دفتر توفير الحدة بقلم صافي هاني
وهم بقوا ورا ضهرك. الفلوس دي يا بنتي مش عشان تذليهم، الفلوس دي عشان تشتري بيها نفسك وتعملي اللي أنا ما عرفتش أعمله. افتحي الصندوق اللي تحت بلاطة السرير.. فيه سر تاني أبوكي لو عرفه كان قتل نفسه من الندم.
قلبي دق بسرعة، وقمت شلت السجاد القديم، وفعلاً لقيت بلاطة مهزوزة. رفعتها ولقيت صندوق حديد صغير. فتحته ولقيت فيه عقود ملكية تانية خالص.. طلعت ستي كانت بتشتري الأراضي اللي أبويا كان بيخسرها في القمار والديون من وراه، وبتحفظها باسمي أنا من وأنا طفلة!
يعني مش بس أنا غنية، أنا فعلاً صاحبة كل شبر هو كان فاكر إنه ضاع منه بسبب طمعه.
في اللحظة دي، تليفوني رن.. كان رقم غريب. رديت، لقيت صوت سلوى مراته بتشهق من العياط
الحقينا يا أسماء! أبوكي جاله جلطة أول ما دخلنا البيت القديم.. ومش راضي ينطق غير باسمك.. بيقولك سامحيني يا بنتي، أنا ضيعت الأمانة.
وقفت لحظة.. كان ممكن أفرح فيه، كان ممكن أقول
رحت المستشفى، ووقفت قدام سريره. كان وشه دبلان، وعينيه تايهة. أول ما شافني، مسك إيدي وبدأ يبكي زي العيل الصغير. بصيت له وقلت له بهدوء
يا بابا، أنا مش هسيبك، بس مش هرجعك القصر تاني. القصر ده هعمله دار للأيتام، عشان اللي زيك ما يكسروش خاطر عيل تاني. إنت هتعيش معايا هنا، في رعاية الله، وبما يرضي الله.. بس من غير سلطة ولا فلوس. عشان تتعلم إن البني آدم قيمته في قلبه، مش في دفتر توفير.
بص لي بندم حقيقي وهز راسه بالموافقة.
خرجت من أوضته ووقفت قدام شباك المستشفى وبصيت للسما. دلوقتي بس قدرت أقفل الدفتر الأزرق وأنا مرتاحة. ستي ما سبتليش ورث مادي بس، سابت لي فرصة إني أصلح اللي هدمه الطمع، وأبني حياة أساسها الحق مش المظاهر.
ودي كانت أغلى نصيحة من ست مصرية أصيلة عرفت تربي وتصون.. لما يضحكوا سيبيهم، وفي الآخر.. الحق هو اللي بيضحك.
مرت الشهور، وفعلاً نفذت اللي وعدت بيه. القصر اللي كان أبويا بيتباهى بيه وبظلمه فيه، اتحول ل دار ستي، وبقى مليان ضحكات أطفال أيتام ومحتاجين، وصوت القرآن والذكر مالي المكان بعد ما كان ماليًا بالوجع.
أبويا بدأ يتعافى تدريجيًا، بس فضل عايش في البيت القديم وسط حارة ستي. كان في الأول صعبان عليه نفسه، بس مع الوقت، بدأ ينزل المسجد اللي جنب البيت، ويقعد مع الناس البسيطة، وبدأ يحس براحة عمره ما ذاقها وهو عايش في الفلل والقصور.
في يوم، رحت أزوره، لقيته قاعد في الصالة الصغيرة وماسك سبحة ستي في إيده. أول ما شافني، قام وقف وباس راسي وقال لي
يا أسماء، أنا كنت عايش في عمى، والدفتر اللي كنت فاكره حتة جلدة، هو اللي نجدني من النار قبل ما أموت. أنا دلوقتي بس عرفت ليه أمي كانت بتعاملك إنتِ بالذات كأنك كنزها الوحيد.
أما سلوى وحسين، فالحياة أدبتهم بطريقتها. سلوى ما استحملتش العيشة البسيطة وطلبت الطلاق
وفي ليلة جمعة، كنت واقفة قدام قبر ستي، وبقرأ لها الفاتحة. المطر كان بينزل خفيف، بس المرة دي كان ريحته مسك. حسيت كأني سامعة صوتها بيطمني.
طلعت دفتر التوفير من شنطتي، وبصيت له لآخر مرة. الدفتر ده ما كانش فيه أرقام وبس، ده كان فيه خريطة طريق لكرامتي.
رجعت بيتي، وفتحت الصندوق الحديد اللي كان تحت البلاطة، وحطيت فيه الدفتر وقفلت عليه. مش عشان أخبي فلوس، عشان يفضل ذكرى لأي حد من ولادي في المستقبل، يعرفوا إن الحق مهما اترمى عليه تراب، بيجي يوم والمطر بيمسح التراب ده، ويبان الذهب اللي تحته.
القصة بدأت بجنازة ودموع، وانتهت ب حياة وجبر خاطر. وزي ما ستي كانت بتقول يا بنتي، اللي معاه ربنا، الدنيا كلها بتبقى في جيبه، بس المهم ما يخليهاش تدخل قلبه.
تمت.