حكاية فريدة
الصوت وصل وضرب في ودنها قبل ما تشوف النور نفسه.
فريدة كانت لسه يا دوب واخدة كام خطوة بره باب مطعم البرنس، وماشية في اتجاه محطة المترو، لما الدنيا وراها اتقلبت في ثانية، صوت الانفجار هز الأرض تحت كوتشيها قبل ما يوصل لودنها، صدمة وفي ثانية ضهر رقبتها سخن من النار أول ما لفت تبص وراها، العربية السودا اللي كانت واقفة وسلانسيه ومستنية جنب الرصيف، اتقلبت في لحظة لكتلة نار قايدة، فريدة كانت لسه معدية من جنب العربية دي بالظبط من عشرين ثانية.
وقفت على الرصيف المبلول وهي مبرقة وبتبص على اللي باقي من العربية، وفهمت في لحظة إن كل اللي شفته وحسته جوه المطعم في ال 45 دقيقة اللي فاتوا مكانش مجرد وهم أو سوء تفاهم، لأ، ده كان حقيقي بالملي، اتنين رجالة كانوا قاعدين على التربيزة رقم سبعة، التربيزة اللي في الزاوية جنب الشباك، اللي بتكشف الباب كله، طلبوا مية وسابوها وملمسوهاش، كانت عيناها عليهم زي ما بتراقب أي زبون يقعد وميطلبش حاجة ويعطل التربيزة، بس دول كانوا بيراقبوا الباب ببرود غريب، ببرود ناس مستنية حاجة معينة مش مجرد حد جاي يقابلهم.
وفجأة واحد منهم نطق اسم سليم الهواري.
قالها بصوت واطي، بس فريدة كانت بتنزل الطلبات على التربيزة اللي جنبهم، ولأن الويتر في المكان الزحمة بيبقى زي المخفي محدش بياخد باله منه، سمعت التاني وهو بيرد عليه ويقول خليها في العربية بره.. بلاش جوه المطعم عشان تبقى أروق.
نزلت الصينية من إيدها من غير ما تفكر، جسمها أخد القرار قبل ما عقلها يستوعب، جريت على الباب ولمحت راجل طويل ببالطو أسود وهيبة تملى المكان، لسه نازل من عربية سودا تانية وداخل المطعم، خرجت من الباب بسرعة، مسكت دراعه بقوة وقالت له بنبرة حاسمة من غير ولا كلمة.. اتفضل معايا حالاً!
بص لها ثانية واحدة بنظرة فاحصة وسريعة، نظرة راجل متعود يفهم كل حاجة في لمح البصر، ومشي وراها، يا دوب خدوا كام خطوة في الممر الجانبي الضيق اللي جنب المطعم، والعربية انفجرت وراهم وكسرت الدنيا.
دلوقتي فريدة قاعدة في أوضة غريبة أول مرة تشوفها، لابس هدمة ناشفة ومش بتاعتها، وقدامها كوباية شاي سادت وبردت وملمستهاش، المخبأ ده كان في أطراف القاهرة، مكان مقطوع، حيطان دبش، وبوابات حديد وشجر عريان مغطي الشبابيك، مكان هادي هدوء مرعب، هدوء معمول قاصد عشان مفيش صوت يدخل ولا يخرج، بقالها ساعتين صاحية ومش عارفة تنام.
في العربية وهي جاية، كانت فاكرة إنها هتقولهم يرجّعوها بيتها، بس الراجل اللي قاعد جنبها، اللي عرفت اسمه من الحراسة بتوعه مش منه هو، قالها ببرود الرجالة اللي كانوا في الممر وصلوا لعنوان بيتك خلاص.
سليم الهواري بص لها وقالها الكلمتين دول وفضلوا يرنوا في ودنها طول الطريق عرفوا وشك.. وعرفوا بتشتغلي فين.
دخل الأوضة دلوقتي، لابس قميص أسود من غير جاكيت، وفي كدمة زرقا بدأت تبان على فكه مطرح ما الحيطة خبطته من قوة رد فعل الانفجار وهو بيزقها عشان يحميها، قعد قدامها على الكرسي بكل ثقة وهدوء، وكأنه راجل مبقاش يتفاجئ من المصايب.
يا ترى سليم الهواري هيتصرف ازاي مع البنت اللي أنقذت حياته؟ ومين اللي عاوز يخلص منه وهل هيقدروا يوصلوا لفريدة جوه المخبأ؟ اللي جاي فيه أسرار ومفاجآت متخطرش على البال!
سليم الهواري قعد قدام فريدة، وساب بينها وبينه ثواني من الصمت.
بعدها قال بهدوء
أنتِ أنقذتي حياتي... وده دين مش بنساه.
فريدة ردت بسرعة
أنا مش عايزة غير
أروح بيتي.
هز رأسه بأسف.
وقال
للأسف... بيتك بقى أخطر مكان ليكي.
مد لها تابلت.
فتح عليه تسجيل من كاميرات المطعم.
ظهر فيه الراجلين اللي كانوا قاعدين على الترابيزة رقم سبعة.
وبعد خروج فريدة وسليم، قاموا بسرعة، واختفوا قبل الانفجار بثوانٍ.
وبعدين ظهر تسجيل تاني.
كاميرا من الشارع.
العربية اللي انفجرت كانت متوقفة من ساعات، لكن قبل دقائق من الحادث مر شخص مجهول وقف بجانبها للحظات ثم غادر.
قال سليم
الشرطة شغالة على القضية، لكن اللي استهدفني عارف يخطط كويس.
استغربت فريدة.
هو مين حضرتك بالضبط؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
أنا رجل أعمال...
لكن من سنة بلغت عن شبكة فساد كبيرة كانت بتحاول تستولي على أراضي الدولة بعقود مزورة.
سكت لحظة.
ومن يومها... وأنا بتوصلني تهديدات.
فريدة فهمت ليه كان بيتحرك بحراسة.
لكنها سألت
وأنا ذنبي إيه؟
رد بهدوء
ذنبك الوحيد إنهم شافوكي.
...
في اليوم التالي...
اتنقلت فريدة لمكان آمن تحت حماية الشرطة بعد ما بدأت التحقيقات رسميًا.
وأخدوا أقوالها.
وصفت الراجلين بدقة.
وافتكرت جملة صغيرة جدًا كانت سمعتها قبل ما تخرج.
واحد منهم قال للتاني
متنساش الملف الأزرق.
الجملة دي كانت مفتاح القضية.
لأن الشرطة كانت بالفعل بتدور على ملف اختفى من شركة كان بيحقق فيها سليم.