حماتي بتعامل ضرتي كأنها ملكة
كان زي السكينة في قلب حماتي. نزلت بسرعة من شقتي ورحت لسمر فوق، فتحت الباب ودخلت لها وهي بتتكلم في البلكونة، وقفت قدامها وقلت لها وعيني في عينها قضية حجر يا سمر؟ على الست اللي لسه طالعة من المستشفى وربنا نجاها؟ أنتِ للدرجادي معندكيش أصل؟
سمر لفت ليا وبصت لي بغل وقالت آه هرفع حجر يا هناء! وهثبت إنك نصابة وضحكتي عليها. والورق اللي معاكي ده هخليه ميسواش الحبر اللي مكتوب بيه! وأعلى ما في خيلك اركبيه!
في اللحظة دي، دخل محمود الشقة وسمع كلام سمر. بص لها وقال لها ببرود قاتل مش هتلحقي ترفعي قضايا يا سمر.. لأنك من اللحظة دي، طالق!
سمر برقت وعينيها اتفتحت على آخرهم، وأنا شهقت من الصدمة ومحمود كمل كلامه وهو بيبص لها بكل قسوة أنا كنت مستحمل دلعك وقرفك ومظاهرك الكدابة عشان بحبك، وعشان قولت ست بيت تفتح النفس. بس توصلي إنك تشهري بأمي في المنطقة وتتمني لها المرض وتقولي عليها مخرفة وعايزة تحجري عليها عشان شوية طوب وأرض؟ أنتِ متلزمنيش. لمي هدومك وروحي لبيت أخوكي، والورقة هتوصلك لحد عندك!
سمر قعدت تصوت وتلطم على وشها، وأخوها جه تاني والدنيا اتقلبت في البيت والموضوع كبر. سمر نزلت لبيت أخوها وهي بتتوعد إنها مش هتمشي بالسهل، وإنها هتدمر البيت ده كله فوق دماغنا.
بعد ما سمر مشت، البيت هدي تماماً، بس الهدوء ده كان مرعب. حماتي كانت قاعدة في السرير، ندمانة على كل يوم قدمت فيه سمر عليا، وبقت تمسك إيدي وتبكي وتقول سامحيني يا هناء.. أنا اللي عملت في نفسي كده، أنا اللي قدمت المظاهر الكدابة على الأصل الطيب.
كنت بطيب خاطرها وبقول لها حصل خير يا ماما، المهم صحتك.
بس المشكلة الكبيرة مكنتش هنا. المشكلة إن سمر وأخوها منفذوش تهديدهم بالكلام بس. بعد يومين بالظبط، وأنا نازلة أشتري طلبات للبيت، لقيت محمود بيتصل بيا وصوته مرعوب وبيعرق من التلفون الحقيني يا هناء.. المحامي بتاعي كلمني، سمر وأخوها قدموا بلاغ في النيابة، وجايبين شهود زور من المنطقة بيقولوا إن أمي مضت على العقود وهي غايبة عن الوعي في المستشفى، والنيابة طالبانا بكره للتحقيق، ومعاهم أمر بمعاينة العقود الأصلية!
وقفت في الشارع والشنطة وقعت من إيدي.. الورق الأصلي اللي معايا مكتوب بتاريخ قديم وصح مية في المية، بس الشهود الزور والمحامي اللئيم بتاعهم ممكن يقلبوا الترابيزة علينا، خصوصاً إن حماتي فعلاً عملت عملية كبيرة والكل عارف إنها كانت تعبانة.
رجعت البيت جري، دخلت أوضتي وفتحت الدولاب عشان أطلع الظرف الأصلي وأشوف هنعمل إيه مع المحامي.. بس لما فتحت المكان اللي كنت مخبية فيه الظرف.. لقيت الصدمة الكبيرة اللي وقعتني من طولي.
الظرف مكنش موجود! الدولاب كان مترتب ومفيش فيه أي أثر للورق!
قعدت على الأرض وأنا بصرخ وبدور في كل حتة، محمود دخل عليا الأوضة ولقاني بقلب الهدوم زي المجنونة، وقال لي بخوف في إيه يا هناء؟ فين الورق؟
بصيت له والدموع مغرقة وشي وقلت له بصوت مخنوق الورق مش هنا يا محمود.. الورق اتسرق! العقد والوصية الأصليين مش موجودين!
وفي نفس اللحظة، رن تليفون محمود.. وكان رقم سمر
محمود بص للتليفون ووشه اتقلب، وبصلي بنظرة رعب وهو بيفتح السبيكر. صوت سمر طلع من السماعة، بس مكنش فيه عياط ولا ولولة زي الأول، مكنتش سمر الضحية.. دي كانت سمر الحية اللي بتنفث سمها، وضحكتها السخيفة كانت مالية المكان.
قالت بنبرة كله تشفي وقياحة إيه يا حودة؟ صوتك ماله مخضوض كده ليه؟ أكونش بوظت عليكوا طبخة الظهر؟
محمود جز على سنانه وزعق في التليفون أنتِ فين يا سمر؟ والورق اللي اتسرق من البيت ده معاكي؟ انطقي بدل ما آجي أطربق الدنيا فوق دماغك ودماغ أخوكي!
ضحكت تاني وقالت بكل برود تطربق إيه يا عين أمك؟ أعلى ما في خيلك اركبه. الورق الأصلي معايا وفي حرز حريز، وعقد البيع والوصية المسجلة اللي هناء كانت فاكرة نفسها هتاخد بيهم بيت العيلة كله، بقوا في إيدي أنا. تحب أقولك لقتهم فين؟ أصل هناء غبية، فاكرة إنها لما تخبي الظرف في وسط ملايات السرير اللي في الدولاب مفرشة بالورد، مش هعرف أتوصل له! ده أنا حافظة دبة نملة البيت ده، ودخلت في غفلة منكم وأمك نايمة وهي زي الفرخة الديخة، وخدت حقي وحق أولادي اللي كنتم عايزين تأكلوه عليا.
أنا حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة، افتكرت اليوم اللي سمر نزلت فيه تلم حاجتها وذهبها، طبعاً كانت بتتحجج بالهدوم ودخلت شقتي بحجة إنها بتدور على حاجة تخصها ومحمود مكنش مركز معاها من كتر الزعيق، وغفلتنا وسرقت الشقا كله!
محمود صرخ فيها أنتِ حرامية يا سمر! حرامية وبتسرقي ورق مش حقك، ده تزوير وسرقة وهحبسك!
ردت عليه بكل لؤم وثقة توجع قلبك ليه يا محمود؟ المحامي بتاعي قال لي إن الورق ده ملوش أي لزمة في إيدكم طالما مش معاكم الأصل، والآن الأصل معايا أنا، يعني أنا اللي في إيدي ألغيه، أو أثبت إن أمك مضت عليه وهي مش في وعيها، والشهود بتوع المنطقة كلهم هيبصموا بالعشرة إن الحجة مكانتش دريانة بالدنيا. لو عايز الورق ده يرجع، والنيابة والمحاكم والفضايح تقف، يبقالنا كلام تاني خالص.
محمود سألها وعينيه بتطلع شرار عايزة إيه يا سمر؟ خلصي!
قالت بقسوة عايزة الأرض اللي ورا البيت تتنازل لي عنها رسمي بعقد بيع منك ومن أمك، وشقتي تتكتب باسمي ومحدش يقدر يخرجني منها، والمؤخر بتاعي يتدفع كاش طالما استرجلت وطلقتني في وسط أهلي. قدامك لحد بكره الصبح قبل معاد النيابة، يا إما الورق ده هيتحرق قدام عينيك والنيابة هتيجي تعاين وتقلب البيت، وأمك هتدخل المحاكم وهي على آخر أيامها. قفلت السكة في وشه، والخط قطع.
الصالة بقت زي القبر. محمود رمى التليفون على الكنبة وقعد يلطم على فخاده وهو مش عارف يتصرف إزاي. بصلي وقال وهو عاجز تماماً ضيعتينا يا هناء.. ضيعتينا وضيعتي حق أمي. لو الورق ده راح، سمر هتاخد الأرض والبيت وهتطردنا كلنا، وأمي مش هتحتمل بهدلة المحاكم وقضايا الحجر.
دموعي نزلت، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر وغيظ. وقفت في نص الأوضة وقلت له بصوت حاد وقوي أنا مضيعتش حد يا محمود! أمك هي اللي كتبت الورق ده بأرادتها، وأنا مكنتش أعرف إن سمر بالوساخة دي عشان تدخل تسرق من دولابي. بس وحياة ولادي، ما هسيبها تفرح باللي عملته، والأرض والبيت مش هيروحوا للي ميسواش.
دخلت أوضة حماتي، لقيتها صاحية وعينيها مليانة دموع، الظاهر سمعت كل حاجة من برا. مسكت إيدي وقالت بصوت مبحوح الورق ضاع يا هناء؟ سمر سرقته؟
وطيت عليها وبست إيدها وقلت لها ماتخافيش يا ماما، حقك وحق تعب عمرك مش هيروح، ربنا مابيسبش المظلوم، والست اللي صبرت 11 سنة على المر، مش هتقع في آخر الخطوة.
خرجت من البيت وأنا دماغي بتلف زي الموتور. سمر فاكرة إنها كسبت الحرب عشان معاها الورق الأصلي، وفاكرة إن المحامي بتاعها أذكى خلق الله. بس أنا فكرت في حاجة هما مخدوش بالهم منها. العقود دي مسجلة وصية وتنازل في الشهر العقاري! يعني فيه أصل مسجل في دفاتر الحكومة والدولة، والسرقة دي ملهاش قيمة غير لو هما قدروا يثبتوا إن حماتي مكانتش في وعيها وقت التسجيل، والتسجيل ده تم من سنتين يعني وهي بكامل صحتها وقوتها قبل ما يحصل لها أي حاجة!
رحت للمحامي بتاعنا، أستاذ رأفت، راجل طيب ومن بقية أهلنا وبيفهم في الأصول. حكيت له كل اللي حصل من طقاطق للسلام عليكم.
أستاذ رأفت عدل نضارته وابتسم وقال لي يا مدام هناء، سمر دي بغبائها ده وقعت نفسها في مصيبة. هي فاكرة إن الورق ده زي عقود البيع العادية اللي بتتدفن وخلاص. طالما فيه تنازل مسجل وصية في الشهر العقاري ومن سنتين، يبقى التاريخ ده هو الحماية بتاعتكم. المحكمة لما بتيجي تبحث في قضايا الحجر أو التزوير، بتبص لتاريخ التسجيل، وحماتي في التاريخ ده مكنش عندها أي تقارير طبية بتقول إنها فاقدة الأهلية. السرقة اللي هي عملتها دي، دي جناية سرقة مستندات وهدم حق، ولو ثبتنا إنها سرقته، هتروح ورا الشمس.
قلت له بلهفة ونثبت إزاي يا أستاذ رأفت؟ دي بتقول معاها شهود زور من المنطقة وهيقولوا إن أمي مضت في المستشفى!
قال لي بخبث النيابة مابتمشيش بكلام مصاطب وشهود زور في وجود ورق رسمي ومسجل. إحنا بكره هنروح النيابة، وهنطلب استخراج صورة رسمية مختومة من الشهر العقاري للعقود دي، وهنقدم بلاغ رسمي ضد سمر بطلب تفتيش وسرقة مستندات، وهنطلب شهادة الدكتور اللي عمل العملية للحجة عشان يثبت إن الست لما دخلت المستشفى كانت بكامل قواها قبل ما تدخل العمليات، وإنها متمضتش على حاجة جوه المستشفى أصلاً! سمر هتروح بكره النيابة وهي فاكرة إنها ماسكة السكينة من يدها، وهتفاجأ إن السكينة هتقطع رقبتها.
رجعت البيت وروحي ردت فيا شوية، فهمت محمود الخطة، وبدأ يهدأ ويمسح عرق الخوف من على وشه. بس الليل ده مكنش بيمر، الساعات كانت بتعدي كأنها سنين.
تاني يوم الصبح، الساعة 9 بالثانية، كنا واقفين قدام باب النيابة. أنا ومحمود وأستاذ رأفت. وبعد دقايق، وصلت سمر ومعاها أخوها مدحت والمحامي بتاعهم، وكانوا داخلين وفاردين ضهرهم وعينيهم مليانة شماتة. سمر بصت لي من تحت لفوق وقالت بصوت واطي وهي بتمر من جنبي جهزي شنطتك يا هناء، الأيام اللي جاية هتقضيها في الشارع.
مردتش عليها، وبصيت قدامي بكل برود.
دخلنا لغرفة وكيل النيابة. المحامي بتاع سمر بدأ يتكلم ويقول يا فندم، موكلتي سمر بتتهم المشكو في حقها هناء، بالتدليس والنصب، واستغلال مرض الحجة أم محمود، وتوقيعها على عقود بيع وتنازل عن البيت والأرض وهي غايبة عن الوعي في المستشفى، ومعانا صور المسودات اللي بتثبت النية، وبنطلب معاينة العقود الأصلية وإبطالها.
وكيل النيابة بص في الورق، وبص لمحمود وبصلي، وقال أين العقود الأصلية التي تم التنازل بها؟
هنا أستاذ رأفت اتدخل بكل هدوء وثقة، وطلع ورق من شنطته وقال يا فندم، العقود الأصلية تم سرقتها من شقة الموكلة هناء عبد الرحمن بواسطة المشكو في حقها سمر، وإحنا مقدمين بلاغ سرقة رسمي ومثبت بوقائع تفتيش الشقة. ومقدمين لسيادتك دلوقتي صورة طبق الأصل مستخرجة رسمي من دفاتر الشهر العقاري، ومختومة بشعار الجمهورية، والتاريخ المدون عليها يعود إلى سنتين ماضيتين، أي في فترة كانت الحجة بكامل صحتها وقواها العقلية، وقبل دخولها المستشفى بمدد طويلة.
وكيل النيابة مسك الصور الرسمية وبدأ يراجع التواريخ والأختام. وش المحامي بتاع سمر اتقلب، وبص لسمر بغضب مكتوم، وسمر بدأت تترعش وتبرق وعينيها تروح وتيجي.
أستاذ رأفت كمل وقال وبنطلب من النيابة الموقرة، إلزام المشكو في حقها بتقديم العقود الأصلية التي أقرت في مكالمات مسجلة ومعانا تفريغ ليها إنها بحوزتها بعد ما سرقتها، وتوجيه تهمة سرقة مستندات رسمية والشهادة الزور.
وكيل النيابة رفع عينه وبص لسمر بحدة وقال لها بصوت صارم الورق الأصلي فين يا سمر؟
سمر لسانها اتقلبت واتلعثمت وقالت برعب يا.. يا فندم.. أنا.. أنا كنت فاكرة..
أخوها مدحت اتدخل وحاول ينقذ الموقف وقال يا باشا إحنا معناش ورق، دي إشاعات!
لكن وكيل النيابة زعق فيهم وقال الكلام ده ميمشيش هنا! الورق مسجل من سنتين يعني مفيش تزوير ولا