حسبة معاش بقلم منال علي

لمحة نيوز

 وألاقي نفسي آخر من يعلم.. كأني غريبة في البيت، مش شريكة عمر.

​– "جمال"، بدأت أتكلم تاني وأنا بحاول أهدي نبرة صوتي على قد ما أقدر. "تعال بس نقعد سوا ونحسبها بالورقة والقلم."

​نشوف معانا كام بالظبط؟ وبنصرف كام في الشهر؟ ونشوف هنقدر نطلع كام لوالدتك من غير ما نلاقي نفسنا مش لاقيين ناكل في نص الشهر.

​جمال نفخ بضيق وساب الجرنان. باين عليه مكنش عايز يفتح الموضوع تاني، بس شاف في عيني إني مش هسكت.

​– "ماشي يا هالة، تعال نحسب"، قالها وهو ملوش نفس. "بس إنتي مكبرة الموضوع، الخير كتير وهيقضي."

​بدأنا نحسب. طلعنا وصلات النور، والمية، والغاز. حسبنا ميزانية الأكل، وعلاجي وعلاجه، ومصاريف المواصلات.. وكمان حسبنا حساب لو حد فينا احتاج يروح لدكتور فجأة. بقلم منــال عــلي 

​الحسبة طلعت تقيلة، والأرقام تخوف. ولو شيلنا الـ 5

آلاف جنيه اللي هو قال عليهم.. مش هيفضل معانا "النكلة". وده وإحنا ماشيين جنب الحيط، يعني من غير أي "ظرف طارئ" والظروف دي مبتحبش تيجي غير وإحنا مفلسين.

​بصيت لجمال، لقيته هو كمان مكشر وعمال يضرب أخماس في أسداس على الآلة الحاسبة. وشكله بدأ يستوعب إن الـ 5 آلاف دول "قطمة وسط" لينا، بس كبرياءه كان مانعه يعترف إنه اتسرع ورمى الرقم ده من غير تفكير.

​– "شوفت بقى؟"، قولت له بعد ما خلصنا الحسبة. "حتى لو ضغطنا نفسنا على الآخر، الـ 5 آلاف دول كتير أوي فوق طاقتنا." بقلم منــال عــلي 

​ألفين، أو ألفين ونص.. ممكن نمشي بيهم حالنا وحالها. لكن 5؟ إحنا كده بنرمي نفسنا في التهلكة يا جمال.

​جمال سكت شوية، ملامحه بدأت تلين، وبص لي بصه فيها تعب واعتذار مداري.

​– "خلاص يا هالة"، قال بصوت واطي، "معاكي حق، الـ 5 آلاف فعلاً كتير علينا. خلينا

نخليهم ألفين ونص.. تفتكري هيكفوها؟"

​– "ألفين ونص مع معاشها هيستروها وزيادة"، رديت وأنا باخد نفسي وبحس إن جبل انزاح من على صدري. "بس يا جمال، بعد كده خلينا نتفق سوا في أي حاجة.. إحنا بيت واحد، وفرحنا وحزننا وقرشنا واحد." بقلم منــال عــلي 

​– "حقك عليا"، جمال وافق وهو بيطبطب على إيدي. "ماتزعليش مني يا هالة، أنا بس الست صعبانة عليا، ونفسي أكرمها في أيامها الأخيرة."

​– "عارفة يا حبيبي وفاهمة"، قولت له وأنا قلبي بدأ يصفى. "الأم غالية، والواجب واجب.. بس لازم كمان نبص تحت رجلينا، إحنا كمان كبرنا ولازم نعمل حساب بكرة." بقلم منــال عــلي 

​جمال سكت وهو بيبص من الشباك. المطر كان هدي، والشمس بدأت تطلع من ورا السحاب وتفرش نورها على الشجر.

​حسيت إن دي إشارة، إن سحابة الصيف اللي بينا عدت، وإن الكلام الصريح، حتى لو كان

بيوجع، هو اللي بيصفي النفوس.

​قمت وقفت، وحطيت إيدي على كتفه. حسيت بعضلاته بدأت تفك، ومال براسه على إيدي. بقلم منــال عــلي 

​الدنيا بتبقى حلوة طول ما إحنا سوا، رغم الـ 5 آلاف، ورغم حماتي، ورغم كل ضغوط الحياة. المهم إننا لسه بنعرف نتفاهم ونوصل لبر الأمان.

​– "تشرب شاي؟"، سألته بابتسامة.

​– "يا ريت"، رد وهو بيبتسم لي. "وبالمرة حطي فيه ليمون عشان البرد."

​دخلنا المطبخ نجهز الشاي. تفصيلة صغيرة وبسيطة، بس رجعت الدفا لروحي. جالي أمل إننا هنفضل كدة لسنين قدام، نشرب شاي بليمون ونحل كل مشاكلنا سوا. بقلم منــال عــلي 

​مش مهم المبلغ كام، المهم إن الحب والتفاهم لسه ساكنين بيتنا. الفلوس بتروح وتيجي، وزي ما بنقول دايماً: "السترة في العافية، والبركة في الرضا."

​وهي دي الدنيا.. حبة خناق، وحبة صلح، وحبة حب. بنعافر عشان نعيش

بكرامتنا، ونحافظ على أغلى حاجة معانا.. بعضنا.

تم نسخ الرابط