عودة الغربة بقلم صافي هاني
رجلي دبت في صالة الوصول، والشنطة في إيدي، وفجأة اتسمرت مكاني. كان هناك ياسين جوزي شايل السكرتيرة بتاعته هنا وكأنهم في شهر عسل، وكأن ده مكانه الطبيعي. عينه جت في عيني، وشه اتخطف وبقى لونه زي الكفن، وهمس بصوت يدوب مسموع وهو بيترعش وكأن الأرض بتسحب من تحت رجليه إنتي؟!. ما صرختش، ولا عملت فضيحة.. أنا بس ابتسمت. لأنه في اللحظة دي، وفي وسط زحمة المطار، هو فهم حاجة أصعب بكتير من مجرد إني كشفته.. هو فهم إني مابقتش الست الضعيفة اللي سابها ورا ظهره.
كنت لسه نازلة من الطيارة والشنطة في إيدي لما وقفت فجأة، لدرجة إن راجل ورايا برطم بكلمتين من كتر ما خبط فيا. وفي قلب الصالة، وتحت أنوار المطار والناس اللي طالعة وداخلة بشنطها وبتحضن أهاليها، شفت جوزي ياسين واقف وضامم هنا بدلع لا يمكن يتفهم غلط، وهي ساندة عليه وبتضحك له وكأنها هي اللي ست البيت. ياسين رفع عينه وشافني.
إنتي؟!.. قالها وهو بيوشوش نفسه من الصدمة.
الدم هرب من عروقه، ساب هنا واتهز وكأن رخام المطار انشق وبلعه. هي لفت وهي مش فاهمة، وبعدين اتصدمت وإيدها لسه متعلقة في الهوا. ما صرختش، ولا عيطت، ولا حتى سألت السؤال اللي أي حد
لأنه في الثانية دي، ياسين استوعب حاجة أنيل من الفضيحة.. أنا مابقتش نور الغلبانة اللي سابها من تمان شهور.
لما سافرت شيكاغو عشان انتداب شغل، ياسين باس راسي ووعدني إن بيتنا وعشرتنا أقوى من أي مسافة. وقتها كنت لسه فاكرة إن الست الأصيلة تقدر بكلمة حلوة تصلح أي حاجة، وكنت فاكرة إن مكالمات نص الليل دي حب واشتياق مش مجرد تأدية واجب عشان يداري جريمته. صدقت حججه في كل مناسبة نسيها، وفي الرسايل اللي ماردش عليها، وعزومات الشغل اللي بتبات بره البيت. والأهم من ده كله، كنت فاكرة إن النسخة مني اللي قضت 12 سنة بتهد في نفسها وبتقصر عشان هو يكبر، هتفضل مستنياه لما أرجع.
بس الغربة والنجاح غيروني.
في تلات شهور بس اترقيت، وبقيت أدير اجتماعات كان ياسين بيقولي زمان إني خيبة وماعرفش أسلك فيهم. أجرت شقتي لوحدي، وعرفت إن راحة البال بفلوس الدنيا، وبطلت أعتذر على وجودي. بين الشغل والنجاح، عرفت إني بنيت حياة كاملة من غير ما أحتاج كلمة تشجيع منه أو نظرة رضا. الست اللي ركبت الطيارة النهاردة عشان تعمل مفاجأة لجوزها، مش هي خالص الست اللي سابت بيتها وهي مكسورة الجناح وحاسة إنها
هنا هي اللي نطقت الأول بصوت رفيع ومستفز ياسين قالي إنكم اتطلقتوا!
فضلت عيني في عينه وقلتله ببرود والله؟ قالك كدة؟
ياسين فتح بقه وماعرفش ينطق بحرف.
قربت منه خطوة واحدة بكل هدوء ده شيء جميل والله.. أصل أنا كمان كنت راجعة بدري عشان أقولك إني اشتريت بيت باسمي، ووقعت عقد إني هبقى شريكة في الشركة، وما بقتش محتاجة لا قرشك، ولا كذبك، ولا حتى اسمك.
الناس اللي حوالينا بدأوا يركزوا، ونفس ياسين بقى بيطلع بالعافية، وهنا نزلت إيدها ببطء وهي مش عارفة تودي وشها فين من الفضيحة.
مديت إيدي في شنطتي، وطلعت ظرف كبير، وحطيته في إيده.
ياسين بص للظرف وكأنه عارف بالظبط إن دي ورقة نهايته.
ودي كانت اللحظة اللي بدأ فيها الانهيار الحقيقي....
مسك الظرف وإيده بتترعش، والناس حوالينا بدأوا يهدوا وبصاتهم بقت زي السكاكين عليه. بصيت للبنت اللي معاه وابتسمت ابتسامة باردة وقلت لها مبروك عليكي اللي فاضل منه، بس نصيحة لوجه الله.. اللي يبيع العشرة في تمان شهور، يبيعك إنتي في تمان أيام.
حاول يتكلم، صوته كان طالع مخنوق ومكسور أنا كنت هفهمك.. الموضوع مش زي ما إنتي شايفة، دي كانت مجرد ظروف...
قاطعته بإيدي وأنا لسه محافظة على هدوئي مفيش داعي للكلام ده دلوقتي، ملوش عازة. الظرف اللي في إيدك ده مش بس فيه صوركم اللي كانت بتوصلي من ولاد الحلال وأنا مسافرة، ده فيه كمان ورقة تنازل عن نصيبي في الشقة، مقابل إنك تمضي على ورقة الطلاق دي دلوقتي وحالاً.. وفي المطار قدام الكل.
الناس بدأت تهمس يا ساتر يا رب! وتستاهل عشان خاين. هي وشها بقى يجيب ألوان، وسابت إيده فجأة وكأنها لمست نار، وخافت من الفضيحة وسط الناس.
بص للورق وبصلي، كان بيدور في عيني على الست القديمة، الست اللي كانت بتسامح وتعدي وتخاف على مشاعره. بس مالقاش غير واحدة غريبة عنه، عينها قوية ونظرتها واثقة بالله وبنفسها.
هتمضي؟ سألته بهدوء يخلي القلب يقف، ولا تحب المحامي هو اللي يخلص، وتلاقي فضيحتك في كل حتة؟
بص حواليه لقى نفسه في موقف لا يحسد عليه، وفهم إن القوية اللي قدامه دي مش هترجع لورا خطوة. خد القلم ومضى وإيده بتنفض، ومضى على نهايته في حياتي.
خدت منه الورقة بكل شموخ، وطبطبت على كتفه بخفة وقلت له تصل بالسلامة.. بس المرة دي لوحدك، لأنك من اللحظة دي مابقتش تلزمني.
لفت وضهري له، وسحبت شنطتي، ومشيت وسط المطار وأنا