انا بس بطلب كوباية لبن
في قلبه.
إيه؟
هنية مسحت دموعها بإيدها الصغيرة كانت بتقول إنك أكتر واحد هيخاف علينا لو حصل لها حاجة بس هي تعبت أوي، ومحدش كان معانا.
ليلى بدأت تفهم إن فيه قصة أكبر من مجرد طفلة جعانة.
قربت بهدوء أنتي جيتي هنا إزاي؟
هنية فتحت شنطة قماش قديمة كانت شايلها.
طلعت منها ورقة متطبقة ألف مرة.
صورتها باهتة.
وفيها عنوان الفيلا.
واسم أدهم مهران.
أدهم خد الورقة بإيد بتترعش.
عرف خط الحاجة زينب فورًا.
وفي آخر الورقة كان مكتوب
لو الدنيا قفلت في وشك يا هنية روحي لأدهم. زمان كان قلبه أبيض.
أدهم غمض عينه.
الجملة وجعته أكتر من أي خسارة خسرها في حياته.
زمان كان قلبه أبيض.
يعني دلوقتي بقى إيه؟
فجأة
يونس الرضيع بدأ يعيط بصوت ضعيف جدًا.
هنية هزته بسرعة بخوف معلش يا حبيبي حاضر.
لكن الطفل كان تعبان بشكل واضح.
ليلى شهقت الولد سخن جدًا!
أدهم أخده بسرعة.
ولأول مرة من سنين
إيده كانت
الرضيع كان خفيف بشكل مرعب.
أدهم لف ناحية الحراس هاتوا العربية حالًا!
بعد ساعة
كانوا في مستشفى خاص.
الدكاترة بيكشفوا على يونس.
وهنية قاعدة على كرسي كبير برجليها الصغيرة مش واصلة الأرض.
متمسكة بكوباية اللبن بإيديها الاتنين كأنها كنز.
الدكتور خرج بعدها بوقت قصير الولد عنده جفاف وسوء تغذية حاد لو كان اتأخر ساعات زيادة، كانت حالته هتبقى خطيرة جدًا.
أدهم حس بالخجل لأول مرة من نفسه.
لو كان قفل الباب
الطفل ده كان ممكن يموت.
في الليلة دي
أدهم معرفش ينام.
فضل قاعد في أوضة مكتبه، قدامه صورة قديمة للحاجة زينب كان محتفظ بيها في درج مقفول.
صورة لست بسيطة بتضحك.
الست الوحيدة اللي حبته قبل ما يبقى أدهم مهران.
الصبح
دخل يزور هنية في أوضة الضيوف.
لقاها صاحية بدري، ورتبت البطانية بنفسها.
أول ما شافته قامت بسرعة أنا آسفة لو تعبناك يا بيه إحنا هنمشي.
أدهم
هنية نزلت عينيها إحنا متعودين نمشي قبل ما الناس تتضايق مننا.
الجملة دخلت في قلبه كسكينة.
قرب منها بهدوء محدش هيتضايق منك هنا.
هنية بصت له بعدم تصديق.
كأنها عمرها ما سمعت الجملة دي قبل كده.
بعد أيام
أدهم بدأ يعرف الحقيقة كاملة.
أم هنية كانت بنت الحاجة زينب.
اتجوزت راجل نصاب وهرب وسابها بطفلين وديون.
وماتت بعد مرض طويل.
والحاجة زينب كانت بتحاول تربيهم لوحدها لحد آخر نفس.
حتى وهي بتموت
كانت بتقول أدهم هييجي أكيد هييجي.
لكنه مجاش.
الإحساس بالذنب كان بياكل أدهم.
لكن ليلى، مراته، كانت أول مرة تشوف جوزها بالإنسانية دي.
كان بيصحى بدري عشان يفطر هنية.
ويشتري ألعاب ليونس.
ويسمع حكايات الطفلة الصغيرة عن جدتها.
وفي يوم
هنية كانت قاعدة في الجنينة، ولقت أدهم بيقرب منها بورق في إيده.
قعد قدامها على ركبته.
وقال بهدوء أنا كنت مديون لستك بحياة كاملة ومقدرتش
هنية بصت له بعينيها الواسعة.
أدهم كمل بس لو تسمحيلي أحب أوفي جزء صغير منه معاكي إنتي ويونس.
ومد الورق ليها.
ليلى قربت بابتسامة دافية دي أوراق المدرسة الجديدة بتاعتك.
هنية اتجمدت.
مدرسة؟ ليا أنا؟
أدهم ابتسم لأول مرة بصدق أيوة يا هنية وليكي أوضة هنا كمان. لو حبيتي.
الطفلة الصغيرة بدأت تعيط.
مش عياط خوف.
عياط حد أخيرًا حس إنه مرئي.
بعد سنة
بيت أدهم بقى مختلف.
فيه لعب أطفال في الجنينة.
وصوت ضحك.
وهنية بقت تذاكر على السفرة الكبيرة اللي كانت زمان مليانة عقود وصفقات بس.
أما يونس
فبقى يجري ورا أدهم وهو بيقوله بابا أدهم!
وفي كل مرة يسمعها
قلبه كان بيتوجع شوية.
ويرتاح شوية.
وفي ليلة هادية
أدهم وقف قدام صورة الحاجة زينب.
وقال بصوت واطي أنا اتأخرت أوي بس أوعدك، ولاد بنتك عمرهم ما هيحتاجوا يخبطوا على باب حد تاني طول ما أنا عايش.
ولأول مرة من سنين طويلة
أدهم
ممكن متساويش كوباية لبن واحدة لو اتقدمت في الوقت الصح.