امي بعتتني استلف كوباية رز واحدة
أمي بعتتني أستلف كوباية رز واحدة.. بس عمي أداني شوال كامل، والمفاجأة إن تحت الرز كان فيه سر أبويا الميت اللي خلى أمي تصرخ من الصدمة!
الجزء الأول
في سنة 1986، أمي بعتتني لبيت عمي عشان أستلف كوباية رز واحدة.. مجرد حاجة تسند جوعنا قبل ما ننام. بس عمي شريف أداني شوال وزنه أكتر من 5 كيلو! ولما أمي فتحته، لقت حاجة مدفونة تحت الرز خلتها تصرخ باسم أبويا الميت بأعلى صوتها.
كان عندي 12 سنة.. سن يخليك تفهم يعني إيه جوع، بس لسه صغير على إنك تفهم ليه الكبار بيمسحوا دموعهم قبل ما يحطوا الأكل على السفرة. كنا عايشين في شقة قديمة على أطراف شيكاغو، السقف بينقط مية في الشتا، والأرض مشققة، والعشا غالباً كان شوية شوربة خفيفة أوي أو عيش ناشف.
أمي دايماً كانت بتقول إنها أكلت خلاص.. بس كنت عارف إنها بتكذب لما بشوفها واقفة بالليل عند الحنفية بتشرب مية كتير عشان تخدع معدتها وتنام.
أبويا مات من سنين في موقع بناء.. ده اللي الكل قاله. السقالة وقعت بيه، ورجع لنا جثة تحت ملاية بيضاء. حادثة واحدة.. جنازة واحدة.. وأرملة معاها 3 أطفال ومن غير مليم مدخرات.
يومها، الهوا كان ساقع وريحة الجوع مالية البيت. علبة الرز كانت فضيت، وأمي كانت بتلم بضوافرها آخر حبات رز في القعر.. صوتهم كان زي الحصى الصغير. بصت لهم كتير وقالت لي بصوت واطي يا رامي.. روح لعمك شريف.
عمي شريف كان أخو أبويا الكبير،
أقوله إيه يا ماما؟
قوله عايزين شوية رز.. وهنردهم أول ما أقبض تمن تنضيف البيوت. صوتها اتكسر في آخر كلمة.
خدت الشنطة القماش ورحت له. المسافة كانت 3 شوارع بس حاسيتها أميال.. شحاتة الأكل بتحرق أكتر من الجوع نفسه. خبطت على الباب، فتح لي وكان شكله تعبان قوي، شعره شاب وعينه حمراء كأنه منامش بقاله سنة.
رامي؟
رفعت الشنطة القماش بإيد بتترعش ماما بتقولك.. لو عندك شوية رز.. بس شوية صغيرين.
كنت عايز الأرض تنشق وتبلعني، بس عمي مزعقش، ولا سأل ليه معندناش أكل. بص في وشي، وبعدين لجاكتي المقطع.. وفجأة شفت في عينه وجع، وخوف، وكسوف. دخل جوه من غير ولا كلمة، وسمعت خبط حلل ودواليب بتتفتح. كنت فاكر إنه هيجيب لي سلطانية صغيرة، بس رجع وهو شايل شوال كامل وتقيل وحطه في حضني!
يا عمي ده كتير قوي.. ماما طلبت شوية بس.
صوابعه ضغطت على الشوال وصوته اتهز خده يا رامي.. وقول لأمك متتكسفش أبداً.
وبعدين حط إيده على راسي لأول مرة من سنين وقالي بنبرة خلت جسمي يقشعر روح على البيت فوراً.. وأوعى تفتحه في الشارع!
جريت بالشوال وأنا فرحان، كنت بتخيل شكل الرز الأبيض السخن وهو عليه شوية ملح. أول ما دخلت البيت ندهت ماما! عمي شريف أدانا
إخواتي جريوا فرحانين، بس أمي وقفت مكانها وبصت للشوال برعب مش بفرحة.. كأنه تحذير مش أكل.
5 كيلو رز؟ همست بخوف.
وطت على الأرض وفتحت الشوال.. الرز بدأ ينزل في الطبق المعدن زي المطر الأبيض. وفجأة.. إيد أمي اتجمدت!
وسط حبات الرز، كان فيه صندوق خشب صغير.. قديم.. لونه غامق.. ومربوط بخيط أحمر. وجنبه كيس قماش صغير مربوط بعناية.
أمي رفعت الصندوق ببطء كأنه قنبلة هتنفجر في إيدها يا رامي.. ده جه منين؟
من جوه الشوال يا ماما.
شفايفها ابيضت.. فتحت الصندوق الخشب، ولقت جواه ورقة صفراء مطوية كذا مرة. وعلى الورقة، وبخط أبويا الواضح، كان مكتوب اسم أمي ليلى.
إيد أمي بدأت تترعش لدرجة إن الورقة كانت هتقع. فتحتها.. وأول ما قرت أول سطر، وشها اتقلب تماماً. مكنتش بتعيط.. كان وشها بيقول إنها بتتذبح من جوه. كتمت بوقها وصرخت صرخة مكتومة خلت إخواتي يترعبوا.
مسكت دراعها فيه إيه يا ماما؟
مردتش.. كملت قراية والدموع نازلة على الورقة القديمة، وبعدين همست باسم أبويا محسن...
دمي اتجمد.. لأن أبويا ميت بقاله 7 سنين! والورقة كان أول سطر فيها بيقول
يا ليلى.. لو شريف أدالك الصندوق ده، يبقى الحقيقة مابقاش ينفع تفضل مدفونة أكتر من كدة.
في اللحظة دي، كيس القماش وقع من إيد أمي على الأرض.. وخرجت منه حاجة ذهب صغيرة بتلمع ودارت على الأرض المشققة.. دبلة جواز أبويا! الدبلة اللي قالوا لنا
أمي بصت لي، وفي عينها شفت حاجة عمري ما شفتها قبل كدة.. مش
جوع، ولا حزن.. ده كان غل مرعب! لأننا في الليلة دي، عرفنا إن موت أبويا عمره ما كان حادثة.. وإن الراجل اللي عارف الحقيقة كان عايش على بعد 3 شوارع مننا طول السنين دي!
يا ترى إيه اللي حصل لأبو رامي بجد؟ وإيه اللي مكتوب في بقية الجواب؟ وهل عمو شريف هو اللي قتله ولا كان بيحاول يحميهم؟ والصدمة لما تعرفوا مين الشخص الواصل اللي دفع لعمو شريف عشان يسكت طول السنين دي!
أمي كانت ماسكة الجواب بإيد بتترعش وأنا وإخواتي متحلقين حواليها مش فاهمين حاجة.
البيت كان ساكت بشكل يخوف.
حتى صوت الشارع برا اختفى.
أمي كملت قراية، وكل سطر كان بيخلي وشها يبهت أكتر.
وفجأة
قعدت على الأرض.
كأن رجليها مبقتش شايلها.
قربت منها بخوف ماما مكتوب إيه؟
بصت لي بعيون مليانة صدمة وقالت أبوك مقتلوش القدر يا رامي.
الجواب وقع من إيدها.
خدته أنا.
وابتديت أقرا بصوت متقطع.
ليلى لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا غالبًا مت. ولو مت، فاعرفي إني مومتش في حادثة.
الرافعة متوقعتش لوحدها.
في حد قطع الكابلات.
وأنا شفت مين.
نفسي اتقطع.
كملت.
اللي عمل كدة هو فيكتور روسي. صاحب شركة البناء.
عرف إني اكتشفت إنه بيستعمل مواد فاسدة في العمارات، وإن العمارة اللي بنبنيها ممكن تقع على الناس.
لما هددته إني هبلغ الشرطة قالي