نور اسمه الأمل
جلس رأفت على الكرسي في غرفة العمليات بعد أن أنهى حالة معقدة، العرق يتصبب من جبينه، وعيناه مثقلتان بالتعب. أغمض عينيه للحظة كأنه يريد أن ينسى العالم، لكن صوت صديقه محمد قطع عليه شروده: – إيه يا باشا، مش كنت قايل إنك واخد إجازة لحد ما السنيورة تخف؟
فتح رأفت عينيه ببطء، وأجاب بصوتٍ واهن: – زهقت يا محمد. اقترب محمد أكثر، وأسند يده على المكتب، وقال بجدية: – تسيبها لوحدها كده؟ رد رأفت وهو يعتدل قليلًا: – لأ، الشغالة معاها.
محمد لم يقتنع، فابتسم ابتسامة تحمل القلق: – البنت دي حكايتها إيه؟ بقالها أربع شهور معاك ومتعرفش عنها حاجة. ابتسم رأفت ابتسامة خفيفة، وقال: – في حد ما يعرفش حاجة عن مراته؟ محمد تفاجأ: – مراته؟ أطرق رأفت برأسه، وقال: – آه يا محمد، مراتي. محمد ابتسم بفرح: – أخيرًا ودّعت العزوبية؟ ضحك رأفت بخفة: – طبعًا يا ابني. محمد نظر له بجدية أكبر: – بس يا رأفت… يعني هي؟ قاطعه رأفت: – عارف يا محمد، والله عارف. محمد: – طب و… رأفت: – أنا هعرف أتعامل معاها كويس. محمد ابتسم: – ربنا يهنيك يا صاحبي.
نهض رأفت وأخذ جاكيتَه،
…
دخل رأفت البيت وهو يبحث عنها بعينيه، حتى وجدها جالسة مع الشغالة. ما إن رأته حتى قامت مسرعة نحوه وقالت بعتاب طفولي: – كده يا كداب، تسيبني أنام وتمشي؟ ضحك رأفت وهو يزيح شعرها للخلف برفق: – جاتلي مكالمة مهمة واضطريت أنزل الشغل. هاجر ابتسمت بخفة: – ماشي، سماح المرة دي. أمسك رأفت يدها وسار بها نحو غرفتهما، وقال للشغالة: – حضرينا الغداء يا داد، معلش.
…
جلس رأفت أمامها على السرير، نظر إليها بجدية وقال: – بصي يا هاجر، ركزي معايا. نظرت إليه بتركيز، فأكمل: – أنتِ لما وقعتِ على الأرض كنتِ واعية وقلتيلي اسمك، وبعدها أغمي عليكِ واحتجتي عملية في رجلك ضروري. أول ما صحيتِ من العملية ما افتكرتيش حاجة، وأنا أخدتك هنا وفضلت أدور على اسمك لحد ما عرفت أنتِ مين وبنت مين.
هزت هاجر رأسها في صمت، فأضاف رأفت: – عرفت إنك ملكيش غير أخ اسمه جبل، وكان داخل في مشاكل مع ناس، وإنك غلبانة ولوحدك. وأنا لازم أقف جنبك، وعمرى ما هتخلى عن إني أبقى السند وعوض ربنا ليكِ.
هاجر ظلت تنظر إليه محاولة
…
في المستشفى بعد أيام، وقف رأفت أمام الطبيب يسأله بقلق: – يعني إيه يا دكتور، مفيش علاج؟ أجابه الطبيب بأسف: – للأسف يا دكتور رأفت، الخلايا في المخ ماتت تمامًا. أغمض رأفت عينيه بضيق وقال: – ماشي يا دكتور، شكرًا.
خرج وهو ممسك بيد هاجر، فرفعت رأسها نحوه والدموع في عينيها: – رأفت… نظر إليها بصمت، فقالت بوجع: – أنت زعلان علشان مش هخف؟
دخل رأفت مكتبه في المستشفى، جلس متعبًا، ثم التفت إليها وقال بنبرة حانية: – حتى لو بقيتِ أضعف من كده، هفضل معاكي العمر كله… فاهمة؟
ابتسمت هاجر رغم دموعها، وشعرت أن سندها الحقيقي هو رأفت، وأن الحب الصادق لا يعرف ضعفًا ولا مرضًا… بل يعرف الوفاء حتى النهاية.
بعد حديث الطبيب، اجتمع رأفت مع عائلته الرافضة في غرفة المستشفى، وجوههم متوترة، والهمسات تدور بينهم عن المستقبل المجهول. أحد الأقارب قال بقلق: – يا رأفت، فكر بعقلك… البنت حالتها صعبة، ومش هتخف. ليه تربط نفسك بيها؟
رفع رأفت رأسه
هاجر كانت تستمع من بعيد، والدموع تنهمر من عينيها، لكنها شعرت لأول مرة أن قلبها مطمئن. اقترب منها رأفت، جلس بجانبها، وأمسك يدها بقوة، وقال أمام الجميع من عائلته: – يمكن الطب يقول إنها مش هتخف، لكن أنا شايف إنها أقوى من أي مرض. وأنا هفضل معاها، أساندها، وأحبها، وأحارب الدنيا كلها علشانها.
ساد الصمت المكان، حتى الطبيب نفسه لم يجد ما يقوله، فقد رأى في عيني رأفت عزيمة لا تنكسر. هاجر رفعت رأسها، وبصوتٍ مبحوح لكنها مليئة بالثقة، قالت: – طول ما إنت جنبي يا رأفت، أنا مش خايفة من حاجة.
ابتسم رأفت، ومسح دموعها، ثم نظر إلى الجميع وقال: – الحب مش بيتقاس بالصحة أو المرض، الحب بيتقاس بالوفاء. وأنا وعدتها أكون سندها، والوعد عندي مش كلمة… الوعد حياة.
…
خرجوا من الغرفة، والليل يكسو المستشفى بسكونه، لكن في قلب هاجر ورأفت كان هناك نور صغير يضيء الطريق،
النهاية