زعيم المافيا شافهم

لمحة نيوز

 

لا…

بصمت تقيل.

تلات رجالة دخلوا.

اتنين ضخمين لابسين أسود، وعيونهم بتمسح المكان كله.

أما التالت…

فأول ما دخل، الجو كله اتغير.

طويل.

عريض الكتفين.

لابس بدلة فحمية مفصلة عليه كأنها معمولاله مخصوص.

ما استعجلش.

ما رفعش صوته.

بس وجوده خلّى المكان كله يتوتر.

الستات بطلت تهمس.

الأمن رجع خطوة لورا.

وبرلنت نفسها اتلخبطت.

كارما عرفته فورًا.

“عمر الروسي”.

رجل الأعمال المشهور…

والاسم اللي كل الناس بتهمس إنه ماسك نص الميناء وشوية رجالة يخلوا أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يعاديه.

عيونه الغامقة اتحركت بهدوء على المكان.

الزبائن.

برلنت.

كارما.

وبعدين…

ميرا.

في لحظة، وشه اتغير.

— «بابا!»

ميرا جريت عليه.

وعمر نزل فورًا على ركبة واحدة وخطفها في حضنه قبل ما تقع، ودفن وشه في شعرها وهو ماسكها كأن الدنيا كلها كانت هتضيع منه.

وهمس بصوت متكسر:
— «ميرا… يا قلب بابا… حد زعلك؟»
كانت الأنفاس محبوسة في البوتيك الفاخر، لدرجة أن صوت دقات الساعة الذهبية على الحائط صار كأنه طبول حرب. عمر الروسي كان لا يزال راكعاً على ركبة واحدة على الرخام البارد، يحتضن طفلته ميرا بقوة هزت كتفيه العريضين. الرجل الذي يرتعد من اسمه كبار رجال الأعمال والمهربين في الموانئ، كان يتنفس الآن بضعف وهو يمسح على ظهر ابنته.
— ميرا بصوت واهن وهي تشير بإصبعها الصغير نحو كارما: "بابا.. الدنيا كانت عالية أوي.. بس البنت دي طفت النور.. وحطت الشال ده عليا.. وحمتني."
عمر رفع رأسه ببطء. تلك العيون الغامقة التي لا تجرؤ عين على ملامستها، انتقلت من وجه ابنته لتستقر على كارما. نظر إلى مريلتها المكتوب عليها اسم المحل، إلى يديها التي كانت لا تزال ترتعش بخفة، وإلى الشال الكشمير الموضوع بعناية فوق كتفي طفلته.
وقف عمر بكامل طوله، وبحركة هادئة من يده، أشار لأحد رجاله الضخام.
— "شيل ميرا ووديها العربية.. شغل التكييف على الهادي، واقفل الراديو تماماً،" قالها بصوت منخفض، لكنه حمل نبرة آمرة جعلت الحارس يتحرك في لمح البصر.
التفتت ميرا قبل أن تخرج، ونظرت لكارما: "شكراً يا كارما."
كارما

ابتسمت لها وسط رعبها: "العفو يا قلب كارما.. خلي بالك من نفسك."
بمجرد أن أُغلق باب البوتيك خلف ميرا، تبدل الجو في المكان تماماً. هبط برود مرعب، كأن التكييف الإيطالي قد تحول فجأة إلى صقيع من القطب الشمالي. عمر الروسي أزر بدلته الفحمية، ونظر إلى "برلنت" المديرة التي كانت تقف وقد تجمدت الدماء في عروقها، وظهر التلعثم على شفتيها المطلية باللون الأحمر القاني.
— برلنت بتلعثم وخوف: "عمر بيه.. أنا.. أنا بعتذر جداً لو حصل أي تقصير.. البنت دخلت فجأة وأنا مكنتش أعرف إنها بنت حضرتك.. كنا بس بنحاول نهدي المكان عشان.."
— عمر قاطعها بنبرة هادئة كالسم: "عشان إيه؟ كنتوا بتهدوا المكان بأنكم تنادوا الأمن يرمي طفلة في الشارع؟"
زلزال في قلب القاهرة الجديدة
برلنت بدأت تهز رأسها بذعر، وتراجعت خطوة للخلف حتى اصطدم كعبها العالي بفاترينة العرض الزجاجية: "لأ.. طبعاً لأ.. أنا كنت خايفة على الطفلة من الإضاءة.. و.. وكارما دي بياعة مهملة، خالفت القواعد وطفت النور وحرجتنا قدام الزباين.. عشان كده أنا رفدتها حالا عشان نحافظ على برستيج المحل اللي حضرتك بتملكه!"
كارما نظرت إلى الأرض، شعرت بالغصة تخنق حلقها. كلمات برلنت كانت المسمار الأخير في نعش أحلامها الصغيرة. "مرفودة". الكلمة كانت تعني الضياع لعائلتها.
لكن عمر الروسي لم ينظر لبرلنت. مشى خطوات بطيئة نحو كارما، وقف أمامها مباشرة، يفصله عنها خطوة واحدة. انحنى بقامته الطويلة قليلاً وقال بصوت مسموع للجميع:
— "إنتي اسمك كارما؟"
— كارما بصوت مرتعش: "أيوه.. كارما السيد."
— "طردتِ النور عشانها؟"
— "كانت بتتألم من الضغط الحسي يا فندم.. النور العالي بيوجع عيونهم، والزعيق بيخليهم يحسوا إن العالم بينهار."
عمر صمت لثوانٍ، وعيونه الغامقة لمعت بتقدير عميق لم تره كارما في عين رجل من قبل. ثم التفت فجأة لبرلنت، وتغيرت ملامحه لبرود مرعب:
— "إنتي قلتي إنك رفدتيها عشان تحافظي على برستيج المحل اللي 'أنا' بملكه؟"
برلنت أومأت برأسها بسرعة: "أيوة يا فندم.. عشان مصلحة الشغل."
عمر ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة خالية من أي مظهر للمرح، كانت أشبه بصوت
شحذ السكاكين:
— "أنا مابملكش المحل ده يا مدام.. أنا بملك الماركة العالمية دي كلها بالتوكيل الحصري بتاعها في الشرق الأوسط. وبصفتي صاحب الحق الوحيد هنا.. المحل ده هيقفل من اللحظة دي."
سقوط الطغاة وتحطيم "البرستيج"
شهقة جماعية دوت من الستات الغنيات اللاتي كنّ يتابعن المشهد. برلنت اتسعت عيناها برعب: "يقفل؟ يا فندم ده أكبر فرع بيجيب أرباح!"
عمر أشار لرجاله: "ياسين.. اطلب الشؤون القانونية. الفرع ده يتشمع بالكامل. البضاعة اللي فيه تتنقل للمخازن، ويتم فسخ عقد الإيجار مع المول من بكرة الصبح. والموظفين كلهم يتصرف لهم مكافأة نهاية الخدمة.. ماعدا الست دي."
أشار بإصبعه نحو برلنت:
— "مدام برلنت تخرج من هنا فوراً، من غير مليم واحد مكافأة، ومعاها جواب رفد مسبب بـ 'سوء السلوك والتعامل غير الآدمي'، عشان تضمن إن مفيش محل ببيع شرابات في مصر كلها يقبل يشغلها بعد النهاردة."
برلنت انهارت تماماً وبدأت تبكي وتتوسل: "عمر بيه.. أرجوك.. أنا عندي التزامات.. أنا كنت بنفذ سياسة المكان!"
عمر لم ينظر إليها حتى، أشار للحراس فتقدموا وسحبوها من يدها خارج البوتيك وهي تصرخ وتلطم وجهها، وسط نظرات الاحتقار من الزبائن الذين كانوا منذ دقائق يشاركونها السخرية من الطفلة.
التفت عمر للستات اللاتي يرتدين اللؤلؤ والماس ويقفن في زاوية المحل:
— "والهوانم اللي كانوا خايفين من 'المرض المعدي' بتاع بنتي.. يتفضلوا بره. المحل قفل. وأي واحدة فيكم هشوف اسمها في كشوف عملاء شركتي تاني، حسابها الشخصي هيتقفل والفي آي بي بتاعها هيتلغي."
في ثوانٍ، فضي المحل تماماً. لم يتبق سوى الرخام اللامع، الإضاءة الخافتة التي أطفأتها كارما، وعمر الروسي الذي كان يقف كالملك وسط حطام المكان.
لحظة الحساب وجبر الخواطر
التفت عمر لكارما، التي كانت واقفة وعيناها مليئتان بدموع الذهول. لم تكن تصدق أن هذا الإعصار قد حدث فقط لأنها أنقذت طفلة.
— عمر بهدوء: "كارما.. إنتي لسه واقفة ليه؟ لمي حاجتك."
كارما ابتلعت ريقها بمرارة: "حاضر يا فندم.. بس تمن الشال.. مدام برلنت قالت إنه هيتخصم من.."
عمر قاطعها بابتسامة نادرة: "الشال
ده بقى ملكك يا كارما.. تمنه اندفع وزيادة. بس إنتي مش هتلمي حاجتك عشان تمشي للبيت."
— كارما باستغراب: "أومال إيه؟"
— عمر: "أنا بقالي سنتين بدور على حد يفهم ميرا من غير ما تفرغ شحنة غضبها. الدكاترة في لندن ومصر كلهم فشلوا يخلوها تفتح عينيها وتبتسم زي ما عملت معاكي من شوية. إنتي من بكرة الصبح مش بياعة في بوتيك.. إنتي المشرفة الرسمية على رعاية ميرا، بمرتب يعادل اللي كنتي بتاخديه هنا في سنة كاملة.. مع تأمين طبي كامل ليكي ولعيلتك، وعربيتك الخاصة اللي هتنقلك."
كارما ركبتيها لم تعد قادرة على حملها. دموع الفرحة انهمرت من عينيها بغزارة. تذكرت إيجار البيت، ومصاريف جامعة أختها، وعلاج أمها.. كل الجبال التي كانت تجلس على صدرها، تفتت بلمسة واحدة من تدبير ربنا وبسبب رحمة وضعتها في قلبها تجاه طفلة مسكينة.
— كارما بنشيج: "يا فندم.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنا بس عملت اللي يمليه عليا ضميري."
— عمر بص لها بنظرة حادة ومليانة صدق: "وأنا بعمل اللي يمليه عليا واجبي كأب. اللي يحمي بنتي، بشيله فوق راسي طول عمري. واللي يمسها.. بهد المعبد على دماغه."
النهاية: شروق جديد في قصر الروسي
مرت شهور على الليلة دي. البوتيك الفخم في القاهرة الجديدة أصبح مجرد ذكرى، وتحول مكانه لفرع جديد لشركة ملابس أطفال خيرية تابعة لعمر الروسي. برلنت اختفت تماماً ولم تعد تجد عملاً، وعاشت في الفقر والندم على قسوة قلبها.
أما في قصر عمر الروسي الشاسع..
كانت الشمس دافية والحديقة مليانة بزهور الياسمين. ميرا كانت قاعدة على الأرجوحة، وراسها مسنود على كتف كارما، والاتنين بيدندنوا بنفس اللحن الهادي.
عمر كان واقف في البلكونة الكبيرة، ماسك كوباية القهوة بتاعته، وبيبص عليهم بابتسامة حقيقية ملت وشه لأول مرة من سنين. عرف عمر إن "زعيم المافيا" أو "رجل الأعمال القاسي" زي ما الناس بتقول، لقى أمان بيته وولده في قلب البنت الغلبانة اللي رفضت تبيع ضميرها عشان خاطر "المنظرة".
اتعلمت كارما إن الرزق مبيجيش بالخنوع وقبول الظلم، بيجي بالرحمة وجبر خواطر الضعفاء. والطفلة اللي كانت في نظر الناس "إزعاج"، بقت هي
النور اللي فتح لكارما أبواب السعادة والعوض، وخلى عمر الروسي يعرف إن فيه قلوب أغلى بكتير من كل فلوس الدنيا.
تمت.

تم نسخ الرابط