اهلي رفضوا يدفعوا جنية في مصاريف كليتي العسكرية
ومشيت بهدوء من القاعة.
وأنا خارجة سمعت أمي بتنادي
سارة! استني!
وقفت لحظة
من غير ما أبصلها.
قالت بصوت مكسور لأول مرة
إحنا كنا غلطانين.
ابتسمت ابتسامة خفيفة
وقلت
متأخر.
ومشيت.
لأول مرة في حياتي
أنا اللي سبتهم ورايا. وقفت برا القاعة الهوا كان بارد، بس صدري كان أخف بكتير من جوا.
صوت الزحمة ورايا بدأ يهدى، وكأن باب الفرح قفل على كل حاجة قديمة وأنا خرجت لوحدي.
كنت لسه ماشية ناحية البوابة لما سمعت صوت جري ورايا.
سارة!
لفّيت
كريم.
كان واقف بيحاول يظبط نفسه، بدلته متلخبطة، ونَفَسه سريع.
قال وهو بيقرب
استني لو سمحتي.
بصيتله بهدوء
في حاجة؟
وقف قدامي لحظة، كأنه بيجمع كلامه، وبعدين قال
أنا مدينلك باعتذار.
رفعت حاجبي
على إيه؟
إني ما اتكلمتش بدري إني سيبتهم يعاملوكي كده قدامي.
هزيت راسي
مش ذنبك.
سكت شوية، وبعدين قال بصوت أوطى
أنا ما كنتش أعرف إنك أختها غير لما شوفت اسمك.
ابتسمت بسخرية خفيفة
واضح إن الدنيا صغيرة.
وقفنا لحظة في سكون.
وبعدين قال
إنتي كويسة؟
السؤال كان بسيط بس غريب عليا.
فكرت شوية وبعدين قلت
أيوه لأول مرة.
من بعيد صوت
أمي صوتها واضح.
إنت السبب! إنت اللي فضحتينا!
وأختي بتعيط
أنا مالي! هو اللي اتجنن!
كريم سمع وقفل عينه لحظة.
قلتله بهدوء
ارجع لو عايز دي حياتك.
بصلي نظرة ثابتة وقال
لا أنا خلاص اخترت.
سكتنا تاني
وبعدين قال بابتسامة خفيفة
فاكرة اليوم ده؟
عرفت يقصد إيه.
لما كنت بتصرخ وتقولي متسيبنيش؟ قلتها بنبرة هادية.
ضحك رغم التعب
كنت مرعوب.
رديت
وأنا كنت مركزة بس إني أخلّيك تعيش.
بصلي بإعجاب صادق
وده اللي عملتيه.
موبايله رن بص فيه وبعدين قفله من غير ما يرد.
قلت
مش هترد؟
قال ببساطة
مفيش حاجة أهم دلوقتي.
هزيت راسي ولفّيت أمشي.
بس صوته وقفني
سارة.
بصيتله.
قال بهدوء
لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود.
ابتسمت ابتسامة خفيفة
متقلقش أنا بعرف أعتمد على نفسي.
ركبت عربيتي القديمة
نفس العربية اللي خرجت بيها من البيت من سنين.
بس المرة دي
أنا مش نفس البنت.
وأنا بسوق افتكرت كل حاجة
الرفض
الإهانة
الوحدة
وبعدين القوة
الاعتماد على نفسي
واحترامي لنفسي.
وقفت عند إشارة وبصيت في المراية.
وشي هادي ثابت.
قلت لنفسي بهدوء
أنا كفاية.
وفي البيت
الليلة دي ما عدتش عادية.
أمي قاعدة منهارة
أبويا ساكت
وأختي حياتها اتقلبت في لحظة.
كل الأقنعة وقعت.
لكن أنا؟
ما كنتش محتاجة أنتقم.
الحياة نفسها عملت ده.
وبداية جديدة كانت مستنياني.
وأنا أخيرًا
مستعدة أبدأها. عدّى أسبوع.
الهدوء اللي بعد العاصفة كان غريب بس مريح.
رجعت لروتينيالشغل، التمرين، والانضباط اللي متعودة عليه. بس جوايا حاجة كانت اتغيّرت. كأني أخيرًا قفلت باب قديم كان دايمًا موارب.
في يوم وأنا في الوحدة الطبية، الظابط المسؤول سلّمني ظرف
خطاب توصية جالك من جهة مدنية كبيرة.
فتحت الظرف
شركة طبية دولية بتعرض عليّ منصب تدريب متقدم في الإسعاف القتالي خارج مصر.
وقفت لحظة أفكر
ده كان حلم زمان.
بس زمان كنت بحاول أثبت لحد.
دلوقتي؟
أنا بختار لنفسي.
في نفس اليوم موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت
ألو؟
سكت ثواني وبعدين صوت أمي.
سارة
صوتها كان هادي مكسور شوية.
ما رديتش فورًا.
قالت
ممكن أشوفك؟ بس نتكلم
بصراحة ما كنتش مستنية المكالمة دي.
قلت بهدوء
ليه؟
سكتت وبعدين قالت
عشان أقولك أنا آسفة.
الكلمة وقعت تقيلة.
مش عشان أول مرة أسمعها
عشان
اتقابلنا في كافيه بسيط.
أمي كانت مختلفة
مش الست الواثقة المتحكمة اللي أعرفها.
بصتلي وقالت
أنا غلطت في حقك كتير وأنا عارفة إن الاعتذار مش كفاية.
كنت ساكتة.
كملت
كنت دايمًا شايفة مي ومش شايفة إنتي.
سألتها بهدوء
ليه؟
دموعها نزلت
عشان إنتي كنتي قوية فافتكرت إنك مش محتاجة.
هنا بس ضحكت ضحكة خفيفة.
القوة مش معناها إني مش بتوجع.
سكتت وما لقيتش رد.
قالت
أنا مش بطلب إنك ترجعي ولا تنسي بس نفسي نحاول نصلّح اللي ينفع.
فكرت شوية
وبعدين قلت
أنا مش هرجع زي الأول.
هزت راسها بسرعة
فاهمة.
بس ممكن نبدأ من جديد. بشروطي أنا.
عيونها لمعت
أي حاجة.
خرجت من الكافيه
مشيت في الشارع والهوا خفيف.
ما سامحتش بالكامل
بس كرهت أقل.
وده كان كفاية كبداية.
بالليل
بصيت على خطاب السفر تاني.
ابتسمت.
وبعت الموافقة.
تاني يوم
كنت في المطار.
شنطتي خفيفة بس قلبي تقيل بحاجات كتير وواسع لحاجات أكتر.
قبل ما أركب الطيارة موبايلي رن.
كريم.
رديت.
قال
سمعت إنك مسافرة.
ابتسمت
الأخبار بتوصل بسرعة.
ضحك
كنت متأكد إنك مش هتوقفي.
سكت لحظة وبعدين قال
خلي
قلت
دايمًا.
النداء الأخير للرحلة اشتغل.
بصيت قدامي طريق جديد.
ومشيت.
لأول مرة في حياتي
أنا مش بهرب.
أنا باختار.
وسارة
بقت الحكاية اللي محدش يقدر يقلل منها تاني.