كرامة ولادي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز


حياة جديدة.. حياة مفيهاش مكان للي مبيحترمش ولادي، حتى لو كان أقرب الناس.
رفعت راسي وقلت لأحمد الفلوس تروح وتيجي يا أحمد، بس كسر الخاطر مبيتنسيش.. والجمعة الجاية، فطارنا هيبقى هنا في بيتي، أنا وإنت وولادي بس.
الجمعة اللي بعدها، البيت كان ماليانه ريحة الفتة واللمه الهادية اللي بجد. يوسف وليلى كانوا بيلعبوا في الصالة وصوت ضحكهم مالي المكان، مفيش حد شاورلهم على الباب، ولا حد بص لهم بضيق.
أحمد جه في معاده، وجاب معاه علبة حلويات وبوكيه ورد كبير.. حطه قدامي وقال ده اعتذار بسيط يا ليلى، مش بس عن اللي حصل، عن كل مرة سكت فيها وإنتي بتشيلي الليلة لوحدك.
قعدنا فطرنا، والمرة دي الأكل كان ليه طعم تاني.. طعم الحرية. تليفوني كان عمال ينور برسائل من أمي، كلام من نوعية يا بنتي عيب كدة و أبوكي ضغطه عالي بسببكم، بس المرة دي عملت حاجة مكنتش بسترجي أعملها زمان.. عملت Mute للجروب.
أحمد حكى لي إنه بدأ يرجع الفلوس للقاعة، وإن خطيبته رغم زعلها في الأول، لكنها احترمت موقفه وقررت تستنى معاه لحد ما يبني نفسه بنفسه بعيد عن تحكمات بابا.


وفجأة، الباب خبط خبطات قوية.. خبطات أنا عارفاها كويس.
يوسف جرى استخبى ورايا، وليلى سكتت خالص. بصيت لأحمد، قالي بجمود ده بابا.. أنا اللي بعت له اللوكيشن وقلت له لو عاوز تشوف ولادي وتشوفني، تعال هنا بكرة، بس بشروط ليلى.
فتحت الباب، وبابا كان واقف، وشه كان محتقن، بس أول ما شاف نظرة عيني اللي اتغيرت، ونظرة أحمد اللي واقف ورايا كأنه حيطة سد، نبرة صوته اتغيرت لأول مرة في حياتي.
مقالش أنا أسف مباشرة، بس بص ليوسف ونزل لمستواه، وطلع من جيبه ملبس وشوكولاتة، وقال بصوت مهزوز تعال يا واد يا يوسف.. تعال يا حبيبي متبعدش.
بصيت لبابا وقلت له بهدوء يا بابا، البيت ده بيتحكم فيه قانون واحد.. اللي يِحترم يحترَم، واللي يكسر خاطر عيل صغير ملوش مكان على الطبلية دي.. لو داخل بالحب أهلاً بيك، لو داخل عشان تفرض سيطرة، فإحنا خلاص كبرنا.
بابا سكت، وبص لأحمد وبعدين بص لي، ودخل قعد وسطنا وهو ساكت.. لأول مرة ميكنش هو صاحب الشمس، كان مجرد ضيف في حياة بنته اللي عرفت أخيراً إن كرامتها وكرامة ولادها أهم من أي برستيج عائلي أو فلوس.
الليلة دي
نمت وأنا مرتاحة.. ال 50 ألف راحوا، بس اشتريت بيهم نفسي.
مر شهر على اليوم ده، والحياة شكلها اتغير تماماً. أحمد أخويا فعلًا بدأ يعتمد على نفسه، وبابا فضل يحاول يرجع هيبته بالقطارة، بس أنا كنت خلاص حطيت حدود من حديد.
في يوم، لقيت رسالة من أمي على الخاص بعيد عن الجروب بتقولي يا ليلى، أخوكي أحمد كتب كتابه في المشيخة النهاردة الصبح في ضيق، وبابا راح ومقالش لحد.. هو ده اللي كنتي عاوزاه؟ إننا نتفرق؟
قفلت الموبايل ومردتش. لفت نظري إن يوسف ابني كان قاعد بيرسم، ولأول مرة من فترة طويلة يرسم صورة فيها عيلة بتضحك، مش مجرد شخبطة سودة. في اللحظة دي عرفت إن اللي عملته كان صح، حتى لو التمن كان قاسي.
العصر، الباب خبط، لقيت أحمد ومراته داخلين ومعاهم شربات وعلبة منديل كتب الكتاب. أحمد حضن ولادي وقالهم يا ولاد، النهاردة بقى عندي بيت، وأول عزومة فيه هتبقى ليكم إنتوا وأمكم.. إنتوا السند اللي عرفني يعني إيه راجل بجد.
مراته قربت مني وبستني وقالت لي بصوت واطي شكراً يا ليلى.. لولا وقفتك دي كان زماننا بنبدأ حياتنا ومديونين ومذلولين،
إنتي علمتينا إن اللي بيشتري بالفلوس بيبيع بالرخص، واللي بيشتري بالكرامة بيفضل غالي.
قعدنا كلنا، وفجأة تليفون أحمد رن.. كان بابا. أحمد فتح الإسبيركر عشان كلنا نسمع.
بابا صوته كان هادي، فيه نبرة انكسار مسمعتهاش قبل كدة، قال مبروك يا ابني.. أنا سبتلك ظرف في المشيخة مع المأذون، فيه ال 50 ألف بتوع أختك.. قول لها إني كنت فاكر إن الفلوس هي اللي بتعمل الكبير، بس طلعت هي اللي بتفهم في الأصول أكتر مني.
بصينا لبعض بصدمة. مكنتش متوقعة إن بابا ممكن يعترف بغلطه حتى لو بطريقة غير مباشرة. أحمد بص لي وقال تفتكري نروح له يا ليلى؟
سكتت شوية، وبصيت لولادي اللي كانوا فرحانين بلمة أحمد ومراته، وقلت إحنا مش بنقطع رحم يا أحمد، إحنا بس بنعلم الناس إزاي يحبونا صح. هنروح.. بس المرة دي إحنا اللي هنعزمهم، وفي بيتنا، وعلى شروطنا.
القصة مخلصتش بوجع، خلصت بدرس.. إن الكرامة لما بتتهان، مفيش فلوس في الدنيا بتصلحها، بس لما بنقف وقفة حق، النفوس النفوس بتتعدل، واللي كان فاكر نفسه مالك الشمس بيعرف إن الدفا الحقيقي في الحنية مش في السيطرة.
تمت.

حكايات انجى الخطيب

 

تم نسخ الرابط