الشغالة الغلبانة كانت
"الشغالة الغلبانة كانت بتمسح البلاط تحت رجلين المليونير العاجز والأصم، ومراته الهانم واقفة تضحك عليها بـ شماتة وتذلها، وفجأة من غير أي مقدمات.. المليونير وقف على رجليه ونطق بجملة واحدة زلزلت جدران القصر وخرّست الكل!".. الجملة دي مكانتش مجرد خناقة بين هانم وشغالة في بيت كبير، دي كانت بداية بركان ح يفرتك قناع الطيبة والشر اللي عاشوا فيه سنين، ومكنتش الست القاسية تتخيل إن البنت الفقيرة اللي دخلت بيتها ح تكون هي المفتاح اللي ح يرجع الروح للراجل اللي افتكرت إنها دفنته بالحي، وإن السكوت اللي سكتتهوله ليلتها كان مجرد الهدوء اللي بيسبق العاصفة، والمواجهة اللي جاية ح تهد الإمبراطورية كلها فوق دماغ اللي ظلم!
"هو أنا مكتوب عليا أعيش طول عمري بمسح تراب الناس عشان لقمة العيش؟".. ندى قالت الجملة دي وهي واقفة قدام بوابة القصر العتيق في قصر الدوبارة بجاردن سيتي، القصر كان عالي ومخيف كأنه سجن من رخام أبيض، والشبابيك بتاعته بتلمع تحت شمس القاهرة الحامية ببرود كأنها بتبص لـ فقرها بقرف، فضلت واقفة بـ جزمتها القديمة اللي عليها تراب الشارع، وإيدها متبتة في حزام شنطتها الجلد المقشرة، وبتسأل نفسها هو الفقر اللي خلاها شجاعة وميفرقش معاها حاجة؟ ولا قلة الحيلة هي اللي رمتها في طريق الوحوش؟ الصبح ده، ندى سابت وراها شقة إيجار قديم ضيقة في روض الفرج، شقة النور فيها مقطوع بقاله شهرين عشان الوصلات متدفعتش، وأختها الصغيرة "بسمة" كانت قاعدة بتعد أقلام المدرسة القديمة كأنها كنز، وأمها لسه عايشة في وهم إنها لو كسبت جمعية أو جالها قرش من الهوا ح تحل مصايب الدنيا، وأبوها مات ليلتها وهو بيحمي بسمة من بلطجي في الحارة، مكنش راجل مثالي، كان بيشرب شاي تقيل ويزعق ويغلط ياما، بس في آخر لحظة في عمره ودا ضناه بحياته، والنوع ده من الوجع مبيتمحيش، عشان كدة أول ما شفت اليافطة الصغيرة المحطوطة على سور القصر: "مطلوب جليسة مقيمة لحالة خاصة"، ضغطت على الجرس قبل ما الخوف يرجعها، الباب فتحته ست شيك أوي، من نوعية الناس اللي النظافة والأصول بيبانوا عليهم بفلوس كتير،
يا ترى إيه الجملة المرعبة اللي شريف ح ينطق بيها ويفوق الشارع كله عليها، وإيه السر الأسود اللي شاهيناز مخبياه وبتعاقبه بسببه، وهل ندى ح تقدر تحميه وتكون ضهره في اللي جاي ولا نهايتهم هما الاثنين ح تتكتب جوة القصر ده؟ اللي جاي مواجهة تزلزل القلوب!
في النهاية
أول أسبوع لندى في القصر كان شبه المشي فوق تلج رفيع.
كل حاجة هادية زيادة عن اللزوم.
الخدم بيتكلموا بالهمس.
الست شاهيناز مبتضحكش غير قدام الناس.
وشريف...
كان ساكت طول الوقت.
بس السكات ساعات بيبقى أعلى من الصريخ.
ندى بدأت تلاحظ حاجات صغيرة محدش بيركز فيها.
شريف كان بيتابع
يفهم اللي حواليه أسرع من أي حد.
ولما شاهيناز تدخل الأوضة، صوابعه تتشنج تلقائي.
وفي مرة بالليل، ندى دخلت له العشا، لقيته بيحاول يكتب بحاجة على الترابيزة بإصبعه المرتعش.
قربت بحذر.
كان كاتب حرفين بس:
"خ...و"
ولما حس بيها، مسحهم بسرعة وخبط بإيده على الكرسي بعصبية.
ندى سكتت، لكنها فهمت إن الراجل ده مش مكسور زي ما بيقولوا.
فيه حاجة مستخبية.
...
بعدها بيومين، شاهيناز عملت حفلة كبيرة في القصر.
رجال أعمال.
سياسيين.
كاميرات.
ضحك عالي.
وشريف متلبس بدلة شيك ومتثبت على الكرسي المتحرك في ركن الصالون كأنه قطعة ديكور.
كل ما حد يقرب يسلم عليه، شاهيناز ترد بداله:
"للأسف حالته صعبة جدًا... مبقاش مدرك أغلب الوقت."
لكن ندى كانت شايفة عينيه.
شايفة الغضب اللي جواه.
وفي نص الحفلة، واحدة من الضيوف قالت بشفقة:
"حرام... الراجل ده كان مالي الدنيا."
شاهيناز ردت بابتسامة باردة:
"الدنيا مبتفضلش لحد."
الجملة دي خلت شريف يضغط على مسند الكرسي بعنف لدرجة إن عروقه برزت.
ندى كانت واقفة وراه مباشرة.
وفجأة...
شريف رفع راسه.
وبص لمراته لأول مرة بثبات كامل.
وبعدين حصل المستحيل.
وقف.
الكاسات وقعت من إيد الناس.
المزيكا سكتت.
حتى الخدم اتجمدوا مكانهم.
شريف وقف على رجليه المرتعشة، ماسك طرف الترابيزة، وبص لشاهيناز بعين كلها نار.
وبصوت مبحوح ومتقطع لكنه واضح قال:
"أنا... مش... عاجز."
الصالة كلها شهقت.
شاهيناز وشها اتحول للون الرماد:
"شريف! اقعد!"
لكنه كمل وهو بيبص للناس:
"هي... اللي... حبستني."
الفوضى انفجرت.
الضيوف بقوا يبصوا لبعض.
الكاميرات اتفتحت.
والخدم واقفين مذهولين.
شاهيناز جريت ناحيته وهي بتصرخ:
"إنت تعبان! إنت مش واعي!"
لكن شريف زق إيدها لأول مرة من سنتين.
وقال الجملة اللي هدت القصر كله:
"الحادثة... مكانتش حادثة."
...
الشرطة وصلت بعد ساعة.
والقصر بقى عامل زي خلية نحل.
ندى كانت واقفة في المطبخ وإيديها بتترعش وهي سامعة الأصوات جاية من فوق.
لحد ما باب المطبخ اتفتح فجأة.
كان شريف.
واقف متسند
قال لها بصوت متكسر:
"ساعديني."
ندى جريت عليه بسرعة وسندته:
"إنت لازم ترتاح."
هز راسه: