حماتي بتعامل ضرتي كأنها ملكة

لمحة نيوز


استغلال مرض. وبناء على البلاغ المقدم، هتشكل لجنة لتفتيش شقة المشكو في حقها بحثاً عن الأصول المسروقة.
خرجنا من غرفة التحقيق وسمر كانت هتموت من الرعب وأخوها عمال يزعق لها في الممر ويقول لها وديتينا في داهية بغبائك! مش قولتي الورق ده ملوش أصل في الحكومة!
حسيت بنصر كبير، بس النصر ده مكنش كامل.. لأن لما رجعنا البيت، لقينا جارتنا أم أحمد واقفة بتصوت على السلم وبتقول الحق يا محمود! الحق يا هناء! الحجة أم محمود تعبت والوجع مسكها تاني، وشكلها بتودع!
جريننا على جوه، ولقينا حماتي في السرير، بتتنفس بصعوبة جداً، وعينيها مقلوبة لفوق. محمود صرخ ووقع على ركبه أمي! ماتموتيش وتسيبيني يا أمي!
حماتي فتحت عينيها بالعافية، وبصت حولين الأوضة كأنها بتدور على حد، ولما شافتني، شاورت بإيدها المرتعشة وقالت بصوت طالع بالعافية كأنه حشرجة الموت هناء.. الأرض.. الأرض يا هناء فيها
وملحقتش تكمل الكلمة، وإيدها وقعت على السرير وعينيها اتفلتت تماماً
البيت كله اتشقلب، الصراخ ملى الحيطان، ومحمود وقع على الأرض مش قادر يقف من الصدمة. في لحظة واحدة، راحت الست اللي كانت محور حياتنا، الست اللي بكلمة منها كانت بتغير موازين الدنيا، والست اللي كانت شايلة سر الأرض والورق في عقلها وقلبها.
كنت واقفة مذهولة، مش قادرة أصدق إن حماتي راحت، وقبل ما تكمل جملتها! الأرض يا هناء فيها فيها إيه يا حجة؟ إيه اللي كانت مخبياه وعايزة تقوله؟
سمر وأخوها كانوا واقفين على باب الشقة، أول ما سمعوا الصريخ والولولة، دخلوا بوشوش كأنه عليها قناع حزن مصطنع، بس عيونهم كانت بتلمع بشماتة خفية. كانوا فاكرين إن بموتها، كل حاجة هتبوظ، وإننا مش هنعرف الحقيقة اللي كانت لسه هتخرج من بقها.
الايام اللي بعدها كانت كابوس، عزا وناس طالعة وناس داخلة، وأنا كنت غايبة عن الوعي. كنت بفتكر كلام حماتي الأخير، وبدور في عقلي، يا ترى الأرض فيها إيه؟ هل فيها كنز؟ ولا ورق تاني؟ ولا هي كانت بتلمح لحاجة تانية خالص؟
سمر ما سكتتش، في نص العزا، لقيتها داخلة المطبخ وأنا بصب القهوة للمعزيين، وبتقولي بصوت واطي وسم أهو الست راحت، والسر مات معاها. والورق اللي معاكي ده يا هناء ملوش أي تلاتين لازمة من غيرها، هتقدري تثبتي إيه قدام النيابة لما يسألوا عن تفاصيل التسجيل؟ أنا لسه معايا الأصل، وبكره هقلب الطاولة عليكم، والبيت ده هيتوزع ورث شرعي على الكل، يعني غصب عنك، هتبيعي وتديني حقي!
بصيت لها ببرود، رغم إن قلبي كان بيتقطع، وقلت لها يا سمر، الموت بيغير الناس، بس واضح إنك مفيش حاجة هتغيرك. الحجة ماتت وهي راضية عني، وماتت وهي بتوصيني على الأرض دي، والوصية دي مش بس ورق في الشهر العقاري، دي عهد في رقبتي.
خرجت من المطبخ وسيبتها بتتوعد. محمود كان مكسور، فقد أمه، وفقد ثقته في سمر تماماً، وبدأ يعيش في دوامة حزن. بس أنا مكنتش هسكت. أخدت مفتاح الأرض اللي كان في ميدالية مفاتيح حماتي، المفتاح اللي كانت دايماً بتلبسه في رقبتها في سلسلة دهب، وكنت دايماً بفتكرها بتلمسه وهي قلقانة.
في يوم التالت، والكل نايم من التعب، خدت محمود ونزلت للأرض دي. الأرض كانت عبارة عن مساحة كبيرة ورا البيت، فيها مخزن قديم كانت حماتي قفلاه بقالها سنين، ومحدش كان بيدخله غيرها.
محمود بص لي باستغراب هناء، بتعملي إيه هنا؟ الوقت متأخر والأرض دي مفيهاش غير خردة وكراكيب.
قلت له يا محمود، أمك قبل ما تموت قالت لي الأرض فيها. لازم نعرف إيه اللي فيها.
حطينا المفتاح في قفل المخزن الصدي، ولفناه بصعوبة. الباب اتفتح، وطلع ريحة تراب وقديم. دخلنا بالكشافات، ولقينا المكان مليان صناديق خشبية قديمة، وأكياس مكدسة. دورنا في كل حتة، لحد ما لمحنا صندوق حديد صغير، متغطي بقطعة قماش خيش.
فتحت الصندوق، وشهقت! مكنش فيه دهب ولا فلوس، كان فيه دفتر حسابات مكتوب فيه كل تفاصيل الأرض، ومعاه شهادة تسجيل تانية خالص، ومعاها رسالة مكتوبة بخط إيد حماتي، وموجهة ليا أنا!
فتحت الرسالة وإيديا بترتعش وقرأت
بنتي يا هناء، لو قريتي الورقة دي، يبقى أنا روحت للي خلقني. الأرض دي يا هناء مش بس طوب وأرض، الأرض دي تحتها خزنة قديمة كان جوزي أبو محمود مخبي فيها ورق الملكية الأصلي من أيام جدي، ومعاه وصية تانية بتوضح إن الأرض دي وقف لولاد ولادنا، ومحدش من العيال يقدر يبيعها أو يورثها لأي حد من بره البيت، والشرط ده كان مكتوب وموثق قبل ما نتجوز حتى. سمر لو عرفت إن الأرض وقف وملكيتها مقيدة، هتتجنن، لأنها مكنتش عايزة غير إننا نبيع ونقسم عشان تاخد نصيبها وتخلع.
بصيت لمحمود اللي كان بيقرا معايا والدموع في عينيه، وقلت له يعني الأرض دي مش للبيع يا محمود؟ يعني سمر مهما عملت، مش هتاخد فيها مليم؟
محمود مسح دموعه وقال دي وصية أمي، والوقف ده يعني الأرض محمية بقوة القانون والشرع. سمر كانت عايزة تبيع وتسترزق، وأمي كانت عارفة ده وعشان كدة كتبت لي الأرض في الوصية التانية عشان تحميها من طمع سمر، ولما لقت سمر زادت في غيها، خلت الوصية دي هي الضمان الأخير.
سمعنا صوت حد ماشي برا المخزن، ووقع في قلبي الرعب. كان مدحت، أخو سمر، واقف ومعاه اتنين من صبيانه، وكانوا مراقبيننا! دخل علينا وهو بيضحك ضحكة شيطانية آدي اللي كنت بدور عليه! أصل أختي قالت لي إنكم رايحين الأرض، وأنا قولت أكيد فيه حاجة مخبية هنا.
بص لنا وهو بيقرب وبيمد إيده ياخد الصندوق هاتوا اللي في إيدكم ده، بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبكم!
محمود وقف قدامه بجسمه وقال له بصوت عالي مدحت، ابعد عننا، المكان ده ملكنا، والورق اللي هنا ده هيوديكم في داهية!
مدحت ضحك وقال ورق إيه؟ إحنا في بلد مفيهاش قانون، والورق ده لو اتحرق، مين هيعرف الحقيقة؟
في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخة سمر من بعيد، كانت جاية هي كمان، وشكلها كانت خايفة من حاجة. بس الصرخة دي مكنتش خوف، كانت صرخة فضيحة.
سمر دخلت وهي بتنهج وقالت مدحت! سيبهم.. سيب الصندوق! فيه.. فيه ناس برا.. الحكومة!
اتحولت ملامح مدحت للرعب، بص للباب، ولقى نور عربيات شرطة داخلة على الأرض! سمر كانت بلغت عننا فاكرة إننا بنخبي دهب أو ممنوعات، بس هي مكنتش تعرف إن البلاغ ده هو اللي هيجيب نهايتها هي ومدحت.
وكيل النيابة دخل الأرض، ومعاه قوة، بص لسمر اللي كانت واقفة مصدومة وبص لمدحت اللي في إيده الصندوق، وقال بصوت قوي سمر، أنتِ اللي بلغتِ إن فيه تزوير وأعمال غير قانونية في الأرض دي؟ أدينا جينا نعاين، ونشوف إيه الحكاية.
أنا طلعت الرسالة ودفتر الحسابات، وقدمتهم لوكيل النيابة يا فندم، الأرض دي وقف موثق، وإحنا معانا أصول الأوراق، ودول كانوا بيحاولوا يسرقوها ويهددونا!
سمر صرخت دي كدابة! دي بتلفق تهم!
وكيل النيابة خد الصندوق من مدحت وفتحه، وشاف الأوراق، وبص لسمر نظرة كفيلة إنها تموتها من الرعب أوراق وقفية مسجلة ومختومة؟ يعني الأرض دي مينفعش حد يتصرف فيها بالبيع؟ وأنتِ كنتِ بتحاولي تضغطي عليهم عشان يبيعوا ويقسموا؟
مدحت بدأ يتراجع ويقول أنا.. أنا كنت جاي أساعدهم بس!
وكيل النيابة أشار للعساكر قبضوا عليهم، بتهمة تهديد، ومحاولة سرقة مستندات، وبلاغ كاذب!
سمر كانت بتصرخ باسم محمود، بس محمود كان واقف بعيد بيبص لها بإشفاق.. مكنش فيه حب، مكنش فيه غضب، كان فيه بس راحة من كابوس طويل كان عايش فيه.
بصيت لمحمود، ومسكت إيده، وكان الصندوق في إيدي التانية.. الصندوق اللي كان مفتاح النجاة، واللي كان آخر هدية من حماتي اللي عرفت في الآخر تختار مين اللي يصون الأمانة.
مشهد القبض على سمر ومدحت كان زي الحلم، الناس في المنطقة اتلمت، والكل كان بيبص بذهول على الملكة اللي كانت بتتباهى بجمالها وفلوسها، وهي دلوقتي خارجة من أرضنا مكتفة ومحطوطة في عربية البوكس، وشعرها منكوش ووشها باهت من الصدمة. أخوها مدحت كان بيبص في الأرض، باين عليه إنه بدأ يحس بقيمة الغلطة اللي عملها، بس خلاص، ساعة الحساب دقت.
بعد ما الشرطة مشيت، الدنيا هديت في الأرض. كنت واقفة أنا ومحمود، ساكتين، بنبص للمكان اللي شهد على كل الظلم اللي اتعرضت له حماتي، وبدأ يظهر فيه الحق. محمود لف لي وبص في عيوني، لأول مرة من سنين شفت في عينيه لمحة من محمود اللي حبيته زمان.. الراجل الشهم اللي بيقدر الأصول.
مسك إيدي وقال بصوت واطي سامحيني يا هناء.. على كل يوم خليتك فيه تحسي إنك قليلة. على كل مرة سمر كانت بتكسر بخاطرك وأنا واقف بتفرج. أمي كانت عارفة، كانت عارفة إنك أنتِ اللي معدنك أصيل، وعشان كده هي اللي أنقذتني وأنا غرقان في وهم المظاهر.
دموعي نزلت، بس كانت دموع ارتياح. قلت له المهم يا محمود إننا عرفنا الحقيقة، وإن حق حماتي رجع، وإن الوقف اللي هي كانت خايفة عليه بقى في إيدينا.
الأسابيع اللي تلت الحادثة كانت كلها تحقيقات وقضايا، بس كل حاجة كانت ماشية في صالحنا. المحامي أستاذ رأفت كان شاطر جداً، وطلع كل الأوراق الرسمية اللي بتثبت إن الأرض وقف، وإن تصرفات سمر ومدحت كانت عبارة عن سرقة وتزوير. سمر أخدت حكم بالسجن بتهمة سرقة مستندات رسمية ومحاولة نصب، ومدحت اتورط معاها، والمحامي بتاعهم سابهم لما عرف إنهم كدبوا عليه.
أما البيت.. البيت رجع يهدى من جديد. ولادي كانوا بيسألوا على جدتهم كتير، كنت بحكي لهم عنها، وعن إنها ست كانت قوية، وبتحبنا، وكانت بتحمينا حتى وهي مش موجودة. شقتي اللي كنت شايلة همها، بقت مليانة أمان.
بعد مرور سنة.. كنت قاعدة في البلكونة الصبح، بشرب شاي، وبشوف الأرض ورا البيت.. بقت حديقة صغيرة جميلة، نظفناها وزرعنا فيها شجر مثمر، بطلب من ولادي. محمود بقى إنسان تاني، رجع لربنا، ورجع لحياته العادية، وبقينا نشتغل سوا في إدارة الأرض اللي بقت بتطلع خيرها لينا ولأولادنا، زي ما كانت حماتي متمنية.
في يوم، كنت بقلب في الصندوق القديم تاني، ولقيت ورقة تانية مخدتش بالي منها، كانت صورة قديمة لينا كلنا.. أنا ومحمود، وحماتي وهي مبتسمة، وكانت كاتبة ورا الصورة يا هناء، البيت مش بالحطان، البيت باللي بيصون الأصول. وأنتِ صنتي، فاستحقتي تكوني صاحبة البيت وصاحبة الدار.
عرفت وقتها إن حماتي مكنتش بس بتورثني أرض، كانت بتورثني بيت حقيقي، مبني على الصبر والحب.
بقيت أنا ست البيت زي ما كانت بتناديني في آخر أيامها، بس مش بالشغل والخدمة بس، لأ.. بالكلمة، وبالرأي، وبالاحترام اللي محمود بقى بيعاملني بيه. سمر بقت ذكرى وحشة، كابوس وراح لحاله، والمنطقة كلها بقت عارفة قصة هناء، الست البسيطة اللي طلعت أقوى من كل الألاعيب.
النهارده، ولادي كبروا، والبيت دايماً مليان دفى. محمود دخل عليا وهو شايل كيس فاكهة، وبص لي بابتسامة وقال تعالي يا هناء، الأرض طرحت أول طرح، وكل الجيران بيسألوا عليكي.
ابتسمت وقمت، بصيت لصور حماتي اللي متعلقة في الصالة، حسيت إنها بتراقبني ومبسوطة.
يا جماعة، الدنيا دوارة، والحق مابيروحش مهما طال الزمن، والمظلوم بيجي له يوم وبيبقى هو الملك بجد، بس الفرق إن مُلك الحق بيدوم، ومُلك المظاهر والكدب بيقع في أول مطب.
أنا هناء.. الست البسيطة اللي طلعت من المعركة دي بدرس، إن الصبر مش
ضعف، وإن الأصول هي اللي بتعيش، وإن حماتي اللي كنت فاكراها عدوتي، كانت هي أكتر واحدة بتحبني وخايفة على مستقبلي.. وعشان كده.. أنا دلوقتي ملكة في بيتي، بس ملكة بقلبي، مش بتاجي.
وخلصت الحكاية، حكاية هناء اللي ما اتكسرتش، وحكاية بيت فضل واقف ببركة ست العيلة اللي عرفت في الآخر مين اللي يستاهل يشيّل الأمانة.

 

تم نسخ الرابط