اخويا كان بياخد ابويا كل شهر

لمحة نيوز


من شغلي.
سكت.
وأنا كملت
من ضهري اللي اتقطم في المخبز.
من نومي اللي ضاع.
ومن الأكل اللي كنت بحرم نفسي منه عشان أجيبله حفاضات.
الناس كلها كانت ساكتة.
حتى الموظف اللي ورا الشباك وقف العدّ.
قربت من سامح أكتر.
إنت عمرك ما شفت بابا وهو بيترعش من الحمى.
ولا نضفتله جرح.
ولا شلت جسمه لما يقع.
صوتي بدأ يهتز.
بس أول ما المعاش ينزل تفتكر إنك ابنه.
سامح وشه قلب أحمر.
واضح إنه أول مرة حد يوقفه قدام نفسه بالشكل ده.
وفجأة
أبويا مد إيده المرتعشة ناحيتي.
نادية
جريت عليه فورًا.
ركعت قدامه ومسكت إيده.
بصلي بعينيه التعبانين وقال
إنتِ زعلانة ليه يا ماما؟
الدموع نزلت مني غصب عني.
حضنت إيده وبستها.
ولا حاجة يا بابا خلاص.
هو ماكانش فاهم اللي بيحصل.
لكن كان حاسس إن في وجع.
والوجع عمره ما بيستخبى عن الآباء
حتى لو الذاكرة راحت.
الظباط أخدوا سامح.
وهو خارج
لف بصلي بكره عمري ما شفته في عين حد.
شبعتي تشهير؟!
بصيتله بثبات.
أنا لسه بدأت أحميه.
بعد ما مشي
البنك رجع هادي تدريجيًا.
بس في حاجة كانت اتغيرت.
الناس اللي كانت واقفة بدأت تبص لأبويا بحزن واحترام.
راجل كبير قرب مني وقال
ربنا يباركلك يا بنتي قليلين اللي بيقفوا لأهلهم كده.
ابتسمت بالعافية.
لأن الحقيقة؟
أنا كنت متأخرة.
كان المفروض أحميه من زمان.
وأنا خارجة من البنك، وقفت أظبط بلوفره البني.
لقيت نص البسكوتة

لسه في جيبه.
شلتها وضحكت وسط دموعي.
لسه مخبيها يا حاج؟
ابتسم الطفل الصغير اللي بقى ساكن جواه وقال
لسه المدرسة ماخلصتش.
قلبي وجعني جدًا.
أبويا اللي كان بيشيلنا كلنا
بقى تايه بين الأزمنة.
لكن حتى وهو ناسي الدنيا
أنا ماكنتش هسمح لحد يسرق آخر كرامة فاضلة له.
بعدها بشهر
نقلت المعاش على حساب تحت إشرافي المباشر.
وجبتله كرسي جديد مريح.
وكل يوم الصبح قبل ما أنزل الشغل
أقعد معاه نشرب شاي سوا.
أوقات يعرفني.
وأوقات يفتكرني أمه.
وأوقات يسأل عن القطر.
لكن في مرة
وأنا بلبسه الجاكت، بصلي فجأة بتركيز غريب، كأن الغشاوة راحت ثانية.
وقال
إنتِ سندي يا نادية.
وانا وقتها
عيطت أكتر من يوم البنك كله.
بعد قضية البنك
سامح اختفى فترة.
ناس قالت سافر.
ناس قالت مستخبي عند صحابه.
وناس قالت إنه بيلف يحاول يلم فلوس للمحامي.
لكن الحقيقة؟
ولا واحدة من دول كانت فارقة معايا.
أنا كان كل همّي إن أبويا يصحى الصبح يلاقي حد يعرف اسمه حتى لو هو نفسه ناسيه.
الأيام بقت ماشية بنظام ثابت.
أصحى الفجر.
أجهز الفطار.
أدي بابا دواه.
أوصيه على الست اللي بتقعد معاه.
وأجري على المخبز.
وأرجع آخر اليوم ألاقيه مستنيني بنفس السؤال تقريبًا
النهارده الخميس؟
أو
أمك راحت السوق؟
وأوقات
يبصلي ويسأل
إنتِ مين؟
وكان السؤال ده بيقتلني كل مرة كأنه أول مرة.
لكنّي كنت بابتسم وأقوله
أنا نادية يا بابا.

فيه أيام كان بيهز راسه عادي.
وفيه أيام
كان يبصلي باعتذار غريب كأنه حاسس إنه ناسي حاجة مهمة.
بعد حوالي شهرين
الباب خبط بالليل.
فتحت
ولقيت سامح.
واقف لوحده.
من غير البرفان الغالي.
ولا الساعة.
ولا الصوت العالي.
كان شكله متبهدل بشكل صعب حتى أكرهه.
دقنه طالعة.
عينيه غرقانة سهر.
وإيده فيها كيس صغير.
فضل واقف ساكت ثواني.
ثم قال
ممكن أشوفه؟
بصيتله طويل.
جزء جوايا كان نفسه يقفل الباب في وشه.
لكن جزء تاني
افتكر إن أبويا رغم كل حاجة، كان بيحب ابنه.
دخل من غير كلام.
أول ما شاف أبويا، وقف مكانه.
الحاج محمود كان نايم على الكنبة، البطانية على رجله، والتلفزيون شغال بصوت واطي على فيلم أبيض وأسود.
سامح قرب ببطء.
وقعد على الأرض جنب الكنبة.
فضل يبصله فترة طويلة جدًا.
وبعدين فجأة
بدأ يعيط.
مش دموع هادية.
انهيار كامل.
أنا آسف يا بابا
صوته كان طالع من حتة مكسورة جواه.
والله ما كنت أقصد أوصل لكده.
وقفت بعيد ساكتة.
لأن الاعتذار المتأخر موجع
بس أوقات بيكون حقيقي.
سامح طلع من الكيس جزمة قديمة.
جزمة السكة الحديد البنية بتاعة أبويا.
اللي كان محتفظ بيها في مخزن البيت القديم.
قال وهو بيبكي
فاكر لما كنت تلبسها وتاخدني المحطة؟
أبويا فتح عينه ببطء.
بصله شوية.
وشوية كمان.
وقلبي وقف
لأنه لأول مرة من شهور، عينيه كانوا صافيين.
رفع إيده المرتعشة ولمس وش سامح.
وقال
كبرت
ليه كده يا واد؟
سامح انهار أكتر.
وحضن إيده وهو بيبوسها.
وأنا سبتهم
ودخلت المطبخ أعيط لوحدي.
مش عشان سامحت سامح بالكامل.
يمكن عمري ما أنسى اللي عمله.
لكن عشان فهمت حاجة متأخر
المرض ما سرقش أبويا مننا بس
سرقنا إحنا كمان من بعض.
بعدها بفترة، سامح بدأ ييجي كل أسبوع.
في الأول كنت متحفزة.
براقبه.
مابثقش فيه.
لكن المرة دي كان مختلف.
بقى يجيب الأكل بنفسه.
يقعد يغير لبابا.
يشيله لو وقع.
ويسكت لما أبويا يناديه باسم غلط.
وفي يوم
لقيته قاعد بيقص ضوافر رجل أبويا بحذر شديد.
نفس الراجل اللي كان بيجري ورا الفلوس
بقى بيتعلم يعني إيه يراعي إنسان ضعيف.
يمكن الندم ما يصلحش كل حاجة.
بس أوقات
بيغير البني آدم فعلًا.
أما أبويا
فكل يوم كان بينسى حاجة جديدة.
إلا حاجة واحدة.
كل ما يشوفني أنا وسامح قاعدين جنبه سوا
كان يبتسم.
كأنه حتى وسط الزهايمر
حاسس إن عيلته رجعت متجمعة حواليه تاني.
وفي آخر ليلة قضاها معانا
كان المطر نازل بهدوء.
وأنا وسامح قاعدين جنب سريره.
الحاج محمود فتح عينه بصعوبة.
وبص لنا إحنا الاتنين.
ثم قال بصوت خافت جدًا
خدوا بالكم من بعض.
وبعدين ابتسم
الابتسامة القديمة بتاعة راجل كان شايل الدنيا كلها على كتفه.
وساب إيدينا بهدوء.
لآخر مرة.
بعد الجنازة
رجعنا البيت ساكتين.
أنا وسامح.
ولأول مرة من سنين، ماكنش بينا خناق ولا فلوس ولا لوم.
بس غياب.
دخلت
أوضة أبويا، لقيت الجاكت البني بتاعه متعلق مكانه.
وفي جيبه
نص بسكوتة قديمة ناشفة.
ضحكت وسط دموعي.
وسامح ضحك هو كمان وهو بيعيط.
لأن بعض الناس
حتى بعد ما يمشوا،
بيفضلوا سايبين ريحتهم
وقلب البيت
وراهم.
تمت

تم نسخ الرابط