ياترى ايه اللي ممكن يعمله
يا ترى إيه اللي ممكن يعمله أغنى وأقوى راجل في الصعيد لما يشوف أرملة شاب غلبانة وكسيرة، لسه طاردينها أهل جوزها في المطر والطين ب قلة أصل، ويقرر في ثانية واحدة إنه يقف عربيتو ويغير قدرها كله؟ وإزاي طردتها ب فستانها الأسود ه تكون هي البداية ل حكاية تزلزل البلد كلها، وتقلب موازين عيلة طماعة داست على الأصول والدين!
الصبحية اللي خسرت فيها هدى اسم عيلتها، عيلة سليم قفلوا البوابة الحديد الكبيرة في وشها وسابوها واقفة في الطين وسط المطر ب شنطة هدوم واحدة، وفستان أسود، وعلامة الدبلة لسه باهتة وبيضا في صباعها؛ كانت يدوبك بنت عندها عشرين سنة؛ بقت أرملة من قبل ما تلحق تفهم يعني إيه تكون زوجة وتفرح ب شبابها؛ السما فوق القرية كانت مغيمة ومقفولة ب السواد، كأنها شايلة حزن الليل كله ومستنية اللحظة اللي ه تنفجر فيها؛ وراها كان بيت عيلة سليم الكبير قايم على تلة، عواميد رخام، وعربيات زيرو، وأراضي سارحة مالهاش آخر؛ وقدامها طريق تراب ضلمة، ومستقبل مكسور، وبلد بحالها حطت عليها وبقت ب تقول إن قدمها نحس؛ صوت حماتها الحاجة كريمة كان لسه ب يرن في ودنها ب غل أنتِ اللي قدمك شؤم ودخلتِ الموت بيتنا!؛ هدى كانت واقفة في الصالة الكبيرة من عشر دقائق بس وحماتها ب تسحب الدبلة الذهب من صباعها ب العافية كأنها سرقاها؛ طارق جوزها، اللي م لحقتش تتهنى معاه ثمان شهور، مات من تلت أسابيع في حادثة؛ جرار اتقلب بيه وهو ب يشوف الأرض، ومات قبل ما حد يلحق ينقذه؛ هدى صرخت في الجنازة لحد ما زورها جاب دم من القهر؛ بس الحزن والدموع م ب يحموش بنت غلبانة من عيلة غنية وعينها مليانة طمع ومكنوش عاوزينها من الأول؛ حماتها لوت بوقها وقالت أنتِ عمرك ما كنتِ من توبنا، ابني اتجوز واحدة أقل منه، وربنا حقق عدله وخلصنا من الغلطة دي؛ هدى م تذللتش وم طالبتش بحاجة؛ وده اللي فاجئهم بجد؛ شالت شنطتها الجلد القديمة اللي حيلتها من وهي بنت، ومشت وضهرها مفرود ب العزة رغم إن جسمها كله كان ب يترعش من الوجع؛ ولما الجنزير الحديد بتاع البوابة اتقفل وراها، الركعة دي هزت قلبها؛ كانت كأنها حكم قاضي ب الإعدام؛ شعرها الأسود طار على وشها مع الهوا وعفرة الطريق وهي ب تبدأ تمشي، والطين ب يسحب جزمتها القديمة؛ بطنها كانت ب تقطعها من الجوع ل أنها م كلتش لقمة من إمبارح، بس وجع الكرامة كان أشد من جوع البطن؛ هي مكنتش كسلانة، ولا طمعانة في قرشهم، ولا كانت النحس اللي ب يوشوشوا بيه ورا ضهرها؛ دي كانت بنت صدقت شاب طيب قال لها ب الحلال أنا ه أخدك من الضيق ده يا هدى وه أعملك بيت يعزك؛ وفجأة مات وسابها؛ عربيتين ربع نقل عدوا جمبها، وبعدها عربية ملاكي، ومحدش رضي يقف لها؛ ست ب تبص من ورا الستارة واتعوذت من الشيطان؛ وراجل عجوز هدى السرعة ولما عرفها داس بنزين وجرى؛ على الظهر، المطر بدأ ينزل ب غل؛ مش مطر حنين، ده كان مطر ساقع لطش جسم هدى وفستانها الأسود في ثواني ولزقه على جلدها؛ حاولت تجري ناحية مظلة موقف الميكروباصات القديم على أول الطريق، بس كعب جزمتها اتكسر في الطين؛ رجلها لوت، ووقعت على ركبها، والشنطة اتمرمغت في الأرض وإيديها غطست في الطين؛ ل ثانية واحدة مرعبة، م قدرتش تتحرك؛ فضلت راكعة في الأرض، والمطر ب يغسل وشها عشان محدش يعرف هي ب تعيط ولا ده مية المطر؛ وفجأة، فوانيس عربية ظهرت من وسط الغبش؛ عربية دبل كابين سودة ضخمة ب تلمع، من النوع اللي مفيش مخلوق في البلد ب يركبها إلا لو كانت أراضيه ب تطلع ذهب؛ الموتور كان ب يجعر ب الهداوة، والكاوتش وقف على بعد شبر واحد من بركة الطين اللي جمبها؛ زجاج الباب نزل ب الراحة؛ هدى رفعت وشها المبلول؛ الكبير يونس عبد الجبار كان ب يبص عليها من وراء الدريكسيون؛ الاسم ده مفيش مخلوق في المركز كله م يعرفهوش؛ أراضي ووورث عبد
الجبار أكبر من مساحة مراكز بحالها؛ يونس ب يملك تجارة، وأراضي، ومطاحن، ونص محلات السوق، ورغم كدة م حدش ب يشوفه إلا قليل؛ راجل عنده سبعة وثلاثين سنة، مش متجوز، وحواليه كلام وحكايات أكتر من الحقيقة؛ الناس ب تقول عليه جبار وم ب يرحمش، وناس ب تقول إنه حب زمان والست اللي اختارها ماتت، ومن يومها الحنية ماتت في قلبه؛ كل اللي هدى تعرفه إن عينيه كانت واسعة وناشفة، وسكوته كان ب يخلي صوت المطر أعلى وأرعب؛ حاولت تقوم ب فزع وتقول ب نَفَس مقطوع أنا آسفة.. أنا ه أوسع من طريق العربية حالا؛ يونس بص على الشنطة، وبعدين على الفستان الأسود، وبص على صباعها الفاضي مكان الدبلة أنتِ رايحة فين في وسط المطر والبهدلة دي؟؛ فتحت بوقها وم عرفتش تنطق؛ دي كانت الكسرة الكبيرة؛ مالهاش مكان تروح فيه؛ فك يونس اتمسمر ب الغضب، وطأ على الكرسي وفتح باب العربية اليمين وقال ب حسم اركبي؛ اتسمرت مكانها؛ أرملة شاب صغيرة ولسه في عدتها تركب عربية راجل غني ومش متجوز، دي ه تكون لقمة طرية ل لسان البلد على العشاء؛ كانت سامعة الوشوشة من قبل ما تنطق؛ يونس قرا اللي في دماغها من عينيها وقال ب صوت واطي وراسي لو كنت ناوي لك على شر وم أراعيش ربنا فيكي، م كنتش ه أقف في مكان الناس كلها ب تشوفني فيه؛ ضحكة مكتومة طلعت من زوروها كأنها شهقة وجع أنا ه بهدل لك كراسي العربية ب الطين؛ رد ب نص ابتسامة م تلمحش دي عربية مش سجادة صلاة.. اركبي؛ ركبت هدى وجسمها ب يتكتك من السقعة، وب تحاول تبعد رجليها المليانة طين عن الفرش؛ يونس مد إيده ورا الكرسي، وطلع شال صوف عريض وناوله ليها لفي بيه جسمك؛ قالت ب كسوف م يصحش قاطعها ب كلمة واحدة يصح؛ بقالها أسابيع محدش كلمها ب أصول وحنية؛ مش حنية دلع، صوت يونس كان خشن وجاف، بس الأصول والمرجلة اللي تحت كلامه كانت ه تخلي دموعها