كل يوم الساعة ٩:٣٠ الصبح جارتي تدلق مية وسخة على زباين الكافية بتاعي
مكانش حد يتوقعها.. ولا حتى أنا.
مدير العقار كلمني تاني وأنا قاعدة في الكافيه، وسط دوشة الزباين وصوت مكن القهوة والضحك، الدنيا كلها وقفت لما قال لي
مدام أمل، فريق الأمن وهو بيراجع الأرشيف القديم بتاع كاميرات الجراج.. لقى حاجة غريبة.
نفسي ضاق خير؟.
اللقطات مبينة إن جوزك كان بيدخل الشقة رقم 804 كذا مرة.
غمضت عيني وقولت في بالي أهو.. اللي كنت خايفة منه وواثقة فيه طلع صح.
بس المدير كمل بس مش ده الغريب.. الكاميرات جابت شخص تالت كان بيتردد على الشقة دي باستمرار.
ست تانية؟
آه، ست شقراء، في الأربعينات، لبسها شيك جداً وكأنها سيدة أعمال، ومعاها عربية جيب فارهة. كانت بتيجي في أوقات متأخرة بالليل، وساعات بتبقى شايلة ملفات وصناديق. إحنا شاكين إن الشقة 804 مكنتش مجرد سكن.. دي كانت وكر لإدارة عمل مشبوه.
بعد أسبوعين الحقيقة كاملة ظهرت وصدمت الكل رانيا كانت بتدير سبوبة نصب مروعة بقالها سنين.
بعد ما رانيا والمحامية الشقراء اتقبض عليهم بتهمة النصب وتطفيش المحلات، الموضوع مكانش مجرد قضية تعويضات وسبوبة وخلاص.. الحكاية اتطورت لكارثة لما النيابة انتدبت لجنة من الحي لمعاينة الشقة رقم 804 عشان يثبتوا تسريب المية العمد اللي كان بينزل على الكافيه بتاعي.
أنا كنت واقفة مع المحققين ورجال الهندسة جوة شقة رانيا.. الشقة كانت غريبة، ريحة الكلور والمعطرات الرخيصة كانت نفاذة جداً لدرجة تخنق، وكأنها بتداري ريحة تانية.
المهندس بتاع الحي مشي ورا خط التسريب، ولقى إن المية مش جاية من البلكونة بس.. دي جاية من تحت بلاط أوضة النوم بتاعتها! والمصيبة إن أرضية الأوضة كانت مرتفعة عن باقي الشقة بحوالي 20 سنتيمتر.. رانيا كانت صابة طبقة خرسانة جديدة فوق البلاط الأصلي وعاملاها زي مطب صناعي جوة الأوضة ومغطياها بالسجاد!
هنا المحقق شك.. جابوا عمال وبدأوا يكسروا في الخرسانة دي، ورامي كان واقف وشه أصفر زي الليمونة..
ومع أول ضربة شاكوش.. الريحة الحقيقية طلعت. ريحة الموت.
تحت الخرسانة، وفي تجويف أرضية الشقة.. لقوا بقايا جثة متحللة بالكامل بقالها سنتين!
الطب الشرعي كشف الهوية، ومكنتش الصدمة في الجثة.. الصدمة كانت في صاحب الجثة طلع جوزها الأولاني! اللي كانت بتقول عليه إنه مطلقها وسابها وسافر برة مصر.
رانيا قتلت جوزها من سنتين بعد ما كشف ألاعيبها، ودفنته في أرضية الأوضة، وصبت فوقه خرسانة مسلحة عازلة عشان الريحة متطلعش، وبقت عايشة فوق جثته عادي جداً وبتنام كل يوم في نفس الأوضة!
هنا بقى كل الخيوط اتربطت ببعضها، والسبب الحقيقي لتطفيش المحلات ظهر.. رانيا مكنتش بتعمل كده عشان سبوبة النصب بس، النصب كان مجرد تمويه وسبوبة جانبية.
السبب الحقيقي كان الاهتزاز وصوت المكن!
محل الورد القديم كان عنده ثلاجات ضخمة بتعمل زنة واهتزاز في السقف..
والمخبز كان عنده أفران حرارية بتسخن الأرضية..
والكافيه بتاعي قهوة ونور كان عنده مكنة الإسبريسو الضخمة والمطاحن اللي بتشتغل من 7 الصبح وبتعمل ذبذبات واهتزازات مستمرة في السقف والحيطان!
رانيا كانت مرعوبة من حاجة واحدة إن الحرارة أو الاهتزازات المستمرة للمكن بتاع المحلات اللي تحتها تخلي الخرسانة اللي صباها تشرخ أو تتشقق، فالريحة تطلع، أو الجثة تتحلل أسرع وتبوظ السقف، والسر بتاعها ينكشف!
كانت بتطفيش أي مستأجر بياخد المحل الأرضي وبيجيب فيه أجهزة أو مكن بيطلع صوت أو حرارة أو اهتزاز، وكانت بتدلق المية والصابون بغزارة في حتت معينة عشان تعمل رطوبة تداري بيها على أي تشققات أو روايح ممكن تنزل للمحل اللي تحتها..
لما الحقيقة دي ظهرت، رامي جوزي جاله انهيار عصبي كامل في التحقيقات. اكتشف إنه مكانش مجرد سميع ومسلي لست وحيدة.. ده كان بيقعد معاها في الشقة، ويشرب شاي، ويهزر، على بعد متر واحد من جثة راجل مقتول!
والمرعب أكتر؟ إن رانيا لما ادت ل رامي المفتاح الاحتياطي بتاع شقتها، مكنتش مدياهوله حباً فيه؛ دي كانت بتجهزه عشان لو الشرطة حست بحاجة في أي وقت، تلبس الجريمة كلها ل رامي وتدعي إنه هو اللي قتل جوزها بدافع الغيرة، والمفتاح اللي معاه يكون هو الدليل القاتل ضده!
رامي نجا من حبل المشنقة بمعجزة وبسبب شهادة بواب العمارة وفيديوهات الجراج اللي أثبتت إن الجريمة حصلت قبل ما رامي يعرفها أصلاً.. بس خرج من الموضوع ده ميت إكلينيكياً ومريض نفسي عايش على المهدئات، بعد ما عرف إن غباؤه وغروره كانوا هيودوه المشنقة.
أما رانيا.. فطبعاً القضية اتحولت من نصب ل قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد وإخفاء جثة، واتحكم عليها بالإعدام شنقاً.
وأنا؟ دلوقتي لما بفرش الكافيه بتاعي في الفروع الجديدة، أول حاجة بعملها إني بعمل عزل صوت واهتزاز للسقف.. مش عشان الزباين، عشان ببص للسما وأنا مطمنة إن مفيش تحت البلاط اللي فوقيا.. أسرار مرعبة.
النهاية وبداية جديدة
القرار الأصعب مكانش في الشغل.. كان في رامي.
في ليلة شتوية ومطيرة، بعد حوالي سنة من بداية المعجنة دي كلها، قعد قدامي على ترابيزة صغيرة في الكافيه بعد ما قفلنا. نفس الكافيه اللي كان هيشارك في هده، ونفس الكافيه اللي عافر ووقف على رجله.
قال وصوته مخنوق بالدموع أنا آسف.. عارف إن كلمة آسف مش هتصلح أي حاجة.