طردتني بنتي و زوجها تحت المطر
رجال في الخارج. يقولون إنهم من النيابة. لديهم أمر تفتيش.
تجمد العالم حول رودريغو. ذلك الرجل الذي دفع بالأمس عجوزا إلى المطر لأنها رائحتها كريهة صار يشم الآن رائحة خوفه رائحة حادة لاذعة. فكر أن يتصل بكارولينا لكن ماذا يقول لها إن حياة الرفاه التي وعدها كانت كذبة مبنية على خداع تطلع من النافذة. في الأسفل سيارات الشرطة وفي الأعلى سماء رمادية. وفي ذهنه كصدى ملعون ارتدت كلمات مرسيدس الله يرى كل دمعة. تمتم لا لا يمكن مجرد مصادفات.
في مكتب أنيق لكنه هادئ في بولانكو تفوح منه رائحة الخشب العتيق وكتب القانون جلست مرسيدس أمام المحامي إسكيفيل. شعرت بصغر في ذلك المقعد الكبير وأخذت تسوي تنورتها المرتجفة.
قال المحامي رجل في الخمسين بعينين طيبتين وهو يخلع نظارته السيدة مرسيدس كان دون إستيبان روميرو رجلا فريدا. لم يرزق أبناء وتوفيت زوجته قبل عشرين عاما. كون ثروة معتبرة في العقارات لكنه مات وحيدا. ثم فتح ملفا جلديا سميكا وقد أرفق رسالة بخط يده مع وصيته. طلب أن أقرأها لك قبل الإجراءات القانونية.
أومأت مرسيدس وهي تحبس أنفاسها. تنحنح المحامي وقرأ إلى مرسيدس ألفاريز. قد لا تتذكرينني أو قد تذكرينني بصفتي العجوز المتذمر في شارع أدولفو برييتو. لكنني أتذكرك. أتذكر أنك حين كان الجميع يعاملونني كقطعة أثاث بالية كنت تسألينني كيف أصبحت. أتذكر أنك كنت تعدين لي شاي القرفة حين يوجعني بطني مع أنه ليس واجبك. أتذكر يوم دفنت زوجتي كنت الوحيدة التي بقيت معي في غرفة الجلوس بصمت تؤنسين وحدتي حين ذهب الآخرون لتناول الطعام. يا مرسيدس إن الطيبة عملة نادرة في هذا العالم. يظن الناس أن القوة مال لكن القوة الحقة أن تخدم الآخرين بالحب حتى إن لم يرك أحد. أنا رأيتك. لذلك أريد أن أضمن أنك لن تجبري مرة أخرى على خدمة أحد بدافع الحاجة بل إن خدمت فبإرادة قلبك.
وضعت مرسيدس يديها على فمها وانفجرت بالبكاء. اهتز كتفاها وكأنها تستعيد كرامتها المهدورة دمعة دمعة.
قال المحامي بصوت هادئ لقد جعلك دون إستيبان وريثته العامة في أمرين محددين. الأول منزله الرئيس في حي سان آنخل بيت قديم على الطراز الاستعماري مع حديقة واسعة مسدد بالكامل وخال من أي رهن. اتسعت عينا مرسيدس. بيت في
ثم قال وهو يدفع شيكا فوق مكتب من خشب داكن والثاني حساب ادخار بعد خصم الضرائب يبلغ أربعة ملايين بيزو لتعيشي ما تبقى من عمرك بكرامة ملكة كما نصت الوصية.
نظرت مرسيدس إلى الشيك. كم من الأصفار لم تر مثله قط. ارتجفت يداها حتى عجزت عن إمساكه. قالت سيدي هذا كثير أنا كنت أنظف بيته فحسب أنا فقال المحامي لقد منحته إنسانيته وهذا لا ثمن له. وقعي هنا من فضلك.
خرجت مرسيدس من المكتب وفي حقيبتها القديمة مفاتيح بيت ومستقبل مؤمن. كانت شمس العصر تلمع فوق شارع ماساريك. الناس يهرولون إلى متاجر فاخرة لكنها كانت تسير بإيقاع آخر. جلست على مقعد أخرجت المفاتيح وضمتها إلى صدرها. كان المعدن باردا لكنه أحرق قلبها فرحا. قالت وهي تنظر إلى السماء شكرا يا دون إستيبان وشكرا لك يا ربي يا من تقوم العوج.
ركبت سيارة أجرة إلى سان آنخل. وحين وصلت إلى العنوان وقفت أمام البيت مدهوشة. كان جميلا تتدلى على جدرانه حجارة قديمة وبوغانفيليا زاهية وباب حديدي مشغول. فتحت الباب. كان الداخل تفوح منه رائحة الإغلاق لكنه يحمل رائحة تاريخ. أثاث مغطى بملاءات بيضاء. رفعت مرسيدس غطاء عن أريكة مريحة وجلست. وقالت بصوت مرتجف ارتد صداه في الجدران الفارغة لدي بيت لدي بيت! ثم ضحكت وبكت في آن واحد ضحكة خرجت من عمقها.
لم تعد المقيمة بلا حق. لم تعد العبء. صارت سيدة حياتها.
وفي بيت لوماس انكسر الصمت. كانت كارولينا في الصالة تمسك الهاتف ويديها ترتعشان. دخل رودريغو فوضوي المظهر قميصه خارج بنطاله وعيناه محتقنتان. صرخ جهزي الحقائب! علينا أن نهرب! الآن! صاحت كارولينا إلى أين يا رودريغو ماذا يحدث لقد رفضت بطاقتي في المتجر يا للعار! فهزها من كتفيها وهو يصرخ انسي البطاقة! سيودعونني السجن يا كارولينا! انتهى كل شيء!
وفي تلك اللحظة دوى جرس باب القصر لا كجرس الضيوف بل كضربات سلطوية. افتحوا! النيابة العامة! أطلقت كارولينا صرخة رعب. ركض رودريغو نحو الباب الخلفي لكنه عرف أن لا جدوى. كان البيت محاصرا. لقد وصلت العدالة ولم تحمل معها محاميا للدفاع.
لم يتأخر الخبر أن يتصدر نشرات المساء. الكاميرات تنقل صناديق وأجهزة حاسوب تسحب من قصر رودريغو. الجيران
نجا رودريغو من الحبس الاحتياطي بأمر قضائي عاجل دفع ثمنه مما بقي لديه نقدا وبساعة نادرة لكن الضرر وقع. البيت صار محجوزا للبنك والحسابات صارت صفرا والشركاء اختفوا أو صاروا يشهدون ضده.
وبعد ثلاثة أيام جاء القرار النهائي إخلاء فوري.
كان رودريغو يصرخ عند الباب وهو يتشاجر مع العمال الذين يخرجون أثاثه الإيطالي إلى الرصيف لا يمكنكم فعل هذا! أنا رودريغو سالاثار! لا تعرفون من أنا! لكن مأمور التنفيذ رجل قصير بنظارة ووجه لا مبال لم ينظر إليه لديك عشر دقائق لإخراج متاعك الشخصي وإلا بقي في الداخل. الملكية تنتقل إلى البنك. وقع هنا أو أستدعي القوة العامة.
كانت كارولينا جالسة على الرصيف فوق حقيبة فاخرة بدت سخيفة وسط المهانة. تبكي بصمت بلا مكياج شعرها متسخ تبدو صغيرة هشة. توسلت رودريغو لنذهب الناس ينظرون فالتفت إليها بعينين مليئتين حقدا اصمتي! كل هذا بسببك! أنت من جلبت النحس! منذ طردنا أمك انهار كل شيء! رفعت كارولينا رأسها وكأن ضربة أصابت معدتها بسببي أنت من دفعها إلى المطر. أنت من سرق. أنت من كذب. فزمجر فعلت ذلك من أجلك! كي تعيشي ملكة!
استأجروا شاحنة نقل رخيصة بما تبقى من نقود خبأتها كارولينا في حصالة. لم يحملوا أثاثا فخما بل ثيابا وصناديق قليلة. وحين ابتعدت الشاحنة نظرت كارولينا إلى القصر للمرة الأخيرة. لم يعد قصرا. بدا كقبر من رخام. همست انتهى كان كل شيء كذبا.
انتهى بهما الحال في شقة ضيقة من غرفتين في حي دوكتوريس. جدران رقيقة تسمع كل شيء أنابيب تصدأ وتقطر موسيقى الجيران تضرب حتى الفجر. القصر تبدل إلى بناية متعبة. صمت المتحف تحول إلى ضجيج الشارع.
تمدد رودريغو على فراش قديم اشتري من سوق شعبي ينظر إلى سقف متقشر وزجاجة تكيلا رخيصة في يده. كان يهذي سأستعيد كل شيء سترون أنا عبقري. لكن كارولينا وهي تراقبه من زاوية الغرفة فهمت أن العبقري مات وبقي قشر فارغ يطفح بالمرارة. ولأول مرة منذ سنوات شعرت بفراغ رهيب في صدرها. كان ينقصها شيء أو بالأحرى كانت تنقصها أمها. أغمضت عينيها وهمست
وفي الوقت الذي كانت حياة ابنتها تغرق في وحل رمادي كانت حياة مرسيدس تزهر كجاكرندا في الربيع. بيت سان آنخل لم يكن جدرانا فقط بل ملاذا. أمضت الأسابيع الأولى تنظف لا لأنها مضطرة بل لأنها تريد أن تزيل غبار النسيان. فتحت النوافذ ليدخل الضوء والهواء ويطرد رائحة الإغلاق.
ولم تنفق مرسيدس مال الميراث على حلي أو سفر. قالت للأب توماس يوم زارها لم أريد هذه الأشياء ما لا يشارك يفسد يا أبتي. ثم فعلت ما أتقنته طوال عمرها رعاية الآخرين. استأجرت بستانيا ليحيي فناء خلفيا ماتت وروده. كانت تقول له اقطع القبيح يا بني فالجذر ما زال حيا. بقليل ماء وحب يعود كل شيء.
وبالفعل خلال شهرين صار البستان انفجارا من الألوان. وصار البيت الذي كان صامتا ميتا يمتلئ بالحياة. بدأت مرسيدس تطبخ قدورا كبيرة بوزولي تماليس وأتوله بالجوافة. لم تطبخ لنفسها بل فتحت بوابة الحديد يومي الثلاثاء والخميس تفضلوا! تنادي عمال البناء في الجهة المقابلة والنساء اللواتي يبعن الحلوى عند الزاوية والأطفال الخارجين من المدرسة جائعين هنا لقمة ساخنة لمن شاء.
تحول البيت إلى ملجأ. يجيئون للطعام نعم لكنهم يبقون للصحبة. كانت مرسيدس تصغي إليهم وتسدي النصح وتواسي وتدعو للمرضى. قالت لها جارة تدعى دونيا لوبي في عينيك نور يا سيدتي. فتجيب مرسيدس مبتسمة ليس مني يا ابنتي إنه من رب السماء الذي منحني فرصة ثانية.
ومع أن البيت كان ممتلئا بقي في قلبها فراغ على هيئة ابنة. كل ليلة قبل النوم في سرير نظيف وثير كانت تنظر إلى صورة كارولينا التي احتفظت بها في محفظتها القديمة. كانت تصلي يا رب وعدتني أنها ستأتي. احفظها أينما كانت. لا تذيقها ما ذقته. اكسر كبرياءها لكن لا تكسر روحها.
وفي مساء من تشرين الأول وبينما كانت تفرط حبات الذرة على الشرفة ارتعشت مرسيدس لا من برد بل من شعور غامض. هبت ريح أسقطت أوراقا يابسة. همست إنهم قادمون العاصفة مرت علي لكنها تبدأ عليهم.
في حي دوكتوريس بلغ الأمر القاع. لم يعد رودريغو يخرج من الشقة. شرب آخر ما تبقى من ثمن حلي كارولينا. كان يؤذيها بكلماته وبإهماله وأحيانا بثورته حين يرمي الصحون لتتحطم على الحائط. صرخ ذات