حسبة معاش بقلم منال علي
"إحـنا هنـطلع لـوالدتي 5 آلاف جنيـه كـل شهر"، قـالها "جـمال" وهـو بيـبص فـي سـاعته، وكـأنه بيـبلغني بمـيعاد دوا أو ح٤اجة روتـينية جـداً.
كنت ماسكة الشوكة، وحسيت إن قلبي هو اللي وقع مش الشوكة. فضلت أحرك ورق السلطة في الطبق وأنا ماليش نفس، كان كل حلمي في اللحظة دي شوية شاي دافيين وبطانية تداريني من برد الخريف اللي بدأ يهجم علينا.
الجو بره كان ساقعة، بس الجملة اللي رماها جمال كانت أبرد بكتير. بقلم منــال عــلي
– "نعم؟ قولت إيه يا جمال؟"، سألته وأنا بحاول أكذب ودني، كأني مسمعتش.
مع إني سمعت، وسمعت كويس أوي. 5 آلاف جنيه! ده رقم يكسر وسطنا، خصوصاً وإحنا "معاشات" وميزانيتنا محسوبة بالمليم. بقلم منــال عــلي
جمال نزل الجرنان من قدام عينيه، وبص لي من فوق النضارة بمنتهى البرود، وكأن الموضوع منتهي:
– "بقولك يا هالة، هنساعد أمي. 5 آلاف جنيه كل أول شهر."
– "أمك مين؟"، استهبلت، مع إني عارفة طبعاً هو بيتكلم عن مين. جمال ملوش غيرها، "الحاجة" والدته، حماتي العزيزة.. الست اللي، خلينا نكون صرحاء، عمرها ما صفت لي يوم.
– "أمي أنا
سكتت. بصيت له والأسئلة بدأت تلف في دماغي زي الساقية.
أنا وجمال مع بعض بقالنا 35 سنة. عمر بحاله، عشناهم كتف بكتف. شفنا الحلو والمر. بس طول عمرنا "كلمتنا واحدة". أي قرار، خصوصاً لو مادي، كنا بناخده سوا. حوشنا القرش على القرش، كبرنا الولاد، ويدوب لسه بنقول يا هادي وبنحاول نرتاح. بقلم منــال عــلي
وفجأة وبدون مقدمات: "إحنا هنطلع". مفيش "إيه رأيك؟"، مفيش "نقدر ولا لأ؟". قرار ملكي واجب التنفيذ.
– "يا جمال"، قولت بصوت هادي بس فيه رشة عتاب، "الـ 5 آلاف دول هما اللي شايلين البيت لآخر الشهر. إنت ناسي إننا لسه بنساعد ابنك في جمعية شقته؟ وناسي إن علاجي وعلاجك لوحدهم ميزانية؟ هنجيبهم منين؟"
– "منين يعني؟"، رفع كتافه بلا مبالاة مستفزة، "من المصاريف.. نضغط نفسنا شوية. البركة هتحل علينا يا هالة."
– "
– "يا هالة، بلاش النظرة الضيقة دي"، جمال كشر وكأني بقول كفر. "الأم دي هي البركة، والمال مالها.. إنتي بتبخلي على ست كبيرة بالقرشين دول؟"
"ببخل"، رددت الكلمة في سري بوجع. الست دي مكنتش في يوم أم ليا. كانت حماة صعبة، دايماً شايفة إن جمال ده "منحة" منها ليا، وأني مهما عملت مش هكفي جمايلها.
ودلوقتي، بقت "الأم البركة".. والـ 5 آلاف دول هيتاخدوا من راحتي ومن حساب بكرة اللي شايلة همه. أنا كمان طحنت نفسي في الشغل زيه بالظبط، وكنت بلف في ساقية عشان البيت ميبقاش ناقصه حاجة. ودلوقتي، لما جه الوقت اللي المفروض نعيش فيه مستورين، عايز يوزع ميزانيتنا بالمنظر ده؟ بقلم منــال عــلي
– "يا جمال، افهمني صح، أنا مش ضد إننا نساعد والدتك"، قولت وأنا بحاول أتمالك أعصابي، "بس المبلغ ده كبير على ظروفنا. خلينا نطلع مبلغ
جمال اتنفض من على الكرسي وكأني أهنته.
– "بتفاصلي في أمي يا هالة؟ بقيتي بتحسبي اللقمة للست اللي جابتني الدنيا؟ يا خسارة يا هالة، مكنتش فاكر إن العشرة تهون عليكي كده!"
وهنا قفل السكة في وشي. رجعت أنا "الوحشة"، الناكرة للجميل، اللي معندهاش أصل.
وكأن اعتراضي على "الطريقة" وعلى "المبلغ" هو كره لحماتي.
أنا معترضة إني "تكملة عدد" في البيت ده. إني شريكة رحلة بقالها 35 سنة، وفي الآخر رأيي ملوش لازمة في قرار يخص مستقبلي ومستقبل بيتي.
الزعل ركبني، وحسيت بغصة في حلقي ودموعي بدأت تغلبني. لفيت وشي الناحية تانية وبصيت من الشباك عشان جمال ملمحش دموعي. الدنيا بره كانت مغيمة، مطر خفيف وهوا بيطير شجر الشارع.. زي قلبي بالظبط، كان فيه غيوم وعواصف.
فضلنا ساكتين بتاع خمس دقايق، بس كان سكوت تقيل أوي. كل واحد فينا غرقان في أفكاره. جمال رجع يمسك الجرنان وكأن مفيش حاجة حصلت، وأنا قاعدة والنار بتاكل فيا من جوه. مش بس عشان الفلوس، لأ.. ده خوف.
خوف من بكرة، وخوف إن جمال يقرر أي حاجة