كرامة ولادي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

أبويا كسر بخاطر ولادي في فطار العيلة يوم جمعة بعد الصلاة، وبكل برود قال اليوم كان ماشي زي الفل ومبارك لحد ما جيتي انتي وولادك. يومها بالليل، شلت إيدي من مصاريف جواز أخويا، ووقفت دفع 50 ألف جنيه بكلمة واحدة في رسالة... وجروب العيلة اتقلب كله عليا .
أبويا رفع عينه وشاور بصباعه على الباب قدام ولادي.
كنا لسه حتى موصلناش للترابيزة. ابني يوسف كان ماسك في إيدي بصباعه الصغير، وبنتي ليلى كانت مستخبية في ضهري ودافنة نفسها في لبسي كأنها عاوزة تستخبى جوايا. والويتر كانت لسه واقفة وماسكة المنيو في إيدها.
المكان كانت ريحته قهوة وفطار سخن وعيش بلدي طالع من الفرن. شمس الصبح كانت ضاربة في الكوبايات الإزاز على الترابيزات. صوت المعالق والشوك كان هادي، والتكييف كان مخلي جسمي يقشعر، وتحت رجلي الأرض كانت بتلمع ونضيفة زيادة عن اللزوم، لدرجة تخلي الإهانة اللي اتعرضتلها دي وجعها يضاعف.
أمي كانت عازمانا قبلها بتلات أيام.
فطار عيلة يوم الجمعة بعد الصلاة.. تيجوا كلكم .
كلكم.
الكلمة دي كانت لسه قدامي في الشات لما وصلت وشفت الترابيزة. أمي لافة الطرحة بشياكة، وأخويا لابس قميص غالي ومرسوم، وخطيبته بتعدل المفرش على رجلها. وأبويا قاعد على رأس الترابيزة، وكأنه هو اللي مالك الدنيا باللي فيها.
أول ما شافنا، رفع عينه.
مابتسمش. محاولش حتى يمثل. ولا حتى نزل الشوكة من إيده.
اليوم

كان ماشي زي الفل ومبارك لحد دلوقتي.
قالها بصوت واطي، وبكل هدوء. كأنه بيعلق إن الأكل ناقص ملح.
أخويا كمل صب في الكوبايات، وخطيبته بصت في طبقها. أمي ضمت شفايفها بس منطقتش بولا كلمة ولا حتى حاولت تطيب خاطرنا بكلمة اتفضلوا.
يوسف ابني بص لي بعين مكسورة.. نظرة الخوف اللي مفيش طفل المفروض يتعلمها أبداً.
ماما.. هو هما مش عاوزينا هنا؟
نزلت لمستواه وبسته على راسه. ريحة شعره كانت لسه ريحة حمام الصبح والنضافة اللي هما لسه واخدينها منه بلحظة.
يلا بينا.
ليلى فتحت لي دراعاتها، شلتها بإيد وأخدت يوسف في الإيد التانية.
محدش قال استني.
محدش قال يا بابا العيال سامعين، دي صلة رحم.
مشينا وسط الترابيزات المليانة ناس، وكل اللي قاعد سكت وبص علينا. أهلي فضلوا قاعدين، كأننا كنا طلب غلط والويتر لسه مرجعاه المطبخ.
في الجراج، مفاتيح العربية وقعت مني لأن إيدي كانت بتترعش من القهر. ركبت العيال الأول، ويوسف كان باصص من الشباك وسرحان، وليلى سألتني هي تيتة زعلانة مننا؟
ضغطت على الدريكسيون بكل قوتي.
لا يا حبيبتي، مفيش حاجة.
بس الموضوع مكنش مجرد فطار.
أخويا فرحه كمان شهر ونصف، وأنا كنت الأخت اللي بتسند. كنت دافعة 50 ألف جنيه من جيبي مقدم القاعة، وحجز التورتة، وعربون الباند، ومصاريف الدعوات، وفرش الترابيزات اللي أخويا نسي يحضر فلوسها.
كنت أنا اللي برد على الموردين، وبحل المشاكل،
وبهدي خطيبته، وبظبط المواعيد.. وببتسم في وشهم.
أهلي عرفوا يستغلوني صح.
بس النهاردة، استغلوا ولادي عشان يكسروني.
يومها بالليل، بعد ما حميتهم ونيمتهم وقريت لهم الأذكار وقصتين وصوتي ثابت بالعافية، البيت هدي تماماً.
الساعة 10 إلا ربع، قعدت على ترابيزة المطبخ ومسكت الموبايل.
جروب العيلة كان غرقان صور من الفطار.. ضحك ولمة وكوبايات مرفوعة. وأمي كاتبة جمعة مباركة ويوم ملوش زي.
فعلاً.. كان يوم مثالي بس من غيرنا.
فضلت باصة للصورة لحد ما شاشة الموبايل طفت.
بعدها كتبت
بعد اللي بابا قاله قدام ولادي الصبح، أنا مش هدفع مليم واحد تاني، ولا هضيع ساعة واحدة، ولا هعمل جميل لحد في جوازة أخويا. بكرة الصبح هكلم القاعة وبتاع التورتة والفرش والمطبعة عشان أسحب اسمي من أي التزام مادي وال 50 ألف اللي دفعتهم هعتبرهم ثمن كرامة ولادي.
إيدي وقفت لحظة قبل آخر جملة.
وبعدين كملت
لو كان اليوم مثالي لحد ما دخلنا، فالفرح كمان أكيد هيكمل ويبقى مثالي من غير فلوسي.
دوست إرسال.
في ثانية، الجروب ولع.
أمي بتكتب.. أخويا بيكتب.. بابا بيكتب.. وخطيبته بتكتب.
تلات مكالمات ورا بعض ومردتش.
وفجأة، أخويا بعت رسالة.
واللي كتبه خلى حتى أبويا يسكت وميكملش كتابة.
رسالة أخويا أحمد نزلت على الجروب زي الصاعقة، خلت حتى بابا اللي مبيسكتش يسكت.. كتب جملة واحدة
يا جماعة، ليلى عندها حق.. الفرح ده مش هيتم،
أنا لغيت كل حاجة النهاردة.
الموبايل مبيطلش رن، بس أنا كنت في عالم تاني.. كنت قاعدة في ضلمة الصالة، وسامحة لنفسي أخيراً إني أعيط.. مش عشان الفلوس، ولا عشان الفرح، أنا بعيط على السنين اللي ضاعت وأنا بحاول أشتري رضاهم بفلوسي وتفانيّ، وفي الآخر ولادي هم اللي دفعوا الثمن.
الساعة بقت 12 بالليل، لقيت خبط هادي على الباب. قمت فتحت وأنا بمسح عيني، لقيت أحمد واقف قدامي.. هدومه مبهدلة وعينه باين عليها التعب.
دخل قعد على أول كرسي وقالي بصوت مكسور
أنا أسف يا ليلى.. أنا كنت شايف بابا وهو بيعمل كدة الصبح وكنت جبان.. كنت خايف الفرح يبوظ، خايف من لسان بابا، بس لما شفت رسالتك وشفت يوسف وهو خارج مكسور الخاطر، عرفت إن مفيش فرح في الدنيا يستاهل دمعة واحدة من ولادك.. أنا روحت لخطيبتي وبلغتها إن مفيش فرح الشهر الجاي، وإننا هنأجل لحد ما البيت ده يتعدل والكل يعرف مقامك ومقام ولادك.
بصيت له بدهشة، دي كانت أول مرة أخويا ياخد صفّي قدام بابا.. قالي ال 50 ألف بتوعك هيرجعوا لك يا ليلى، وقسماً بالله ما هتدفعي مليم تاني.. والبيت ده مش هدخله غير وإنتي وولادك مرفوعين الراس.
في اللحظة دي، حسيت إن ربنا جاب لي حقي.. مش بالفلوس، بس بالكرامة اللي رجعت قدام عيني. بابا بعت رسالة أخيرة قبل ما يقفل تليفونه اعملوا اللي تعملوه، أنا مغلطتش.
بس المرة دي، رده مأثرش فيا.. لأن السد اللي كنت
بانياه عشان أحمي مشاعري اتهد، وبدأت أبني مكانه
 

تم نسخ الرابط