عمود البيت بقلم منال علي

لمحة نيوز


قلت ببرود: "عديمة الفايدة يا كرم.. ومستريحة جداً." وقفلت في وشه.

 

بعد ساعة جاتلي رسالة من حماتي:
"فين باسورد حساب الكهرباء؟ النور هيتقطع! غيرتيه عشان تغيظيني؟!"
رديت بسطر واحد: "الباسورد ملزوق ورا الراوتر على الورقة اللي كنتِ بتسميها «اللزقة الوحشة». مساء الخير."

بعد أسبوعين من "راحتي"، الحقيقة بدأت تبان في قصر العيلة.
بيت الحاجة زينب قديم ومحتاج صيانة، كان صامد بفضل صبري وتصليحاتي اليومية.
كنت عارفة إن سيفون الحمام اللي فوق هيسرب مية لو ما اتشَدش عليه كل تلات أيام.
وعارفة إن الغسالة ما ينفعش تشتغل والكاتل شغال، عشان الكهرباء ما تضربش.
والأهم من ده كله.. كنت عارفة سر السخان.

يوم السبت بالليل، كرم اتصل تاني، وفي الخلفية صوت خبط ورزع كأن البيت بيتهد.
صرخ: "أماني! الحقينا! كل حاجة باظت! أمي دخلت تستحمى، سمعنا صوت طقطقة، المية طالعة بخار والحمام غرقان مية تلج! والبيت كله بيتهز!"
قلت بهدوء: "ده هواء في

المواسير يا كرم. اقفل المفتاح العمومي بتاع الكهرباء وفرغ الضغط من حنفية المطبخ."
قال مرتبك: "مش عارف فين محبس الضغط! وأمي بتصرخ وعليها الصابون! وعم صابر مش بيرد!"
"عم صابر في السوق كل سبت. مش هيرجع غير الاتنين. اتصلوا بالطوارئ."
"قالوا هييجوا بعد تلات ساعات! 

أماني.. أرجوكِ.."


قلت بهدوء: "كنت أتمنى أساعد، بس أنا "عديمة فايدة"..

 فاكر؟ مش عايزة أربك "خبيرة" زي والدتك بنصايحي." وقفلت الخط وشربت شاي ب نعناع

بعد تلات أسابيع، عديت عشان أخد باقي حاجتي، شوية كتب وسجادة اليوجا.
اللي شفته كان مسرحية كوميدي.
الجنينة اللي كنت بكنسها بإيدي، بقت غابة حشائش بقلم منــال عـلـي 
علب بيتزا فاضية مركونة في البلكونة — واضح إن "الحد الأدنى" من الطبخ انهار تماماً.
جوه البيت ريحة رطوبة.. والقطط عاملة تمرد.

الحاجة زينب طلعت من الصالون وقالت:
"آه! شوفتي اللي حصل؟ سيبتي البيت فخرب! السخان فرقع، والغسالة بتنط من مكانها،

وكرم بيلبس هدومه مبهدلة لأن المكنة دي بتقطع القمصان!"
بصيت للغسالة وقلت بهدوء:
"يا حاجة زينب، إنتو نسيتوا تشيلوا السلك المعدني من جوه الحلة. كنت بعمل ده كل شهر. والسخان اتحرق عشان مفيش حد بينضف الفلاتر. كنت بعمل ده كل سبت وأنتم بتتفرجوا على المسلسلات."
صرخت: "وليه ما قولتيش؟!"
قولت: "قولت، بس إنتِ قولتي لي إني "بضيع وقتي في تفاهات" و"بتمنظر إني مشغولة". فاكرة؟"

كرم خرج من المطبخ، وشه أصفر وتحت عينيه سواد، وفي إيده طاسة محروقة.
قال بهدوء: "أماني.. جاتلنا فاتورة مية خمسين ألف. السيفون اللي فوق كان بيسرب من أسبوعين ومحدش أخد باله."
قلت: "مش "محدش"، بل "أنتم". أنا كنت واخدة بالي. كنت بغير الجوان كل أسبوعين، بتاخد خمس دقايق. بس أنتم قولتم إني "بهدر المية". واضح إني كنت بوفرها."

حاولت الحاجة زينب تجيب "شغالة"، بس الست مشيت بعد تلات أيام وقالت: "البيت ده فيه عفاريت.. المواسير ليها حياة لوحدها."

كرم بدأ ييجي مكان

شغلي معاه ورد، ووجهه وجه واحد خسران كل حاجة.
قال: "أماني.. ارجعي. أنا فهمت أمي، وهي موافقة تعتذر."
ابتسمت وأنا بشيل سجادة اليوجا وقلت:
"كرم، عارف إيه المضحك؟ إن "عدم الفائدة" ده شعور رائع. إيدي بطلت توجعني من الكيماويات، ومابقتش أعرف أسعار قطع غيار السباكة، وتليفوني بطل يضرب بصريخ "الأكل اتحرق".
قال بقلق: "والبيت؟ هيقع!"
قولت: "البيت شوية طوب يا كرم. اللي كان مخلي البيت "بيت" هي الست اللي طردتوها. خلي مامتك هي اللي تكون الأساس.. هي "خبيره" في كل حاجة، مش كده؟" بقلم منــال عـلـي 

ركبت عربيتي، وقبل ما أنطلق قلت له:
"آه.. صحيح، قول لمامتك إن زرع الأوركيد اللي على الشباك ده "بلاستيك". أنا غيرته من ست شهور عشان الحقيقي كان بيموت تحت رعايتها. مش محتاج مية، عشان إطار الشباك ما يعفنش."

دست بنزين، وسبت ورايا اللي كان يوماً بيت عظيم، وبصيت في المراية لقيت كرم باصص للوردة البلاستيك في إيده بذهول.
طلعت الحقيقة إن البيت

من غير حب واهتمام، مش أكتر من شوية طوب ومواسير مصدية.

تمت

تم نسخ الرابط