طردتني بنتي و زوجها تحت المطر
بدفء غريب يقترب دفء لا تفسير له. لم يكن شمسا فالسماء ما زالت سوداء. سمعت صوتا يا امرأة
كان صوتا رجوليا لكنه ليس كصوت رودريغو. لا غضب فيه ولا تعال. كان عميقا ناعما كالمخمل وفيه سلطان يجعل الأرض ترتجف طمأنينة لا خوفا. فتحت مرسيدس عينيها بصعوبة. أمامها وقف رجل تحت المطر ومع ذلك كان كأنه لا يبتل.
كان يرتدي لباسا بسيطا أشبه بثوب من زمن آخر بلون بيج متواضع وصندلا. شعره بني ينسدل إلى كتفيه ولحيته قصيرة. لكن ما خطف أنفاس مرسيدس حقا كان عيناه سوداوان عميقتان لا نهاية لهما ممتلئتان بحب هائل يكاد يؤلم من شدته. عينان كأنهما بكتا كل دموع العالم ومع ذلك تبتسمان.
جثا الرجل أمامها غير مبال بالطين. قالت مرسيدس متلعثمة من من أنت يا بني فأجاب وهو يمد يدا إليها أنا الذي كنت معك كل مرة بكيت فيها وحدك في تلك الغرفة المظلمة.
نظرت مرسيدس إلى يده. في راحة الكف ندبة دائرية عميقة. اضطرب قلبها. قالت في نفسها لا يمكن إنها هلوسة البرد أو أني مت. تمتمت بضعف لا أنا لا أحد أنا عجوز عبء تردد كلمات صهرها.
ضم الرجل يديها المثلجتين بين يديه. كان الدفء ينتقل فورا يجري في عروقها كنار سائلة يذيب التجمد ويصلح ما تكسر. قال وهو يلفظ اسمها كأنه جوهرة مرسيدس ألفاريز قد تكونين عند الناس غير مرئية لكنك عندي ملكة. لست عبئا. أنت ابنتي.
انفجرت مرسيدس بالبكاء لكنه بكاء راحة لا بكاء انكسار. بكاء من حمل جبلا ثم رفع عن كتفيه. قالت وهي تنتحب يا رب طردوني ابنتي تركتني في الشارع كنت أما صالحة أقسم قال بصوت حنون أعلم. رأيت كل تضحية. رأيت حين كنت تقتسمين رغيفك معها. ورأيت ما حدث اليوم.
تبدلت ملامحه قليلا. ظهر في عينيه حزم رهيب لا ضدها بل ضد الظلم. قال اسمعيني يا مرسيدس. الرجل الذي أهانك يظن أن له سلطانا لأنه يملك المال لكنه بنى بيته على الرمل. كبرياؤه سيكون هلاكه. ارتجفت وسألت وماذا سيحدث قال من يزرع يحصد. وهو زرع رياح القسوة فستأتيه عاصفة. أما أنت وابتسم فكان لابتسامته ضوء في قلب الحديقة الرمادية أنت ستردين إلى ما يليق بك.
قالت في دهشة ممزوجة بالخوف أرد لكني لا أملك شيئا فأجاب تملكين الإيمان وهو أثمن عملة في السماء. غدا قبل أن تشير الساعة إلى الثانية
بحثت مرسيدس في ذاكرتها المرهقة. دون إستيبان شيخ كانت ترعاه حين عملت في حي دل بايي. رجل وحيد شديد المرارة لم يكن أحد يريد خدمته لكنها صبرت عليه تطبخ له حساء الدجاج وتقرأ له الجريدة حتى ماتت زوجته. قالت نعم لكنه مات أليس كذلك قال مات منذ وقت قريب ولم ينس الشخص الوحيد الذي عامله كإنسان.
وقف الرجل ومد يده إليها لتنهض. نهضت مرسيدس ولم تصدق. ركبتاها لم تعودا تؤلمانها والبرد اختفى. شعرت بقوة كأنها عادت شابة. قال لها اذهبي إلى كنيسة باروكيا دل كارمن تبعد ثلاث حارات من هنا. الأب توماس ينتظرك عند الباب وهو لا يعلم لماذا خرج إلى المطر لكنه خرج. سيمنحك مأوى هذه الليلة. تشبثت مرسيدس بيده وقالت يا رب لا تتركني فوضع يده على جبهتها برفق وقال أنا معك كل الأيام إلى انقضاء الدهر. واستعدي يا مرسيدس لأن صهرك سيقع وابنتك ستبحث عنك وعندها ستواجهين أصعب قرار في حياتك أن تغفري. قالت وهي ترتجف الغفران صعب يا رب يؤلمني. قال أعلم. لكن الغفران يحررك أنت لا يحررهم. ثقي بي.
ثم بدأ يمشي في ضباب المطر. رمشت مرسيدس لتزيل الدموع وحين فتحت عينيها لم تجده. كان المقعد جافا والمطر قد توقف وشعاع شمس شق الغيوم السوداء وأضاء برج الكنيسة القريبة.
عدلت مرسيدس شالها واستقامت كما لم تستقم منذ سنين وسارت نحو الكنيسة. لم تعد العجوز العبء. كانت ابنة ملك وقصتها لم تبدأ إلا الآن.
وفي تلك الأثناء في قصر لوماس كان رودريغو يصب لنفسه كأس ويسكي وهو يحتفل بأنه تخلص من المشكلة. رن هاتفه. كان شريكه الرئيس. قال رودريغو بتعال ألو فجاءه الصوت مضطربا رودريغو لدينا مشكلة خطيرة. مصلحة الضرائب ووحدة الاستخبارات المالية جمدتا كل حسابات الشركة. هناك أمر ضبط بتهمة الاحتيال. يجب أن تغادر المكان فورا.
انزلقت الكأس من يد رودريغو وتحطمت على الرخام. كان الصوت كصوت إمبراطورية تنهار.
مشت مرسيدس تلك الحارات الثلاث تحت شمس خرجت لتوها بعد العاصفة وهي تشعر بقوة في ساقيها لم تعرفها منذ كانت في الأربعين. وعند بوابة كنيسة
قبل أن تمد يدها إلى الجرس فتح الباب. كان الأب توماس رجلا ضخما في الستين تقريبا يرتدي ثوبا كهنوتيا أسود وبيده مكنسة. تجمد حين رآها. تمتم يا مريم العذراء فأجابت مرسيدس بطاعة قديمة بلا خطيئة حبل بها يا أبانا.
حدق فيها الكاهن بدهشة كأنه يرى شبحا أو علامة سماوية. قال لن تصدقي قبل عشر دقائق كنت أسبح بالمسبحة وفجأة شعرت بإلحاح لا يقاوم أن أفتح الباب كأن أحدا قادم. ماذا حدث لك يا أماه أنت مبتلة ومع ذلك لمس كتفها وقطب حاجبيه ثيابك جافة لكنك ترتجفين.
قالت بخجل مكسور حكايتي طويلة يا أبتي. طردوني من بيتي. لا مأوى لي. فأجاب دون تردد ادخلي ادخلي. بيت الله بيت الجميع.
نامت مرسيدس تلك الليلة في ملجأ الكنيسة الصغير خلفها. لم يكن قصرا في لوماس. كانت الجدران من طوب عار والسقف فيه رطوبة وصوت الحافلات لا ينقطع من الشارع القريب. لكن السرير كان نظيفا والشراشف تفوح برائحة صابون بسيط ولأول مرة منذ سنوات لم ينظر إليها أحد بازدراء. قدمت لها الأخت كلارا طبقا من حساء ساخن وقطعة خبز حلو. وقالت لها كلي يا أماه يبدو أن روحك على وشك الانطفاء.
أكلت مرسيدس وهي تبكي لكن هذه المرة من الامتنان. وقبل أن تغفو تذكرت كلام الرجل في الحديقة غدا قبل الثانية عشرة ستتلقين مكالمة. هل يمكن أن يكون ذلك صحيحا أم أمنية أخيرة لعجوز تركت للبرد همست وهي تعانق مسبحتها يا يسوع إن كنت أنت فلا تترك يدي فأنا خائفة.
جاء الصباح مع دقات الأجراس تدعو إلى قداس السابعة. ساعدت مرسيدس في كنس الفناء وغسل صحون الإفطار. شعرت أنها نافعة أنها إنسان. لكن عينيها كانتا تلتصقان بالهاتف الأرضي القديم في مكتب الأخت كلارا جهاز بلون باهت فوق الطاولة.
مرت الساعات ثقيلة. التاسعة صباحا لا شيء. العاشرة والنصف اتصال لامرأة تسأل عن مواعيد المعمودية. بدأت القلق ينهشها. قالت في نفسها كان حلما. أنا أهذي. لن يتصل بي أحد. كانت تذكر نفسها بأن دون إستيبان مات وأنه ما كان ليبحث عنها.
عند الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة جلست على كرسي بلاستيكي ويدها متشابكة تهمس بالصلاة. بدأت الشكوك تغلبها
وعند الحادية عشرة واثنتين وخمسين دقيقة رن الهاتف. كان جرسه حادا حتى إن مرسيدس قفزت من مكانها. رفعت الأخت كلارا السماعة بصوتها اللطيف كنيسة الكرمل صباح الخير ثم سكتت لحظة وهي تعقد حاجبيها من يطلبها نعم لدينا سيدة وصلت أمس لحظة.
غطت الراهبة فوهة السماعة بيدها ونظرت إلى مرسيدس بعينين متسعتين السيدة مرسيدس الاتصال لك. إنه مكتب محاماة من بولانكو.
أحست مرسيدس أن ساقيها صارتا من هلام. نهضت ببطء وسارت نحو الهاتف كأنه مذبح. ارتجفت يدها وهي تمسك بالسماعة. قالت أ ألو فجاءها صوت رجولي مهني هل أتحدث إلى السيدة مرسيدس ألفاريز قالت نعم أنا. قال معك المحامي مارتين إسكيفيل من الدائرة التوثيقية 148. بحثنا عنك أشهرا. والحمد لله أخبرنا محقق خاص أنه رآك تدخلين الكنيسة أمس. أحتاج حضورك إلى مكتبي اليوم الأمر عاجل. يتعلق بقراءة وصية المرحوم دون إستيبان روميرو.
أغمضت مرسيدس عينيها وانحدرت دمعة وحيدة على خدها. لم يكن حلما. لم تكن مجنونة. لقد صدق الوعد. قالت بصوت متهدج نعم يا سيدي سأحضر. ثم أغلقت السماعة ورفعت رأسها إلى السقف حيث تسلل شعاع شمس من نافذة عالية شكرا همست شكرا يا أبي.
أعطاها الأب توماس أجرة سيارة أجرة وهو يقول مبتسما إنه استثمار إيمان يا أماه. وفي الجانب الآخر من المدينة كان جحيم رودريغو يتسع.
كان في مكتبه في سانتا في ناطحة سحاب زجاجية تطل على المدينة. لكنه لم يلتفت إلى المنظر. كان يتصبب عرقا باردا ويفك ربطة عنق فاخرة كأنها حبل مشنقة. كان يصرخ في الهاتف كيف يعني مجمدة أنا رودريغو سالاثار! لدي استثمارات بملايين الدولارات! لا تستطيعون فعل هذا!
لكن صوت موظف مصرفهالذي كان بالأمس يعامله كملككان الآن باردا جافا نأسف يا سيد سالاثار. الأمر صادر مباشرة عن وحدة الاستخبارات المالية. هناك بلاغات عن حركات غير نظامية وشبهة غسل أموال واحتيال ضريبي. بطاقاتك حساباتك الاستثمارية حسابات الشركة كلها محجوبة حتى إشعار آخر. وأنصحك بمحام جنائي لا محام شركات.
رماه رودريغو بالهاتف على المكتب فتهشمت الشاشة. صرخ اللعنة! وركل كرسيه الجلدي. دخلت سكرتيرته وهي