غموض علامات يوسف
أنا ست عادية زي أي أم، شايلة الدنيا فوق دماغي من سنين طويلة، جوزي مسافر برا مصر من وقت ما يوسف ابني كان طفل صغير، وكل حاجة في البيت كانت فوق كتفي لوحدي. كنت أنا اللي بصحّيه المدرسة، وأنا اللي بذاكرله، وأنا اللي بخاف عليه من الهوا. يمكن عشان كده كنت متعلقة بيه زيادة عن اللزوم، حاسة إنه كل حياتي، وإن أي حاجة تمسه كأنها بتمس قلبي أنا شخصياً.
يوسف عنده خمستاشر سنة، هادي ومؤدب وطول عمره قريب مني، عمره ما خبّى عليا حاجة. ولأن أمي خلفت أخويا مروان في نفس السنة اللي خلفت فيها يوسف، الاتنين كبروا سوا كأنهم توأم مش خال وابن أخته. كانوا طول الوقت مع بعض، يخرجوا سوا، يذاكروا سوا، حتى ألعابهم واهتماماتهم واحدة. ومروان كان بيعتبر بيتنا بيته، يدخل ويطلع براحتة، وأنا كنت فرحانة بالعلاقة دي ومطمنة إن ابني عنده حد قريب منه بالشكل ده.
لحد ما بدأت ألاحظ حاجة غريبة قلبت راحتي خوف.
في أول مرة شفت العلامات على إيد يوسف، افتكرت إنها مجرد حساسية بسيطة. كانت بقع حمرا منتشرة على صوابعه وكف إيده، كأن الجلد متهيج بطريقة غريبة. سألته وقتها فقال بسرعة إنها حساسية من منظف أو حاجة لمسها. لكن اللي خلاني أقلق فعلاً إن العلامات كانت بتظهر فجأة وتختفي بعدها بيوم أو اتنين، وكل مرة كانت بترجع بعد زيارة مروان بالذات.
في البداية حاولت أقنع نفسي إني ببالغ. يمكن فعلاً
بدأت أركز أكتر.
مرة دخلت عليهم فجأة لقيتهم اتخضوا بشكل مبالغ فيه، يوسف خبّى إيده بسرعة تحت الترابيزة، ومروان سكت مرة واحدة. الجو كله كان متوتر بطريقة غريبة. حاولت أضحك وأسألهم بيعملوا إيه، لكن ولا واحد بص في عيني.
بعدها بيومين، العلامات رجعت أقوى من الأول.
وقتها خوفي زاد. دماغي بدأت تروح لأسوأ الاحتمالات. يا ترى بيجربوا حاجة غلط؟ مواد كيميائية؟ أدوية؟ ألعاب خطيرة من اللي بنسمع عنها؟ بقيت مش بنام من التفكير.
حاولت أتكلم مع يوسف بهدوء. قعدت جنبه بالليل وربتت على شعره وقلتله يا حبيبي أنا مش ضدك أنا بس خايفة عليك.
بصلي للحظة، وكنت حاسة إنه عايز يتكلم، لكن فجأة قفل على نفسه وقال بعصبية مفيش حاجة يا ماما ليه مصممة تكبري الموضوع؟
ولأول مرة حسيت إن بيني وبينه حيطه كبيرة.
لما سألت مروان لوحده، اتوتر هو كمان بنفس الطريقة. كان واضح إن الاتنين متفقين على نفس الكدبة. هنا بدأت شكوكي تكبر أكتر وأكتر.
وفي ليلة، بعد ما فضلت ساعات بفكر، عملت حاجة عمري ما تخيلت إني أعملها في ابني اشتريت كاميرا صغيرة جداً وخبيتها في أوضة يوسف. وأنا بركبها كانت إيدي بتترعش من الذنب، لكن
اليوم اللي بعده جه مروان كعادته.
دخلوا الأوضة وقفلو الباب.
وأنا قاعدة برا، ماسكة الموبايل وقلبي بيدق بعنف، بدأت أتابع البث.
في الأول كانوا بيضحكوا عادي ويتكلموا في الدراسة والكورة. لحد ما مروان فتح شنطة صغيرة كان جايبها معاه، وطلع منها علبة وألوان وفرش رفيعة. استغربت. فضلت مركزة أكتر.
وفجأة فهمت.
الاتنين كانوا بيتعلموا الرسم بالمؤثرات الخاصة مكياج سينمائي!
يوسف كان مهووس من فترة بأفلام الرعب والأفلام الأجنبية اللي فيها خدوش وحروق وإصابات شكلها حقيقي، ومروان كان بيتابع فيديوهات لمؤثرات المكياج على الإنترنت. الاتنين كانوا بيجربوا يعملوا نفس الحاجات على إيد يوسف باستخدام مواد رخيصة وألوان وتقنيات غلط، والمواد دي كانت عاملة حساسية شديدة في جلده.
قعدت أبص للشاشة وأنا مش مصدقة.
مروان كان بيخلط مادة لاصقة مع ألوان، ويوسف يضحك ويقوله بص شكلها حقيقي إزاي!
وبعدين بعد ما يخلصوا، يوسف يبدأ يحك إيده بعصبية لأنه حاسس بحرقان، لكن بدل ما يعترفلي، كان بيخاف إني أمنعه من الحاجة الوحيدة اللي محسساه إنه موهوب ومختلف.
فضلت ساكتة مكاني، لا عارفة أضحك ولا أعيط.
كل الرعب اللي عشته، وكل السيناريوهات السودا اللي بنتها في دماغي، طلعت بسبب طفلين بيحاولوا يقلدوا فيديوهات على الإنترنت.
بس اللي كسر قلبي فعلاً مش العلامات
لما خرجوا من الأوضة، ناديت يوسف بهدوء.
أول ما شافني عرف إن في حاجة غلط. وشه شحب وقعد ساكت.
قلتله أنا عرفت كل حاجة.
بدأ يتوتر ويقول ماما والله إحنا معملناش حاجة وحشة
لكن قبل ما يكمل، حضنته.
وقتها هو اللي انهار.
فضل يعتذر ويقول إنه كان خايف أزعقله أو أمنعه، وإنه كان بيحلم يبقى متخصص مؤثرات سينمائية أو رسام مكياج أفلام، لكنه كان مكسوف يحكيلي عشان خايف أعتبرها لعب عيال.
قعدنا نتكلم لأول مرة من شهور بصدق.
فهمت قد إيه هو محتاج حد يسمعه مش بس يراقبه. وقد إيه الخوف ساعات بيخلينا نشوف أولادنا غرب عننا.
تاني يوم أخدته لدكتور جلدية، والحمد لله الموضوع كان مجرد التهاب وحساسية من المواد اللي استخدموها، والدكتور طمّنا وكتبله علاج.
أما مروان، فكان مرعوب مني أكتر من يوسف نفسه، لكنه لما شافني بهزر معاهم وأقولهم إنهم لو عايزين يعملوا مؤثرات يتعلموها بشكل صح وآمن، رجعت الضحكة لوشه تاني.
ومن يومها، بقوا يسيبوا باب الأوضة مفتوح، ويوروني كل حاجة بيعملوها، وأنا بقيت أشاركهم أوقات كتير بدل ما أفضل برا الأوضة غرقانة في الشك والخوف.
واتعلمت درس عمري ما هنساه
إن أوقات كتير الحقيقة بتكون أبسط بكتير من الرعب اللي بيخلقه خوفنا في دماغنا وإن أقرب طريق لقلوب ولادنا مش المراقبة لكن الأمان.
بعد