت طرحتها، ومشيت بخطوات بطيئة لحد الباب، فتحت السلسلة ووربت الباب سنة صغيرة.
على الباب، كانت واقفة شاهندة.
بس مكنتش شاهندة بتاعة عزومة الجمعة. مكنتش الست المتأنقة اللي حاطة ميك اب كامل ولابسة فستان شيك ومستنية الناس تمدح في ذوقها. كانت واقفة لوحدها، محمود مكنش معاها. لابسة عباية سودا بسيطة، وشها شاحب، باين عليه الإرهاق والسهر، وتحت عينيها هالات سودا باينة حتى تحت البودرة الخفيفة اللي حطاها. وفي إيدها الاتنين، كانت ماسكة صينية صغيرة عليها شفشق إزاز كبير مليان عصير ليمون بالنعناع فريش، ومعاه طبق فيه كيكة برتقال كانت
تهاني بتحب تعملها دايمًا.
شاهندة عينيها جت في عين تهاني، فضلت ساكتة ثانيتين تلاتة،
تم نسخ الرابط