عودة الغربة بقلم صافي هاني
صدري. المطار اللي كان دايماً مكان للوداع والدموع، بقى بالنسبة لي النهاردة هو بداية الطريق لربنا ولنفسي.
ركبت التاكسي، وفتحت الموبايل، وعملت حظر لكل الماضي، وبصيت من الشباك على شوارع القاهرة وقلت لنفسي الحمد لله.. ربنا كريم.
فتحت الشباك والهاوا خبط في وشي، وكأنه كان بيغسل الهموم اللي شلتها السنين اللي فاتت دي كلها. بصيت في المراية وشفت واحدة تانية خالص، ست ملامحها هادية بس عينيها فيها لمحة انتصار مكسورة بوجع، لكنها في الآخر حرة.
طلعت الموبايل ومسحت آخر حاجة كانت بتربطني بيه، مسحت صوره، رسايله، وحتى الرقم اللي كنت حافظاه زي اسمي. حسيت إن كل حركة بمسح فيها حاجة من الماضي، روحي بترجعلي قطعة قطعة. الموبايل فضل ينور، رسايل اعتذار منه، توسلات، حجج فارغة.. قفلته خالص ورميته في الشنطة. مشوار الندم ده بتاعه هو، أنا مشواري لسه بيبدأ.
وصلت قدام البيت، بيت أهلي. نزلت من التاكسي ورفعت راسي للسما وقلت يا رب، أنت اللي عالم باللي فات، وأنت اللي قادر على اللي جاي. خبطت على الباب، وأول ما أمي فتحت وشافتني،
نور؟ رجعتي يا بنتي؟ سألتني بلهفة وهي بتبص في عيني.
ابتسمت لها وقلت رجعت يا أمي.. رجعت لنفسي قبل ما أرجع ليكي.
دخلت أوضتي القديمة، ريحة ذكرياتي قبل ما أعرفه كانت لسه مالية المكان. قعدت على السرير وفتحت اللاب توب بتاعي، وبدأت أجهز لشغلي الجديد. أنا مش بس كسبت قضيتي معاه، أنا كسبت مستقبلي.
ياسين فضل يدور عليا، يبعت ناس، يحاول يوصل لأهلي، بس الرد كان دايماً واحد نور اللي كانت بتخاف عليك ماتت، والورقة اللي في إيدك دي هي الرابط الوحيد اللي فاضل بينكم.
مرت الأيام، وبدأت أكبر في شغلي، وبقيت اسم مسموع. وفي يوم، كنت قاعدة في مؤتمر كبير، وشفت اسمه في وسط الأخبار.. خسر شغله، وميليسا هنا سابته أول ما الفلوس خلصت والمشاكل بدأت تظهر. بصيت للخبر وابتسمت بأسف.. مش شماتة، بس تأكيد إن ربنا عدل، وإن اللي بيتبني على باطل، نهايته دايماً هشة.
قفلت الصفحة وقمت وقفت بكل ثقة عشان ألقي كلمتي قدام الناس، وأنا عارفة إن القصة مخلصتش في المطار.. القصة بدأت لما قررت إني مش هبقى
عدى شهر ورا التاني، وبدأ اسمي يتردد في السوق كواحدة من أشطر المستشارين في مجالي. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي الجديد اللي بيطل على النيل، جالي اتصال من رقم غريب. رديت بكل هدوء، ولقيت صوته هو.. كان صوته مطفي، مكسور، مكنش فيه ولا ذرة من الغرور اللي شفته في المطار.
نور.. أنا تعبان، الدنيا سدت في وشي من يوم ما مشيتي.
سكت لحظة، مكنتش حاسة بغضب ولا حتى بشماتة، كنت حاسة ب شفقة على حد ضيع كنز كان بين إيديه. قلت له ببرود الظاهر إنك نسيت يا ابن الناس إنك إنت اللي اخترت الطريق ده.. الطريق اللي آخره ضلمة بيمشيه صاحبه لوحده.
قفل السكة وهو مكسوف من نفسه، وأنا كملت شرب قهوتي وبصيت للنيل. وفي وسط انشغالي، جالي إيميل من الشركة اللي كنت شغالة فيها في الغربة، باعتين لي عرض شراكة كاملة، وبدأوا يجهزوا لافتتاح فرع كبير في القاهرة، وطلبوا مني أكون أنا المديرة المسؤولة.
اللحظة دي كانت هي الجائزة الحقيقية. مش بس نجحت، أنا بقيت ببدأ مشروع بيخدم بلدي
روحت البيت يومها، ولقيت أمي محضرة لي الأكلة اللي بحبها. قعدنا نضحك ونحكي، ولأول مرة من سنين أحس إن اللقمة ليها طعم، وإن الضحكة طالعة من القلب بجد مش مجرد مجاملة.
وفي ليلة، وأنا بقلب في أوراق قديمة، لقيت صورة لينا وإحنا لسه متجوزين. بصيت فيها كتير، وبعدين قطعتها ميت حتة ورميتها من الشباك. مع كل حتة كانت بتطير في الهوا، كانت بتطير معاها ذرة وجع كانت لسه فاضلة.
النهاردة، أنا مش بس نور اللي نجحت في شغلها.. أنا نور اللي عرفت قيمتها، اللي عرفت إن الستر في البيوت مش بس حيطان، ده أمان وعشرة وصدق. وإني لو كنت خسرت راجل ميسواش، ف أنا كسبت نفسي اللي تسوى الدنيا وما فيها.
وقفت قدام المراية، لبست فستاني الأنيق والمحتشم، ولفيت طرحتي بكل ثقة، ونزلت عشان أفتتح فرع شركتي الجديد.. وأنا ماشية، كانت الأرض بتتشرف بخطواتي، والكل بيبص لي باحترام، مش عشان أنا مين، لكن عشان القوة والرضا اللي طالعين من عيني.
دي مكنتش نهاية القصة.. دي كانت أول صفحة في كتابي الجديد، كتاب ملوش عنوان غير