خمس بيبيهات بقلم زيزي

لمحة نيوز


في البيت، بعد ما رجعنا، قعدنا كلنا على السفرة.
أول مرة من سنين يحصل ده.
أنا، وأولادي، ودانيال على الطرف التاني من الطاولة.
سلمى بصت لي وقالت هو كده الوضع هيكمل؟ ولا كل يوم هنفضل نجرب نصلّح اللي اتكسر؟
سكتت لحظة، وبعدين قلت
مش لازم يتصلّح زي ما كان المهم يبقى ليه شكل جديد.
دانيال رفع عينه ولو أنا تعبت؟
آدم رد بسرعة ساعتها هتكون لوحدك برضه زي ما إحنا اتعودنا زمان.
سكت.
بس ما اعترضش.
عدّت شهور تانية.
العلاقة ما بقيتش أب وأولاد بالشكل التقليدي لكنها بقت حاجة مختلفة.
احترام بيتبني ببطء.
حدود واضحة.
وصمت أقل قسوة من الأول.
وفي يوم، وأنا واقفة في البلكونة، دانيال وقف جنبي.
قال بصوت هادي أنا فاكر أول يوم شوفتهم كنت أعمى.
بصيت له وقلت مش عيب إنك تغلط العيب إنك تفضل عايش جوه الغلط.
هز راسه وقال أنا مش عايز أبقى في الماضي تاني.
سكتت لحظة، وبعدين قلت
يبقى تعيش في اللي جاي بس من غير ما تفرض نفسك على حد.
ابتسم لأول مرة ابتسامة صغيرة صادقة.
وفي اللحظة دي ماكنش فيه انتقام، ولا رجوع كامل، ولا معجزة.
كان فيه حاجة

أهدى
بداية متأخرة بس ممكنة بعد سنين من الهدوء الحذر، البيت ما بقاش زي الأول ولا رجع زي ما كان بس اتعلم يعيش بشكل جديد.
دانيال فضل موجود، مش كأب مثالي، لكن كإنسان بيحاول يعوض اللي فاته يوم بعد يوم من غير ما يفرض نفسه.
الأولاد كبروا، وكل واحد فيهم بقى ليه حياته وشخصيته وحدوده الواضحة. العلاقة بينهم وبينه فضلت قائمة، بس على أساس الاحترام مش العاطفة المفقودة.
إيفلين، اللي كانت دايمًا شايفة نفسها فوق الكل، بدأت تخسر نفوذها واحدة واحدة مش بسبب صدام مباشر، لكن لأن الزمن نفسه ما بقاش بيسندها زي الأول. وده كان أقسى عليها من أي مواجهة.
في يوم شتوي هادي، البيت كله اتجمع تاني.
مش علشان مشكلة ولا أزمة.
بس علشان نور قرر يتجوز.
القاعة كانت بسيطة، بس مليانة ناس من العيلة الجديدة اللي اتكونت بهدوء على مدار السنين.
دانيال كان قاعد في آخر الصف، ساكت، عينيه على ابنه وهو بيبدأ حياته.
وقبل ما كتب الكتاب يتم، نور بص له من بعيد.
سكت لحظة وبعدين ابتسم له ابتسامة خفيفة، مش حب كامل بس قبول.
دي كانت أول مرة دانيال يحس إنه مش
مرفوض بالكامل.
بعد الفرح، وأنا واقفة لوحدي شوية في البلكونة، لقيته جه وقف جنبي.
قال بصوت هادي أنا عمري ما هعوض اللي راح.
بصيت له وقلت مش مطلوب تعوضه المطلوب ما تضيّعش اللي باقي.
سكت.
وبعدين سأل يعني أنا دلوقتي إيه؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة، فيها تعب سنين
إنت واحد اتأخر بس لسه عنده فرصة يكون موجود من غير ما يوجع حد.
وبعدها سكتنا.
مش سكون ألم لكن سكون رضا هادي.
والبيت اللي كان في يوم مليان صدمة وطرد وصراخ
بقى مكان بيتعلم فيه الناس إن الرجوع مش دايمًا بيصلّح الماضي
بس ممكن يخلق مستقبل أهدى، وأقل قسوة مرّت سنين تانية بهدوء.
دانيال ما بقاش زي الأول خالص لا هو اللي كان بيصرخ ولا هو اللي كان بيهرب. بقى إنسان عارف حدوده، وبيمشي عليها بحذر.
الأولاد كبروا، وكل واحد فيهم شق طريقه. العلاقة معاه فضلت موجودة، بس بشكل بسيط مكالمات، زيارات متقطعة، ووجود مش لازم يكون فيه كلام كتير عشان يتفهم.
أنا كنت خلاص اتعلمت أعيش من غير ما أستنى حاجة من حد. لا اعتذار كامل، ولا رجوع الزمن.
في يوم، دانيال تعب فجأة.
الدكاترة قالوا إنها
أزمة قلبية بسيطة، بس خلت الكل يوقف لحظة ويعيد حساباته.
الأولاد جم المستشفى واحد ورا التاني، مش بنفس الإحساس القديم لكن بقلق حقيقي.
وقفوا حواليه، وساعتها فتح عينه وبص لهم كلهم.
قال بصوت واطي أنا مش عايز حاجة غير إني أكون متطمن عليكم.
سكت لحظة، وبعدين كمل ولو كنتوا لسه شايلين مني حاجة سامحوني مش عشان أنا أستاهل عشان ترتاحوا إنتوا.
بعد ما خرج من المستشفى، قرر يعيش بعيد شوية، في هدوء، من غير ضغط ولا محاولة يفرض نفسه.
آخر مشهد كان في بيت بسيط على طرف المدينة.
أنا واقفة في المطبخ، والأولاد قاعدين بيتكلموا في الصالة، وضحكهم عالي لأول مرة من زمان.
دانيال كان قاعد على كرسي قريب من الشباك، ساكت، بس عينه عليهم.
قربت منه، وقولت له بهدوء إنت مش لازم تكسب حاجة كفاية إنك بقيت موجود من غير ما تكسر حد.
هز راسه وبص لي أنا اتأخرت عمر كامل بس يمكن أخيرًا فهمت يعني إيه أبقى موجود بس.
سكتنا شوية.
وبعدين سمعت ضحكة من الصالة.
بصّيت ولقيت العيلة، بشكلها الجديد، مش كاملة ولا مثالية بس حقيقية.
والقصة ما انتهتش بفرح كامل ولا
ألم كامل
انتهت بحياة ماشية لقدّام من غير ما تبص وراها كل ثانية.

تم نسخ الرابط