عاملة النظافة التي انقذت الملياردير

لمحة نيوز

الملياردير انهار وهو بيقول
أنا خسرت كل حاجة...
لكن عاملة النظافة اللي كانت بتنضف مكتبه اتعرفت على الكود اللي دمّر حياتها هي كمان... وتصرفها أنقذ حياتهم الاتنين، بشكل ماكانش الملياردير يتخيله.
الساعة كانت 1207 بعد نص الليل، لما عاصم الدمنهوري حط إيديه الاتنين على الواجهة الزجاج لمكتبه في الدور ال وهمس بالكلمات اللي طول عمره بيحارب عشان عمرها ما تبقى حقيقته
أنا خسرت كل حاجة.
برا، كانت القاهرة بتنور تحت سما شتوية قاسية.
النيل بيشق المدينة زي حديدة سودا لامعة، والكباري غرقانة في نور أصفر دافي، وإزاز الأبراج اللي حواليه بيعكس إمبراطورية فلوس مبتنامش أبدًا.
لكن جوه شركة الدمنهوري كابيتال للاستثمار، الماكينة الكبيرة سكتت بأسوأ طريقة ممكنة.
مش ماتت...
كانت بتنزف.
الرسوم البيانية الحمرا كانت بتتحرك على الشاشات ببطء مرعب.
الأرقام بتنهار بسرعة تخليك تحس إن الشاشة نفسها اتفتحت فيها غرزة بتنزف كل ثانية.
التنبيهات كانت بتضرب المكتب بصوت حاد ومتكرر.
ونظام التداول المركزي، البرنامج اللي بناه عاصم من الصفر مع أعز صاحبه من اتنين وعشرين سنة، بقى بيلتهم الملايين زي سمكة قرش قطعت شبكة صياد.
عاصم الدمنهوري...
الملياردير المعروف.
المفاوض اللي محدش يقدر يكسبه.
الراجل اللي اسمه لوحده كان بيخلي مديري البنوك يعدلوا الكرافتة قبل ما يدخلوا عليه.
كان واقف حافي فوق الرخام البارد، بعد ما خلع الجزمة ورماها من ساعة وهو في حالة ذعر.
الكرافتة مفكوكة حوالين رقبته.
القميص الأبيض متكرمش عند الدراعين.
وعينيه حمرا من السهر والانهيار.
ولأول مرة من يوم وفاة أبوه...
كان عايز يعيط، ومش قادر يوقف نفسه.
كان بالفعل كلم فريق التحليل الليلي في دبي.
وزعق لفريق لندن.
وبعت أوامر طوارئ عشان يوقف نظام التداول الآلي... لكن كل مرة الأوامر كانت تفشل، تتحول لمسار تاني، وترجع تفشل من جديد.
الموضوع ماكانش إن النظام بيعصيه...
لا.
الأسوأ

إن النظام كان بيتظاهر إنه بينفذ الأوامر... وهو مستمر يسرق الشركة وينزفها في نفس الوقت.
فجأة...
خبط خفيف جدًا لمس باب المكتب.
عاصم غمّض عينيه بضيق.
قلت محدش يدخل!
قالها بعصبية، لكن صوته اتكسر في النص.
الباب اتفتح سنة صغيرة.
وصوت ست هادي دخل قبلها
آسفة يا أستاذ عاصم... أنا من طاقم النظافة الليلي. أقدر أرجع بعدين.
لف بسرعة وهو جاهز يطردها...
لكن أول ما شافها، سكت.
إلهام البدري كانت واقفة عند الباب، إيد على عربية أدوات النظافة البلاستيك.
لابسة يونيفورم رمادي بسيط، فوق جيبه شعار شركة خدمات نظافة، وبنطلون أسود وحذاء مريح واضح إنه متلمع بعناية متعودة عليها من سنين.
شعرها الأسود اللي دخله خصلات بيضا كان مربوط ورا راسها بدقة.
وشنطة كحلي قديمة متعلقة على كتفها.
كانت شبه كل الناس اللي عاصم قضى عمره كامل مش شايفهم أصلًا.
خلي التنضيف لبكرة... مش دلوقتي.
إلهام هزت راسها بهدوء وبدأت ترجع بالعربية لورا.
وفجأة...
صوت الإنذار ضرب تاني.
ثلاث صفارات قصيرة.
سكتة صغيرة.
ثلاث صفارات قصيرة.
إلهام وقفت مكانها.
صوابعها شدت على مقبض العربية.
عاصم كان بالفعل راجع يبص للشاشات، لكن ملامحها اتغيرت فجأة.
الهدوء الباهت بتاع عاملة النظافة اختفى.
عينيها ثبتت على الشاشة الرئيسية.
ماكانتش بتبص للأرقام بخوف زي أي حد شايف كارثة...
كانت بتقرا.
الإنذار اتكرر مرة تانية.
ثلاث صفارات قصيرة.
سكتة.
ثلاث صفارات.
إلهام قربت خطوة من الباب وقالت بهدوء غريب
يا أستاذ عاصم... ده مش إنذار انهيار سوق.
عاصم اتجمد مكانه.
ولف راسه ناحيتها ببطء.
إنتِ قلتي إيه؟
قلب إلهام البدري خبط خبطة قوية وجعتها في ضلوعها.
كل غريزة اتعلمتها خلال آخر 12 سنة كانت بتصرخ جواها إنها تعتذر وتمشي فورًا.
الناس اللي زيها بيعيشوا لما يفضلوا غير مرئيين.
ماينفعش يصححوا لملياردير في مكتبه بعد نص الليل.
ماينفعش يشاوروا على شاشات مش من حقهم يبصوا عليها.
وماينفعش
يصحّوا أجزاء من نفسهم الحياة دفنتها تحت الفواتير، والحزن، وإيصالات المستشفيات.
لكن الإنذار ضرب تاني.
والأرقام كانت بتصرخ.
إلهام زقت الباب أكتر ودخلت خطوة.
الصوت ده...
قالتها بثبات غريب رغم التوتر اللي جواها،
مش إنذار انهيار سوق. ده خلل في تنفيذ الأوامر. السيستم عندك فاكر إن في أوامر داخلية بتتعدل وتتكتب فوق أوامره الأصلية.
عاصم فضل باصصلها.
ثواني طويلة عدت من غير ما ينطق حرف.
وفجأة ضحك ضحكة قصيرة ناشفة، مافيهاش أي روح.
إنتِ عاملة النظافة.
أيوه.
وبتشرحيلي نظام التداول بتاعي بيعمل إيه؟
أيوه.
وشه اتقفل فجأة وبصوت حاد قال
اطلعي برا.
إلهام اتهزت مكانها من الخضة... لكنها ماتحركتش.
على الشاشة اللي ناحية اليمين، سجل العمليات كان بينزل بسرعة.
أي حد تاني كان هيشوف فوضى.
لكن إلهام شافت نمط.
إيقاع.
تكرار محسوب.
وفجأة، صوت أبوها رجعلها واضح كأنه واقف جنبها
الأرقام مبتكدبش يا إلهام...
الناس هي اللي بتكدب.
الخوف بيكدب.
والغرور بيكدب.
إنما الأرقام بس بتستخبى لحد ما حد صبور يسأل السؤال الصح.
إلهام بصت لعاصم الدمنهوري، ولثانية واحدة ماشفتهوش كرجل الأعمال اللي بيطلع في الأخبار الاقتصادية.
شافته راجل بيتدمر... خانته الماكينات اللي كان فاكر إنه فاهمها.
لو ماوقفتش المحرك ده خلال دقيقتين...
قالتها بهدوء،
الفلوس اللي هتضيع بعد كده مش هتكون خسارة سوق... هتكون سرقة.
كلمة سرقة وقعت بشكل مختلف.
الغضب اختفى من وش عاصم فجأة.
إيه؟
إلهام شورت على الشاشة اليمين.
كل عملية رقم تلاتة وأربعين... بص على التوقيت.
عاصم ماتحركش.
بص.
قالتها المرة دي بحدة أقوى.
في نبرة صوتها كان في حاجة قطعت ذعره.
لف للشاشة وقرب منها.
إلهام دخلت المكتب بالكامل وسابت عربية النظافة عند الباب.
ريحة القهوة الباردة مالية المكان، مع هوا التكييف، والجلد الغالي... والخوف.
على المكتب كان في تلات موبايلات، وفنجانين إسبريسو فاضيين، وبرواز صورة
قديم.
راجل كبير لابس بدلة كحلي واقف جنب عاصم الأصغر سنًا قدام بيت طوب بسيط.
ابتسامته كانت فخر صافي من غير أي تكلف.
إلهام بصت للصورة... وبعدين حولت عينيها بسرعة.
هي اتعودت ماتطولش البص في صور آباء الناس.
عين عاصم كانت بتتحرك مع سجل العمليات
تنفيذ.
تنفيذ.
تنفيذ.
جبينه اتكرمش ببطء.
إلهام قربت خطوة، من غير ما تلمس المكتب.
التكرار منتظم زيادة عن اللزوم. ضغط السوق الحقيقي بيكون عشوائي. خوف البشر بيطلع تصحيحات عشوائية. لكن ده لا ده ولا ده... ده لوب متقفل.
عاصم همس
كل تلاتة وأربعين عملية...
أيوه.
مستحيل.
لا.
قالتها إلهام بصوت واطي،
ده متعمل عمد.
بصلها وقتها بجد لأول مرة...
وهي شافت بعينيها كل أفكاره القديمة وهي بتتكسر.
الست اللي لابسة يونيفورم النظافة ماخمنتش.
ماكررتش كلام سمعته بالصدفة.
دي شخصت كارثة مالية معقدة في أقل من دقيقة.
إنتِ عرفتي ده إزاي؟
إلهام بلعت ريقها.
لأنّي كتبت رسالة ماجستير عن النوع ده بالذات من التلاعب من سبعة وعشرين سنة.
المكتب كله حس كأنه فقد الهوا.
عاصم بص للشنطة الكحلي القديمة... بعدين لليونيفورم... وبعدين لوشها.
كتبتي رسالة؟
أيوه.
عن التلاعب الخوارزمي؟
عن البصمات الإحصائية لعمليات الاحتيال الداخلي في أنظمة التداول الآلي.
بقه اتفتح واتقفل كذا مرة قبل ما يسأل
إنتِ مين؟
إلهام أخدت نفس بطيء.
الليلة دي... أنا الست اللي بتحاول تنقذك قبل اللي عامل اللوب ده مايفضّيك تمامًا.
عاصم ما سألش أي سؤال تاني.
إيديه اتحركوا بسرعة على الكيبورد.
كتب أمر إيقاف.
مرفوض.
كتب أمر تاني.
مرفوض.
شتم بصوت واطي بعصبية.
عين إلهام اتحركت على شجرة النظام في الشاشة.
إنت شغال من لوحة التحكم الرئيسية... ماتستخدمهاش. الطبقة اللي فيها الصلاحيات متخترقة. انزل تحتها.
صوابع عاصم وقفت فجأة.
يعني إيه؟
إلهام قربت من الشاشة أكتر، وعينيها بتتحرك بسرعة بين السطور اللي بتنزل.
اللي عامل الاختراق مش بس دخل
على النظام... ده قاعد فوق صلاحيات الإدارة نفسها. أي أمر بتبعته من ال الرئيسي بيتقري الأول... وبعدين بيتزور قبل ما يتنفذ.
عاصم حس بعرق بارد نزل على ضهره.
مستحيل
 

تم نسخ الرابط