سابني في فويس نوت

لمحة نيوز


واقفة في مكتب أبوها الله يرحمه، بتحاول تتماسك وهي بتراجع عقود الشركة اللي غرقت فجأة بعد وفاته. الديون طالعة من كل درج، والشركاء بيهربوا واحد ورا التاني، والموظفين بيبصولها بنظرة الشفقة اللي كانت بتكرهها.
ولما السكرتيرة دخلت تقولها
المستثمر الجديد وصل يا فندم.
كانت آخر حاجة تتوقعها إنها ترفع عينيها تلاقيه هو.
نفس البدلة السودا. نفس العينين الرمادي. ونفس الهدوء المستفز.
الراجل اللي حضن انهيارها في المطار جاي يشتري الشركة اللي أبوها بناها بعمره.
اتجمدت مكانها.
أما هو، فكان أهدى منها بكتير، كأنه كان متوقع الصدمة. قعد قدامها وقال ببساطة
أستاذة فريدة.
ردت بصوت ناشف إنت؟
آسر الدمنهوري.
الاسم وقع عليها زي حجر. اسم معروف يخوف أي حد في عالم البيزنس. أصغر رجل أعمال دخل قوائم الأثرياء، وأبردهم سمعة. الراجل اللي الشركات بتقع أو تقوم بإشارة منه.
فريدة ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة إيه الصدفة القذرة دي؟
ولأول مرة، زاوية فمه اتحركت بحاجة شبه ابتسامة دي مش صدفة.
سكتت.
فتح ملف قدامه وقال بهدوء أنا كنت جاي أشتري الشركة من قبل ما أقابلك في المطار.
يبقى ربنا بيكرهني فعلًا.
لكن آسر

رفع عينيه ليها وقال جملة غريبة أو يمكن بيحاول ينقذك.
الأيام اللي بعد كدة كانت حرب.
فريدة كانت شايفاه نسر جاي ينهش الباقي من تعب أبوها، وهو كان بيتعامل معاها ببرود مستفز، لكن من غير ما يكسرها أبدًا. كل مرة كانت تتوقع منه ضربة، تلاقيه بيحمي الشركة من كارثة أكبر.
لحد الليلة اللي قلبت كل حاجة.
كانت بتدور في مكتب أبوها القديم على أي ورق ينقذهم، ولما فتحت الدرج السري اللي كانت فاكرة إنه بايظ، لقت صندوق صغير مقفول بمفتاح قديم.
جواه فلاشات. عقود. وصور.
وصورة واحدة بالتحديد خلت الدم يتسحب من وشها.
أبوها واقف جنب مصطفى.
ومعاهم راجل تالت.
آسر.
لكن الصورة كانت قديمة جدًا.
قديمه لدرجة إن آسر كان أصغر بعشر سنين تقريبًا.
إيديها اترعشت وهي فتحت أول فلاشة.
وصوت أبوها طلع من التسجيل
لو فريدة بتسمع التسجيل ده يبقى أنا غالبًا مت، والشركة وقعت في إيد الناس الغلط.
حست قلبها هيقف.
مصطفى قرب منك بأوامر. كان مطلوب منه يتجوزك ويعرف كل حاجة عن أسهم الشركة.
شهقت بصدمة.
أما آسر فهو الوحيد اللي رفض يدخل اللعبة.
دموعها نزلت وهي تسمع.
أبوها كمل بصوت تعبان أنا ظلمت آسر زمان وأبو آسر مات
بسببي في صفقة فاسدة أنا خوفت أعترف بيها. الولد عنده حق يكرهني ويهد الشركة فوق دماغك لكنه الوحيد اللي وثقت إنه ممكن يحميك بعدي.
في اللحظة دي باب المكتب اتفتح.
آسر كان واقف.
وشه جامد لكن عينيه مليانة وجع قديم.
رفعت الصورة في وشه وهي بتصرخ إيه ده؟! إنت كنت تعرف مصطفى؟!
سكت ثواني طويلة قبل ما يقول أيوة.
يبقى كنت جزء من اللعبة!
في الأول أيوة.
الكلمة دبحتها.
لكن آسر قرب خطوة وقال لأول مرة بصوت مكسور فعلًا بس يوم المطار ماكنش تمثيل.
بصتله بدموعها.
أنا كنت جاي القاهرة عشان آخد منك كل حاجة الشركة الأسهم وحتى البيت. لكن لما شفتك واقفة بتنهاري لوحدك معرفتش.
صوته وطي أكتر لأول مرة حسيت إني بقيت شبه الناس اللي دمرت أبويا.
الصمت بينهم كان تقيل.
وفريدة سألت السؤال الأصعب ومصطفى؟
عيني آسر اسودوا هرب بعد ما خد فلوسه.
يعني باعني؟
باع نفسه قبلك.
بعدها بأسبوع، الحقيقة كلها خرجت.
مصطفى كان شغال مع منافسين للشركة من البداية، وكان بيستغل قربه من فريدة عشان ينقل معلومات. لكن لما أبوها مات والشركة بدأت تقع، الناس اللي وراه قرروا يخلصوا من كل الأطراف بما فيهم مصطفى نفسه.
آسر هو اللي
وقف ضدهم.
واحد واحد، العقود الفاسدة اتكشفت، والحسابات السرية ظهرت، والديون اللي كانت مزورة اتحذفت بالقانون. ولأول مرة من سنين، فريدة دخلت مكتب أبوها وهي حاسة إن المكان مش بيختنق.
وفي آخر قضية، المحكمة حكمت باسمها رسميًا.
الشركة بقت ليها.
طلعت من المحكمة وسط الزحمة والصحافة والهواء السخن، ووقفت على السلم تدور بعينيها عليه.
لقته بعيد كالعادة.
واقف بهدوء، إيده في جيبه، كأنه متعود يراقب من بعيد بس.
قربت منه ببطء.
ليه ساعدتني فعلًا يا آسر؟
بصلها طويل، وبعدين قال عشان يوم المطار أول مرة حد يتمسك بيا مش عشان مصلحة.
الكلمة خبطت قلبها بقوة.
ابتسمت وسط دموعها وأنت أول حد يسندني من غير ما يطلب تمن.
ولأول مرة من سنين، آسر الدمنهوري ضحك فعلًا ضحكة صغيرة، حقيقية، شالت من على وشه سنين قسوة كاملة.
مد إيده ليها بهدوء ها هتقدري تثقي فيا المرة دي؟
فريدة بصت لإيده ثواني.
كانت الحياة علمتها إن الناس بتمشي فجأة، في فويس نوت تلتين ثانية، ومن غير رحمة.
لكنها علمتها برضه إن في ناس تانية ممكن تظهر وسط أسوأ لحظة في عمرك، وتبقى النجاة اللي مكانتش في الحسبان.
فحطت إيدها في إيده.
المرة
دي من غير خوف.
والمرادي، لما الدنيا اتحركت تحت رجليها
مكانتش لوحدها

 

تم نسخ الرابط