دي حتى ماتعرفش تقرأ

لمحة نيوز


لم يبعد نظره عنها.
وسأل الرجل
إنت مين؟
رد بهدوء
اسمي نبيل فوزي... كنت المستشار القانوني للسفير محمود النجار قبل وفاته.
اتسعت عينا سلمى.
أستاذ نبيل...
إنت لسه عايش؟
ابتسم بحزن.
ووعدي لوالدك لسه عايش معايا كمان.
ساد الصمت من جديد.
أما داليا، فشعرت أن الحديث كله خرج من بين يديها.
فقالت وهي تضحك باستهزاء
يعني إيه؟ كل ده عشان كانت بنت سفير؟ وفي الآخر واقفة بتقدم أكل!
نظر إليها الرجل العجوز نظرة حادة.
وقال
لو تعرفي مين والدها بجد... ما كنتيش نطقتي الكلمة دي.
أمسك ياسين بكوب الماء، لكنه لم يشرب.
قال بهدوء
كمل.
تنهد نبيل.
قبل خمسة عشر سنة... والدها رفض يوقّع على صفقة كانت هتبيع جزء من ممتلكات الدولة بثمن بخس. ناس كتير خسرت ملايين بسبب رفضه... ومن يومها بدأت الحرب عليه.
ارتجف وجه سلمى.
كانت تعرف أجزاء من الحكاية...
لكنها لم تعرفها كاملة.
وأضاف الرجل
اتلفقت له قضايا... واتجمدت حساباته... واتباعت ممتلكاته... وفي أقل من سنة، الأسرة كلها كانت مفلسة.
ساد الصمت.
حتى الشيف خرج من المطبخ ووقف يستمع.
لكن الشيء الغريب...
أن ياسين لم يبدُ متفاجئًا.
بل بدا وكأنه يعرف القصة.
لاحظت سلمى ذلك.
فسألته لأول مرة
حضرتك... كنت تعرف والدي؟
رفع ياسين عينيه إليها.
ولم يجب مباشرة.
بل قال جملة أربكت كل من في المطعم
مش بس أعرفه...
أنا مدين له بحياتي.
وفجأة...
رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة.
واختفت ملامح وجهه تمامًا.
كان اسم المتصل
العم فؤاد.
ضغط على زر الرد، وما إن سمع أول جملة، حتى وقف من مكانه بعنف.
ثم نظر إلى سلمى نظرة مختلفة تمامًا، وقال بصوت منخفض
محدش يخرج من المطعم...
لأن اللي كنت بدور عليه بقاله عشر سنين...
واضح إنه وصل لحد هنا بنفسه تبادل الحارسان النظرات بسرعة.
وأغلق أحدهما باب المطعم الرئيسي بهدوء، بينما اتجه الآخر نحو الباب الخلفي.
في أقل من عشر ثوانٍ...
تحول المطعم الفاخر إلى مكان لا يستطيع أحد مغادرته.
ارتبك الزبائن.
وبدأ الهمس ينتشر بين الطاولات.
أما داليا، فاقتربت من ياسين وهمست بعصبية
إيه اللي بيحصل؟!
رفع يده دون أن ينظر إليها.
إشارة واحدة...
كانت كافية لتسكت.
ثم أعاد الهاتف إلى أذنه وقال
متأكد؟
ساد صمت قصير.
ثم قال بصوت أخفض
خليه تحت المراقبة... ومحدش يقرب منه لحد ما أتأكد بنفسي.
أنهى المكالمة.
والتفت إلى سلمى.
من ساعة ما دخلت المطعم... حد سأل عليكي؟
هزت رأسها بالنفي.
لا.
حد بعتلك جواب؟ رسالة؟ قابلِك بره؟
أبدًا.
قبل أن يرد...
اندفع عامل التوصيل الصغير من باب المطبخ وهو يلهث.
كان يحمل ظرفًا بنيًا صغيرًا.
وقال لمدير الصالة
واحد بره أصرّ إن الظرف ده يتسلم للنادلة سلمى... وقال إنه لازم يتفتح قدام الأستاذ ياسين.
تجمد الجميع.
أخذ ياسين الظرف بنفسه.
قلبه بين يديه.
لم يكن مكتوبًا عليه سوى كلمة واحدة...
سلمى.
ولا يوجد اسم مرسل.
ولا عنوان.
ولا حتى طابع بريد.
فتح الظرف ببطء.
خرجت منه صورة قديمة.
اصفرّ لونها من الزمن.
نظر إليها ياسين...
فتغير وجهه بالكامل.
مد يده إلى الطاولة ليستند عليها.
حتى نبيل اقترب وهو يردد
مستحيل...
التفتت سلمى لترى الصورة.
وما إن وقعت عيناها عليها...
شهقت.
كانت صورة التقطت منذ أكثر من عشرين عامًا.
تجمع رجلين وشخصًا صغيرًا.
الرجل الأول...
والدها.
أما الرجل الثاني...
فكان والد ياسين عبدالعزيز.
أما الطفلان الواقفان أمامهما...
فكان أحدهما ياسين وهو في العاشرة.
والطفلة الأخرى...
كانت سلمى.
تراجعت خطوة للخلف.
أنا... أنا عمري ما شفت الصورة دي.
قلب ياسين الصورة.
وكان على ظهرها سطر واحد بخط يد قديم
إذا وصلت هذه الصورة إلى ياسين وسلمى... فاعرفا أن الحقيقة لم تُدفن، وأن الخائن لم يمت.
وفي اللحظة نفسها...
دوّى صوت ارتطام قوي من خارج المطعم.
ثم انطفأت الأنوار فجأة.
وغرق المكان كله في ظلام دامس...
ولم يُسمع سوى صرخة امرأة من آخر الصالة لثوانٍ...
لم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب زجاج المطعم...
ثم الصرخة.
أخرج أحد الحراس كشافًا صغيرًا وأضاءه.
تحرك الضوء بين الطاولات بسرعة.
الزبائن كانوا في أماكنهم...
لكن كرسيًا واحدًا فقط كان فارغًا.
شهقت داليا.
فين نبيل؟!
التفت الجميع.
الرجل العجوز...
اختفى.
وكأنه تبخر.
قال ياسين بحدة
اقفلوا كل المداخل... حالًا!
انطلقت الحراسة في كل اتجاه.
بعد أقل من دقيقة، عادت الكهرباء.
عاد الضوء إلى المطعم...
لكن المفاجأة لم تكن اختفاء نبيل.
بل ما كان موضوعًا فوق كرسيه.
ملف أسود قديم.
لم يكن موجودًا قبل انقطاع الكهرباء.
تقدم ياسين ببطء، وارتدى قفازًا جلديًا كان يحمله أحد الحراس.
فتح الملف بحذر.
أول صفحة جعلته يضيق عينيه.
كانت تحمل عنوانًا واحدًا بخط أحمر كبير
مشروع العنقاء سري للغاية.
وتحت العنوان...
قائمة أسماء.
أسماء رجال أعمال، ومسؤولين، وشركات كبرى.
وفي منتصف القائمة...
كان اسم عائلة عبدالعزيز.
نظر ياسين بسرعة إلى الصفحة التالية.
ثم أغلق الملف بعنف.
تغير لون وجهه.
لاحظت سلمى ذلك.
وقالت
إيه اللي فيه؟
رفع رأسه إليها.
ولأول مرة...
ظهر على وجهه شيء يشبه القلق.
لو اللي في الملف ده حقيقي...
يبقى فيه حد قضى عشرين سنة بيجمع أدلة ضد ناس أقوى من أي حد يتخيله.
في تلك اللحظة...
دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث.
باشا... راجعنا الكاميرات.
و؟
وقت انقطاع الكهرباء... الكاميرات كلها فصلت.
إلا كاميرا واحدة.
رفع ياسين حاجبه.
فين؟
رد الحارس وهو يناوله جهازًا لوحيًا
الكاميرا اللي فوق باب المطبخ... اشتغلت خمس ثواني بس.
شغّل ياسين المقطع.
تجمع الجميع حول الشاشة.
ظهر نبيل وهو يقف بجوار كرسيه.
ثم اقترب منه رجل يرتدي معطفًا أسود وقبعة تخفي وجهه.
سلّمه الملف.
وهمس في أذنه بجملة لم يسمعها أحد.
بعدها...
اختفى الرجل من زاوية الكاميرا.
لكن نبيل لم يتحرك خلفه.
بل التفت فجأة...
ونظر مباشرة إلى الكاميرا.
وكأنه يعرف أنها تسجله.
ثم قال بوضوح، دون صوت يمكن سماعه.
لكن حركة شفتيه كانت واضحة جدًا.
اقتربت سلمى من الشاشة.
وقرأت الكلمات بصعوبة...
فتجمد الدم في عروقها.
همست
قال...
الخائن... يعمل هنا.
وساد الصمت.
لأن كل الموجودين في المطعم...
موظفين...
وشيف...
ومدير...
وحراس...
بل وحتى الزبائن...
أصبحوا فجأة محل شك تبادل الجميع النظرات في توتر.
مدير الصالة بدأ يتصبب عرقًا.
الشيف الفرنسي خلع قبعته ووضعها على الطاولة وهو يردد
هذا جنون... لا يمكن أن يكون أحد من فريقي.
لكن ياسين لم يعلق.
أعاد تشغيل المقطع مرة ثانية...
وثالثة...
ثم أوقفه عند آخر إطار.
ضيق عينيه.
كبّر الصورة.
ضغط الحارس على الشاشة.
ظهر انعكاس خافت في الزجاج خلف نبيل.
لم يكن واضحًا في البداية.
لكن بعد تكبيره...
بانت يد شخص يقف خلف الستارة المؤدية إلى المطبخ.
وفي معصمه...
ساعة فضية مميزة.
تجمدت ملامح ياسين.
كان يعرف تلك الساعة.
نظر فجأة إلى جميع العاملين.
واحدًا تلو الآخر.
كلهم كانوا ينظرون إليه في خوف...
إلا شخصًا واحدًا.
كان يقف في آخر الصالة، ويحاول إخفاء يده داخل جيب سترته.
قال ياسين بصوت حاد
طلّع إيدك.
ارتبك الرجل.
كان مساعد مدير الصالة، اسمه حسام.
ابتلع ريقه.
باشا... حضرتك فاهم غلط.
قلت... طلّع إيدك.
أخرجها ببطء.
لكن معصمه كان خاليًا.
لا توجد ساعة.
ابتسم حسام ابتسامة مرتبكة.
شايف؟ مفيش حاجة.
وقبل أن يتنفس أحد الصعداء...
قالت سلمى فجأة
لأنه خلعها.
التفت الجميع إليها.
أشارت إلى سلة القمامة المعدنية بجوار مكتب الاستقبال.
من خمس دقايق... شوفته واقف هناك، وحط حاجة بسرعة قبل ما الكهرباء ترجع.
أشار ياسين لأحد الحراس.
ذهب مباشرة إلى السلة.
بدأ يفتش فيها.
وبعد لحظات...
رفع يده.
كانت بداخلها ساعة فضية.
نفس الساعة التي ظهرت في انعكاس الكاميرا.
اصفر وجه حسام.
وتراجع خطوة للخلف.
لكن ياسين لم يتحرك.
قال بهدوء مخيف
ليه رميتها؟
ارتبك حسام.
اتكسرت... كنت هرميها بس.
ردت سلمى فورًا
لا.
نظر إليها ياسين.
قالت بثقة
الساعة دي كانت شغالة لما شفتها على إيده قبل انقطاع الكهرباء بدقائق.
ساد الصمت.
اقترب الحارس من حسام.
لكنه فجأة دفعه بكل قوته، واندفع ناحية باب الطوارئ.
فتح الباب...
وجرى تحت المطر.
صرخت داليا
بيهرب!
وفي اللحظة نفسها، انطلق الحارسان خلفه، بينما وقف ياسين مكانه دون أن يتحرك.
نظر إلى سلمى وقال بهدوء
الهروب مش معناه إنه الخائن...
أحيانًا بيكون معناه إنه خايف من الخائن الحقيقي.
وفي الخارج...
دوّى صوت اصطدام سيارة أعقبه صرير فرامل حاد.
ثم...
إطلاق
 

تم نسخ الرابط