أجبرتني عائلتي على تناول الطعام في المطبخ

لمحة نيوز

أجبرتني عائلتي على تناول الطعام في المطبخ أثناء حفل زفاف أخي، حتى لا أُحرجهم، وهم لا يعلمون أنني صاحب الفندق الذي كانوا يحتفلون فيه.
كنتُ دائمًا الخروف الأسود في العائلة، لأنني اخترت السفر وبناء عملي الخاص بدل أن أحبس نفسي في مكتب، مثل أخي المحامي النجم.
كان والداي يعتقدان أنني مجرد شخص ضائع حالفه الحظ. أهانوني في أهم يوم للعائلة دون أن يدركوا أن الكأس التي رفعوها للاحتفال، والأرض التي مشوا عليها كلاهما يخصّني.
في عائلتي، يُقاس النجاح بعقدة ربطة العنق.
أخي الأكبر، نجيب، كان الابن المثالي محامٍ في شركة كبرى، شريك صاعد، وخطيبة تنتمي إلى عائلة عريقة.
أما أنا، جبران، فكنت المتمرّد الذي غادر في العشرين من عمره بحقيبة ظهر، يسافر عبر دول آسيا. الشخص الذي لم يظهر في صور الأعياد، لأنه كما كانوا يقولون تائه في العالم.
ما لم يفهمه والداي يومًا، لأنهما لم يكلّفا نفسيهما عناء السؤال، أنني لم أكن أتجوّل فقط بل كنت أستثمر.
اشتريت أراضي رخيصة في مناطق سياحية ناشئة. بنيت بيوتًا صغيرة تحوّلت لاحقًا إلى فنادق بوتيك. وأنشأت تجارب إقامة فاخرة تستهدف المسافرين العصريين.
في الثامنة والعشرين، كانت ثروتي الصافية تفوق مجموع ثروة عائلتي بأكملها ومع ذلك، بقيت في نظرهم العاطل الذي يعيش بمعجزة.
عندما أعلن نجيب زفافه من لارا، ابنة سياسي لبناني معروف، كاد والداي يطيران من الفرح.
قالت أمي بحماس
يجب أن يكون الحفل في فندق المرسى الملكي في جونية إنه الأكثر فخامة على الساحل. الحجز فيه يحتاج إلى عامين!
بطريقة بدت لهم معجزة، حصل نجيب على الموعد.
أما الحقيقة فكنت قد قلت لمديري
إن اتصل أخي، أعطه أي موعد يريده وقدّم له الباقة الماسية كاملة. إنها هديتي له دون أن يعرف.
كنت أريد مفاجأتهم في ذلك اليوم.
أن أرى وجوههم عندما يكتشفون أن الضائع هو من منحهم

حفل أحلامهم.
كم كنت ساذجًا.
وصلت إلى الحفل مرتديًا بدلة كتان أنيقة، بسيطة، بلا ربطة عنق. كان ذلك أسلوبي. وكان هذا فندقي.
لكن والديّ اعترضاني في الردهة قبل أن أصل إلى الحديقة.
همست أمي بحدة
ما هذا الذي ترتديه؟ تبدو كأنك نادل على الشاطئ!
قلت بهدوء
إنه كتان إيطالي يا أمي والجو حار.
تدخل والدي
هذا زفاف أخيك! هناك شخصيات مهمة الجميع بملابس رسمية. أنت لا تناسب المكان.
حاولت تهدئة الموقف
سأجلس في الخلف، لا تقلقوا.
تبادل والداي نظرة سريعة، ثم قال أبي
في الحقيقة من الأفضل ألا تجلس معنا. هناك شركاء من الشركة، وسياسيون. لا نريد أسئلة محرجة عنك أو عن عملك.
سألت، وأنا أشعر بانقباض في صدري
وماذا تقترحون؟
قالت أمي، دون أن تنظر في عيني
طلبنا من المنظم أن يجهّز لك طاولة في منطقة الخدمة قرب المطبخ. ستكون مرتاحًا هناك وستتناول نفس الطعام، طبعًا. لكن لن تظهر في الصور الرسمية.
تجمّدت في مكاني.
أنتم تخبئونني؟
ظهر نجيب وهو يعدّل أكمامه، وقال ببرود
نحن نحميك ونحمي أنفسنا. لارا لا تريد وجوهًا غير مناسبة في ألبوم الزفاف. افعل لنا معروفًا، تناول طعامك بهدوء وغادر مبكرًا.
نظروا إليّ ينتظرون استسلامي.
ينتظرون ذلك الشاب الذي كان يخفض رأسه دائمًا.
لكن ذلك الشاب اختفى منذ سنوات.
ابتسمت. ابتسامة باردة.
لا تقلقوا لن أفسد صوركم.
وغادرت.
لكن ليس إلى المطبخ.
توجّهت إلى مكتب المدير العام في البرج الرئيسي.
تفاجأ جاد، المدير، برؤيتي.
أستاذ جبران! ظننتك في الحفل هل كل شيء بخير؟
قلت بهدوء
لا كل شيء ليس بخير. أريد فاتورة حفل زفاف نجيب ولارا.
بحث سريعًا على الحاسوب، ثم قال
المجموع 85 ألف دولار لكن كما طلبت، هناك خصم 100 مجاملة من المالك.
نظرت إليه، وأنا أسكب لنفسي كأسًا من العصير.
ثم قلت
ألغِ الخصم.
تجمّد.
عفوًا؟
ألغِه الآن. واطبع الفاتورة.
وأريدك
أن تذهب بنفسك إلى طاولة العروسين وتسلمها لوالدي.
وأخبره أن الدفع مطلوب قبل تقديم العشاء. هذه سياسة الفندق.
تردد لحظة
لكن 
الجزء الثانيتردد جاد للحظة، كأنه يحاول يراجع إن كان سمع الجملة صح.
أستاذ جبران والدك؟ في حفل زفاف أخوك؟
ابتسمت ابتسامة قصيرة لا تصل للعين.
مش مشكلتي إنهم ما يعرفوش أنا مين.
سكت ثانية، ثم نفّذ الأمر.
بعد دقائق، كان الظرف الأبيض في يده، يسير بخطوات متوترة نحو الحديقة حيث يقام الحفل.
ومن بعيد كنت أراقب.
أبي كان واقفًا وسط مجموعة من رجال الأعمال، يضحك بثقة كعادته. أمي بجانبه تلمّع صورتها بين السيدات.
نجيب يقف كالعريس المثالي، يلتقط الصور وكأنه بطل فيلم.
جاد اقترب. سلّم الظرف.
في البداية، ضحكة خفيفة من أبي وهو يفتحه أمامهم، ظنًا أنه شيء تنظيمي بسيط.
ثم اختفت الضحكة.
تبدّل وجهه.
إيه ده؟! قالها بصوت منخفض في البداية ثم أعلى.
أمي اقتربت
فيه إيه؟
أبي قرأ بصوت متقطع
فاتورة الحفل 85 ألف دولار مستحقة الدفع فورًا قبل تقديم العشاء.
ساد صمت غريب كأن الموسيقى نفسها اختنقت.
نجيب ضحك ضحكة عصبية
أكيد خطأ! الفندق بيهزر إحنا الضيوف!
لكن جاد، المدير، وقف خلفهم مباشرة وقال بهدوء مهني قاتل
لا يوجد خطأ. هذه سياسة المالك. الدفع أو إيقاف الخدمة.
تجمدت الكلمة في الهواء المالك.
أبي رفع عينيه بحدة
مالك إيه؟ أنا حاجز باسم ابني! الفندق ده تابع لشركة استثمارية أجنبية!
جاد لم يجب.
لكن نظره كان موجهًا نحوي من بعيد.
هنا فقط بدأت أمي تلاحظ اتجاه نظراته.
التفتت ببطء.
ورأتني.
واقف عند مدخل الممر الزجاجي، كأس العصير في يدي، أراقب المشهد بهدوء.
تصلّب وجهها.
إنت؟
نجيب التفت أيضًا.
تجمّد حرفيًا.
إيه اللي بيحصل؟
بدأت همهمة تنتشر بين الضيوف شيء غير مفهوم يحدث في حفل الزفاف المثالي.
اقتربت خطوة واحدة فقط.
ثم قلت بصوت هادئ، واضح،
يسمعه الجميع
فيه ضيف في الفندق لازم يدفع فاتورته قبل ما يكمل احتفال.
صمت.
أبي ضحك ضحكة قصيرة مرتبكة
أنت بتتكلم عن مين؟
نظرت له مباشرة
أنت يا أبي.
تجمدت ملامحه.
إنت بتقول إيه؟
أخرجت هاتفًا بسيطًا من جيبي، وفتحت شاشة واحدة فقط، ورفعتها أمامه.
اسم المالك.
جبران الرفاعي.
اسم العائلة.
لكن الاسم الذي بجانبه كان اسم الفندق.
رأيت أمي تتراجع خطوة للخلف لأول مرة في حياتها.
نجيب همس
مستحيل
لكن المستحيل كان واقفًا أمامهم بالفعل.
اقتربت أكثر، وصوتي ظل هادئًا
أنا مش جاي أفسد فرحتكم أنا جاي أكمّلها.
توقفت لحظة، ثم أضفت
بس المرة دي من غير أوهام.
وفي تلك اللحظة بالذات انطفأت ابتسامة العريس المثالي، وبدأ أول شرخ حقيقي في صورة العائلة التي كانوا يفتخرون بها ساد صمت ثقيل كأنه غطّى الحديقة كلها.
الموسيقى ما زالت تعمل، لكن محدش كان سامعها.
أبي مسك الورقة بإيده كأنها بتلسعه.
إنت بتهزر إنت بتعمل إيه قدام الناس؟
نجيب حاول يستجمع نفسه
حتى لو ده حقيقي دي مش طريقة تعامل مع العيلة!
ابتسمت بهدوء، وقلت
العيلة؟
سكت لحظة، ثم أضفت
العيلة اللي قررت تحط ابنها في المطبخ عشان ما يحرجهاش قدام الضيوف؟
تسربت همهمة بين المدعوين.
الكلمة وصلت.
أمي تقدمت خطوة، صوتها متوتر لأول مرة
إحنا كنا بنحاول نحمي صورتنا الناس هنا مهمين
قاطعتها
وصورة ابنكم؟ كانت مهمة عند مين؟
الصمت رجع أقوى من الأول.
فجأة، واحد من طاقم الإدارة ركض ناحية جاد وهمس في أذنه.
وجه جاد اتغير.
اقترب مني وقال بصوت منخفض
فيه مشكلة الضيوف بدأوا يسألوا عن هوية المالك الحقيقي. واحد من رجال الأعمال عارف اسمك.
نظرت له بهدوء
سيبه يقول.
رجع خطوة للخلف بقلق.
في اللحظة دي، موبايل أبي رن.
رد وهو متوتر.
ثواني، ووشه اتبدّل تمامًا.
إيه؟ مين؟ لا، مستحيل!
قفلت المكالمة.
رفع عينيه عليّ ببطء.
إنت اشتريت
الفندق ده إمتى؟
سكت.
وبعدين قلت
من خمس سنين.
أمي همست
وأنت ما قلتش؟
ابتسمت ابتسامة قصيرة
كنتوا مشغولين تشرحوا للعيلة إني فاشل.
سكتت.
فجأة، صوت زجاج بيتكسر على
 

تم نسخ الرابط