ابن أختي رماني بالشوكة في وشي
الشوكة مخبطتش في كتفي وبس.. دي رنت في العظمة اللي فوق رقبتي بالظبط، خبطة وليها رنة حامية وجعتني لدرجة إن جسمي كله اتنفض، وجلدي نمل وكأنه مش عارف يزرقّ ولا يتحرق من الوجع. الشوكة ردت من جسمي، لفت لفة في الهواء كأنها عملة معدنية بتترمي، وبعدين نزلت تشق في طبق البطاطس المهروسة بتاعي بصوت مكتوم ومقرف. صوص اللحمة اتبعثر على المفرش الأبيض وعمل خط طويل ملخبط، كأنه لوحة فنية سريالية عنوانها الإهانة.
لثواني مكنتش قادرة أتحرك. مش عشان اتشليت، بس عشان جسمي استوعب قبل عقلي إن فيه حاجة قذرة حصلت، حاجة هيكون ليها توابع مهما كان اللي هعمله بعد كدة.
السفرة كانت طويلة، خشب ماهوجني غالي ومتلمع لدرجة إنه عاكس نور النجف بتباهي. والنجف الكريستال كان بينطق بالثقة، من النوع اللي الناس بتركبه عشان البيت يقول للضيوف إحنا عملناها وبقينا أغنياء. الأوضة كانت دافية بدفء مصطنع الأغنياء بيحبوه شموع بريحة الشتا، مناديل قماش متطبقة بنشفان، وكاسات بتعمل رنة رقيقة لما حد يحطها.
كنا 14 بني آدم قاعدين. أمي في أول السفرة، فارشة سيطها كالعادة، ضهرها مفرود
وفي آخر السفرة، قصاد أمي، كانت قاعدة جيسيكا.. أختي.
شعرها الأشقر كيرلي واسع وعمره ما يهيش، روج مظبوط بالمللي، وضوافرها نضيفة وبتلمع كأنها عمرها ما غسلت طبق في حياتها. صوابعها كانت لافة حوالين كاس النبيد بمنتهى الرقة، والنبيت عامل ضل أحمر زي المجوهرات على المفرش.
وفوق الكرسي اللي جنبها، كان واقف ابنها أيدن صاحب السبع سنين، لسه مادد إيده اللي رمت الشوكة. أيدن مكنش طفل شقي من اللي بيتنططوا، كان من نوع الأطفال اللي الناس بتحبهم، طفل رزين وعينيه ذكية، من اللي بيقولوا في الحقيقة ويصلحوا للكبار معلوماتهم عن الديناصورات. خدوده كانت حمراء من الحماس والحلويات، وشعره متسرح منكوش باحترافية جيسيكا دافعة فيها فلوس كتير.
وكان بيبص لي بالظبط، وبمنتهى الجدية والبراءة اللي الأطفال بيجيبوها لما يكرروا كلام هما
صوته كان عالي، مكنش بيهمهم، ولا كان بيضحك.. صوته قطع رنة الشوك والكلام اللي داير في الصالة. الكل سمعه.. الكل بلا استثناء. وبعدين، وكأنه محتاج يكمل السكينة اللي رشقها في قلبي، زود بمنتهى البراءة بتقول إن عشان كدة أنتي معندكيش حاجات شيك زينا.
الوجع اللي في كتفي مكنش حاجة جنب اللي حسيته في صدري. مكنش مجرد جرح، كان عصرة في الرئة. سمعت دقات ساعة الصالة، صوت عربية معدية في الشارع، وحتى صفارة الفرن في المطبخ كانت بتصفر بفرحة كأنها مش دريانة بالمصيبة.
والسكوت ساد المكان.. لثانيتين بالظبط.
ثانيتين كان ممكن أي حد من ال 14 الكبير اللي قاعدين يعمل فيهم الصح. أي حد يقول أيدن، عيب، أو يبص لجيسيكا ويسألها ليه يقول كدة؟، أو حتى يبص لي بكسوف يوضح إنه مقدر حجم الغلط.
ثانيتين.. وبعدها ماركوس جوز جيسيكا طلع منه صوت ضحكة مكتومة انفجرت فجأة. ضحكة عالية ومستهترة، من النوع اللي بيطلع من حد عمره ما شال هم تمن الضحك ده إيه. خالي روبرت خبط بكفه على السفرة وهو بيموت من الضحك وقال يا عيني..
كتاف أمي بدأت تتهز بضحكة ناشفة، وعينيها كانت بتلمع بفخر غريب دايمًا بتوفره للحظات اللي جيسيكا بتبين فيها أنيابها. جيسيكا رفعت الكاس وشربت بؤ هادي، مكنتش بتبص لي خالص، ولا حتى بصت للشوكة اللي راشقة في البطاطس بتاعتي. كانت باصة لابنها كأنه لسه قايل قصيدة في حفلة المدرسة.
وقالت بصوت ناعم ومزيف أيدن يا حبيبي.. الكلام ده ميتقالش بصوت عالي. الواد كشر واستغرب بس أنتي قلتي... قاطعته بسرعة وهي لسه مبتسمة عارفة أنا قلت إيه.. كل الديك الرومي بتاعك وأنت ساكت.
الضحك رجع تاني، بس المرة دي واطي، كأنهم بيحاولوا يداروه بس مش قادرين. مناديل القماش ارفعت عشان تخبي الابتسامات. جينيفر عضت على شفايفها وبصت لي وعينيها بتلمع كأنها بتسجل اللحظة دي عشان تحكيها وتتريق بعدين.
وهنا الحقيقة خبطتني أقوى من الشوكة ومن الكلام
ولا واحد فيهم بان عليه المفاجأة.
محدش شهق وقال سمعت الكلام ده فين؟.
محدش اتصدم كأن دي معلومة جديدة عليه.
لأن الكلام ده مكنش صدمة ليهم.. كان مألوف.
ده كان السيناريو اللي بيتقال في غيابي، والدور