بعض الأبواب لا تغلق بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

اتصلت والدتي بي في الثانيه صباحا حبيبتي افتحيلي الباب الجو بارد هنا.. تجمدت في مكاني أمي توفيت منذ ثلاث سنوات.
نظرت من عين الباب ورأيتها واقفة هناك.
ثم قالت شيئا لا يعرفه سواي
اتصلت بي أمي في الثانية صباحا
حبيبتي افتحي الباب الجو بارد هنا في الخارج.
جلست في السرير فجأة وبسرعة حتى طقطق عنقي. كان هاتفي ما يزال ملتصقا بأذني وشاشته مضاءة أمي صورة جهة الاتصال التي لم أستطع حذفها منذ الجنازة.
لكن أمي توفيت منذ ثلاث سنوات.
لجزء من الثانية فعل عقلي تلك القسوة التي تفعلها عقول الفاقدين عرض علي وهما. ربما لا. ربما كان هناك خطأ. ربما
ثم ضربتني الحقيقة غرفة دار الرعاية الأوراق والطريقة التي وقعت بها اسمي مرارا حتى لم يعد يبدو كحروف.
من هناك همست.
تنهدت نفس التنهد المتبرم نفسه الذي كانت تطلقه أمي.
لا تبدأي. فقط افتحي الباب. الجو بارد جدا.
وقف شعر رأسي. لم يكن الصوت مشابها. كان إيقاعها نبرتها الطريقة التي كانت تطيل بها لقبي من الطفولة كأنه مطاط.
أنزلت ساقي من السرير ومشيت في الممر. كانت الشقة مظلمة وصامتة عدا أزيز الثلاجة. ساعة المطبخ تشير إلى 203.
لم أشعل أي ضوء. لم أرد أن يعرف أيا كان من يكون أنني أتحرك.
عند باب الشقة ضغطت عيني على عين الباب.
كادت ركبتاي تخوناني.
كانت هناك امرأة واقفة في الممر تحت ضوء متقطع ترتدي معطف أمي البيج القديم

ذاك الذي كان ينقصه زر وكنت أسخرها بسببه. الطول نفسه. الوقفة نفسها. الشعر الرمادي نفسه المرفوع إلى الخلف
حتى الطريقة التي كانت تمسك بها حقيبتها مشدودة إلى جانبها كأنها تحميها بدت تماما كأمي
ابتعدت عن عين الباب بسرعة كدت معها ان أنزلق.
اهتز هاتفي مرة أخرى. الرقم نفسه. جهة الاتصال نفسها.
لم أجب. نظرت من عين الباب.
رفعت رأسها وحدقت في الباب كأنها تستطيع الرؤية من خلاله. ثم تكلمت بصوت عال سمع عبر الخشب
حبيبتي قالت بصوت ناعم هذه المرة أعلم أنك خائفة. لكنك دائما تصغين عندما أقول تلك الكلمات الخاصة.
سقط معدتي إلى أسفل.
لأنها عندها قالت شيئا لم نكن نستخدمه سوى أنا وأمي شيئا خاصا سخيفا يخصنا نحن
البلاطة. ثلاث طرقات. بلا أسئلة.
شعرت بضيق شديد في صدري حتى آلمني. كانت تلك العبارة شفرتنا الصغيرة للأمان عندما كنت طفلة. إذا خفت كانت أمي تقولها من خلف باب غرفتي فأعرف أنها هي.
ضغطت كف يدي على الباب وأنا أرتجف.
والمرأة في الممر ابتسمت ابتسامة خفيفة كأنها شعرت بترددي
ابتسمت ابتسامة خفيفة تلك الابتسامة التي لا تظهر الأسنان نفس الابتسامة التي كانت تفعلها أمي عندما تعتقد أنها ربحت جدالا قبل أن يبدأ.
قالت بهدوء إيه نسيتي البلاطة ثلاث طرقات بلا أسئلة.
وضعت جبيني على الخشب البارد.
قلبي كان يخبط في صدري كأنه يريد الخروج والهروب قبلي.
كل جزء في كان
يصرخ دي مش أمي.
وكل ذكرى في كانت تهمس مين غيرها يعرف
رفعت صوتي بالكاد خرج ماما لو إنت قولي حاجة تانية. حاجة ما حدش يعرفها.
ساد صمت قصير.
ثانيتان.
ثلاث.
ثم قالت بنبرة متألمة إنت عنيدة زي أبوك
فاكرة لما كسرت المزهرية الزرقا وخبيتيها تحت السرير وقلتي القطة عملتها
انهارت ركبتاي.
جلست أرضا وظهري للباب.
المزهرية.
لم يعرف أحد تلك القصة.
حتى أبي كان قد توفي قبلها بسنوات.
قلت وأنا ألهث إنت إنت متي.
جاء الرد سريعا بلا تردد أيوه.
بس مش كله بيرتاح بالموت.
برد الممر كله أو هكذا شعرت.
كأن الهواء نفسه صار أثقل.
قالت افتحي يا بنتي. مش كويس أبقى واقفة كده. رجلي وجعتني.
كانت دائما تشكو من ركبتها اليسرى.
رفعت رأسي فجأة لا.
لو إنت أمي بجد قوليلي آخر كلمة قلتيها لي.
سكتت.
طالت الثواني.
بدأ الشك يتسلل ثم الخوف ثم الندم.
وأخيرا قالت بصوت واهن خدي بالك من نفسك وماتنسيش تسقي النبتة.
شهقت.
كانت تلك آخر جملة قالتها لي في دار الرعاية قبل أن أغادر تلك الليلة وأنا متضايقة قبل أن يرن الهاتف صباحا ويقولوا إنها رحلت أثناء النوم.
مددت يدي إلى المقبض.
ثم
رن هاتفي مرة أخرى.
نظرت إلى الشاشة.
أمي.
لكن
كانت تقف خلف الباب بالفعل.
رددت وأنا أرتجف إنت بتكلميني منين
جاءني صوتها من الهاتف
وفي نفس اللحظة سمعت نفس الصوت من خلف الباب.
ازدوج الصوت.
قالتا معا افتحي.
صرخت
وأسقطت الهاتف.
تزحلقت للخلف حتى اصطدم ظهري بالحائط.
الصوت من خلف الباب تغير.
صار أعمق.
أبطأ.
أنت كبرتي بس لسه ساذجة.
ثم طرق الباب.
طق.
طق.
طق.
ثلاث طرقات.
تماما مثل الشفرة.
غطيت أذني.
لكن الطرقات لم تكن صوتا فقط كانت
إحساسا كأنها تضرب داخلي.
صرخت امشي!
أنت مش أمي!
ساد صمت ثقيل.
ثم ضحكة خافتة.
عارفة ليه اخترتك
لم أرد.
لأنك وحيدة.
والوحدة بتفتح الأبواب أسرع من المفاتيح.
سمعت حركة غريبة
كأن شيئا يسحب على الأرض.
ثم انخفض الصوت صار قريبا من مستوى الأرض لو ما فتحتيش هفتح لوحدي.
قفزت واقفة.
جريت إلى المطبخ.
سحبت سكينا من الدرج يدي كانت ترتجف لدرجة أنني كدت أجرح نفسي.
عدت إلى الممر.
كان الباب ساكنا.
لا طرقات.
لا صوت.
اقتربت ببطء وضعت عيني على عين الباب.
الممر كان فارغا.
لا أحد.
تنفست ضحكة هستيرية خرجت مني.
هلوسة كابوس ضغط
رفعت الهاتف من الأرض.
لا مكالمات فائتة.
ولا جهة اتصال.
اسم أمي اختفى.
رجعت إلى السرير مع شروق أول خيط ضوء.
لم أنم.
مرت أيام.
لم يحدث شيء.
بدأت أقنع نفسي أن عقلي لعب بي لعبة قاسية.
حتى وجدت شيئا.
في المطبخ.
نبتتي الصغيرة
كانت مسقية.
أنا لم أسقها.
تجمدت.
وفي المساء وأنا أرتب الدولاب وجدت المعطف البيج
معلقا.
معطف أمي.
كنت قد تبرعت به بعد وفاتها.
في الجيب ورقة مطوية.
خط يدها.
لسه نسيتي تقفلي الباب كويس.
في تلك الليلة
لم تنتظر الثانية صباحا.
كانت الطرقات في الثالثة.
طق.
طق.
طق.
لكن هذه المرة
لم تأت لتدخل.
بل لتذكرني
أن بعض الأبواب
حين تغلق
لا تغلق حقا.
تمت

تم نسخ الرابط