كارت العيلة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز


بيفصلوا البدلة بفلوسي، وميعرفوش إن القماش طار.
الصبح، السفرة كانت كإنها مشهد من مسلسل.
بابا بالروب بتاعه، وشيري ومنة بيتكلموا عن الشوبينج، وهاني شايل الشنط عشان يلحقوا المطار.
أنا كنت قاعدة بهدوء، بشرب شايي من غير كلام.
فجأة، بابا وشّه اتغير وهو بيبص في الموبايل.
غريبة.. حجز السفاري واليخت اتلغوا.
هاني بصله بقلق ليه يا حاج؟ ما أنت مأكد الحجز.
بابا بنرفزة ما أنا عارف.. تلاقي السايت فيه مشكلة.
شيري سألت بدلع يا طنط، هو إحنا كدة مش هنروح المطعم اللي اتفقنا عليه؟
مامي بصت لبابا وقالت له
أنت دفعت بآنهي فيزا يا علاء؟
السكوت كان مرعب. بابا ملقاش كلمة يقولها.
حطيت كوباية الشاي ورجعت ضهري لورا
مفيش فيزا يا بابا.. الفيزا اللي حجزت بيها أنا وقفتها.
الكل بلم، والمعالق وقعت من إيديهم، والوشوش قلبت ألوان.
وديه كانت أول فاتورة في رحلة دبي اللي متمتش.
ثواني الصمت دي كانت أطول ثواني مرت في حياتي. بابا ساب الموبايل من إيده، ووشه بقى أحمر زي الدم، وعروق إيده برزت وهو ضاغط على طرف السفرة.
يعني إيه وقفتيها يا مها؟ صوت بابا كان واطي بس مليان غضب مكتوم.
قمت وقفت ببرود يحسدوني عليه، ورحت ناحية اللابتوب بتاعي، فتحته ولفيت الشاشة ناحيتهم
يعني زي ما سمعت يا بابا. الفيزا اللي اتسحب منها 120 ألف جنيه الصبح عشان تذاكركم وتأشيراتكم، والي كان هيتسحب

منها دلوقتي 25 ألف كمان.. دي فيزا مها. البنت اللي مكنتش في حسبة ال خمسة وبس.
منة أختي قامت وقفت وزعقت أنتِ إزاي تعملي كدة؟ ده إحنا طيارتنا كمان 4 ساعات! شيري وأهلها هيقولوا علينا إيه؟
بصيت لها بنظرة خلتها تسكت يقولوا اللي يقولوه يا منة. اللي عايز يعمل لقطة ويحجز سفرية ملوكي، يدفع من جيبه، مش يسرق كارت بنته وهي نايمة ويحسسها إنها غريبة عن البيت.
هاني أخويا حاول يتدخل بصوته الحنين المزيف يا مها، بابا كان قصده يفاجئك، وكان أكيد هيدفعلك التذكرة بعدين..
ضحكت بصوت عالي يفاجئني؟ المفاجأة الحقيقية يا هاني هي الفايل ده.
فتحت فايل حساب التصفية قدامهم. هنا فيه 300 ألف جنيه، ديون متراكمة من سنتين. مصاريف كليتك يا منة اللي بابا مرفعش فيها مليم، وقسط عربيتك يا هاني اللي كنت بتتمسكن عشان أسده، وتجديد شقة المصيف.. كل ده كان على كارتي لغاية ما نسوي. واليوم جه عشان نسوي يا جماعة.
شيري خطيبته كانت قاعدة وشها في الأرض، مكسوفة من الموقف اللي اتحطت فيه، وبابا كان بيبص لي بنظرة عمري ما شوفتها، نظرة كإنه مش عارفني.
أنتِ بتلوي دراعي يا بنتي؟ بابا قالها بصوت مهزوز.
رديت بوجع بس بقوة أنا اللي دراعي اتلوى سنين يا بابا. أنا اللي كنت بشتغل سهر ليل نهار عشان أسدد ديون حاجات مكنتش بحضرها. دبي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير. أنا مش صراف آلي.. أنا بني
آدمة، وكان نفسي بس أكون الرقم ستة في الحسبة دي من غير ما تدفعوني التمن.
شلت اللابتوب بتاعي، وشنطتي كانت جاهزة عند الباب، بس مش عشان دبي.
أنا حجزت ليلة في فندق، وهدور على شقة من بكرة. ال 120 ألف اللي اتدفعوا في التذاكر، اعتبروهم آخر هدية مني ليكم.. بس مفيش مليم زيادة هيتصرف من كارتي. استمتعوا بدبي.. لو عرفتوا تدفعوا حق القهوة في المطار.
خرجت ورزعت الباب ورايا، ولأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا اللي داخل صدري نضيف، ملوش طعم الفواتير ولا ريحة الاستغلال. رحلتهم باظت قبل ما تبدأ، بس رحلتي أنا.. لسه بتبتدي.
نزلت السلم وأنا سامعة صوت بابا ورايا بيزعق باسمي، ومنة بتعيط وتقول الناس هتقول علينا إيه، وهاني بيحاول يكلم مكتب السياحة يشوف حل.. بس مفيش حل، السيستم مبيفهمش غير لغة الأرقام، وأنا قفلت الحنفية.
ركبت عربيتي، وفي الطريق للفندق، الموبايل مابطلش رن. رسايل من أمي بتبكي وبتقول متخربيش بيت أبوكي يا بنتي، ورسايل من رامي بيشتمني فيها بأبشع الألفاظ عشان صغّرته قدام خطيبته.
أول ما وصلت الأوضة، رميت مفاتيحي وقعدت على السرير. فتحت الموبايل لقيت رسالة من شيري، خطيبة هاني.. استغربت، بس لما فتحتها لقيت كلام مختلف خالص
مها.. أنا مش عارفة أقولك إيه، بس أنا مشيت من عندهم. أنا مكنتش أعرف إن السفرية دي على حسابك، ولا كنت أعرف إنهم بيتعاملوا معاكي
كدة. أنا آسفة إني كنت جزء من الوجع ده، وحقك عليا.
 
ابتسمت بمرارة.. على الأقل فيه حد عنده دم.
بعد ساعتين، جالي إشعار جديد من أبلكيشن البنك. محاولة سحب بقيمة 1500 جنيه من كافيه في صالة المطار.
مرفوضة.
عرفت إنهم راحوا المطار فعلًا، بيحاولوا بآخر أمل، يمكن الفيزا تفتح، يمكن مها تتهز وتلين. بس مها المرة دي كانت حديد.
قضيت الليلة دي وأنا بكلم أصحابي، بضحك وبخطط لحياتي الجديدة. لأول مرة أحس إن الفلوس اللي في البنك دي ملكي أنا، مش عهدة مستنية حد ييجي ياخدها.
تاني يوم الصبح، عرفت من بوست منة على الفيسبوك إنهم رجعوا البيت. منة كانت منزلة صورة سودة وكاتبة عليها الخيانة بتيجي من أقرب الناس.
ضحكت.. الخيانة عندهم هي إني بطلت أتسرق!
بابا بعت لي رسالة أخيرة بالليل، كانت نبرتها هادية وكسيرة
يا مها.. إحنا رجعنا. الرحلة اتلغت، وشيري سابت هاني، والبيت ميت من غيرك.. ارجعي يا بنتي وهنسوي كل اللي فات.
 
رديت عليه بكلمتين اتنين بس
أنا سويت خلاص يا بابا.. سويت كرامتي بفلوسي، والنتيجة طلعت إن كرامتي أغلى بكتير. استمتعوا بالخمسة اللي فاضلين، أنا دلوقتي بقيت الرقم 1 في حياتي.
قفلت الموبايل، وقمت وقفت قدام الشباك، شوفت النيل وهو بيجري بهدوء.. زي حياتي اللي بدأت تجري في مجراها الصح لأول مرة. دبي كانت حلمهم هما، بس الحرية كانت حلمي أنا.. وأنا
اللي حققت حلمي في الآخر.
بقلم انجي الخطيب

 

تم نسخ الرابط