دي حتى ماتعرفش تقرأ
نار واحد فقط.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى الباب المفتوح...
في انتظار أن يعرفوا
هل سقط حسام...
أم الشخص الذي كان يطارده؟اندفع الحارسان إلى الخارج وسط المطر الغزير.
أما ياسين...
فلم يتحرك خطوة واحدة.
كان ينظر إلى الباب المفتوح وكأنه يعرف ما سيجده قبل أن يراه.
بعد أقل من دقيقة...
عاد أحد الحراس وهو يلهث.
وجهه شاحب.
وثيابه مبللة بالكامل.
قال بصوت متقطع
باشا...
حسام... مات.
شهقت داليا، بينما وضعت سلمى يدها على فمها من شدة الصدمة.
سأل ياسين بهدوء غريب
رصاصة؟
هز الحارس رأسه.
لا... عربية سوداء خبطته وهو بيجري... وبعدها اختفت في ثواني. محدش لحق يشوف النمرة.
ساد الصمت.
ثم أضاف الحارس جملة أربكت الجميع
لكن قبل ما يموت...
كان ماسك حاجة في إيده.
فتح كفه ببطء.
كانت قطعة معدنية صغيرة... تشبه مفتاحًا قديمًا، منقوشًا عليه رقم واحد فقط
17
أخذها ياسين وتأملها طويلًا.
وفجأة...
تقدمت سلمى خطوة.
اتسعت عيناها.
المفتاح ده...
نظر إليها الجميع.
قالت بصوت مرتجف
شفته قبل كده.
اقترب منها ياسين بسرعة.
فين؟
ابتلعت ريقها.
في مكتب بابا...
كان عنده صندوق حديدي صغير... ومكتوب عليه الرقم 17.
لكن بعد وفاته...
الصندوق اختفى.
نظر نبيل... ثم تذكرت سلمى فجأة.
توقفت عن الكلام.
وجهها شحب.
همست
لا...
مستحيل.
سألها ياسين
إيه؟
قالت وهي تحاول استرجاع الذكريات
قبل ما بابا يموت بأيام... سمعته بيقول لماما جملة واحدة...
لو حصل لي حاجة... المفتاح 17 أمانة عند الشخص الوحيد اللي عمره ما هيخون.
رفع ياسين المفتاح أمام عينيه.
ثم قال ببطء
السؤال دلوقتي...
مين هو الشخص ده؟
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف سلمى.
رقم مجهول.
ترددت.
لكن ياسين أشار إليها أن ترد.
فتحت المكالمة، وضغطت على مكبر الصوت.
جاء صوت رجل عجوز، هادئ لكنه متعب
يا سلمى...
لو سمعتي الرسالة دي...
يبقى هم سبقوني.
تجمدت في مكانها.
كان الصوت...
صوت والدها.
تسجيل قديم لم تسمعه من قبل.
ثم أكمل التسجيل
أوعي تثقي في أي حد... حتى لو كان اسمه عبدالعزيز...
وانقطع التسجيل فجأة.
رفع الجميع أنظارهم إلى ياسين...
بينما ظل هو واقفًا بلا حركة، وعيناه معلقتان بالمفتاح رقم 17، وكأن الرسالة أصابته في أعمق نقطة لا يعرفها أحد ظل الصمت يسيطر على المطعم لعدة ثوانٍ.
كل الأنظار اتجهت نحو ياسين.
أما هو...
فلم يغضب.
ولم ينفِ ما سمعه.
أغلق عينيه للحظة، ثم قال بهدوء
كمّلوا التسجيل.
هزّت سلمى رأسها.
التسجيل خلص.
مدّ ياسين يده.
اديني الموبايل.
أعطته الهاتف بتردد.
ضغط عدة أزرار، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة.
الرسالة دي متسجلة على جزئين... اللي بعتها كان قاصد يوصل الجزء الأول بس.
نظر إليه الجميع بدهشة.
ظهر على الشاشة ملف ثانٍ مخفي.
ضغط عليه.
وانطلق صوت السفير محمود النجار من جديد
لو سمعت الجزء ده... يبقى ياسين اختار يسمع الحقيقة بنفسه.
اتسعت عينا ياسين.
أما سلمى، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
واصل التسجيل
يا ياسين... لو أنت قدامي دلوقتي، فأنا آسف. كنت عارف إنك هتكبر شايل ذنب مالكش علاقة بيه.
ارتجفت يد ياسين.
وأكمل الصوت
الناس كلها هتقول إن عائلة عبدالعزيز دمرت حياتي... لكن الحقيقة أصعب من كده.
توقف التسجيل لثانية بسبب تشويش.
ثم عاد.
في العائلة دي... كان فيه واحد بس حاول ينقذني.
نظر ياسين إلى الأرض.
وكأنه يعرف من يقصده.
ثم جاء الاسم...
لكن التشويش عاد في نفس اللحظة.
واختفت الكلمة بالكامل.
ضرب ياسين الطاولة بقبضته لأول مرة.
لا...
نظر الحارس إلى الهاتف.
الملف تالف يا باشا.
قالت سلمى بصوت منخفض
يعني الاسم ضاع؟
أجاب ياسين وهو يحدق في الشاشة
لا...
حد لعب في التسجيل قبل ما يوصلك.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا يحمل ظرفًا شفافًا.
باشا... لقيناه في جيب حسام.
فتح ياسين الظرف.
كان بداخله إيصال قديم من خزينة أحد البنوك.
وفي أسفله مكتوب بخط اليد
الخزنة رقم 17.
تبادل ياسين وسلمى النظرات.
المفتاح الذي وُجد مع حسام...
والرقم المكتوب على الإيصال...
كانا يتطابقان تمامًا.
رفع ياسين رأسه وقال بحسم
واضح إن حد كان مستعد يقتل عشان يمنعنا نوصل للخزنة دي.
ثم طوى الإيصال ووضعه في جيبه.
وأضاف
بكرة الصبح... هنفتح الخزنة.
ولم يكن أحد في المطعم يعلم...
أن الشخص الذي كان يجلس في آخر القاعة، مرتديًا قبعة سوداء ويقرأ جريدة منذ بداية الليلة...
كان قد سمع كل كلمة.
ابتسم بهدوء.
ثم أخرج هاتفًا صغيرًا، وأرسل رسالة من ثلاث كلمات فقط
اتجهوا إلى البنك.
وبعد ثوانٍ...
جاءه الرد
تم... وسيصلون قبلهم في صباح اليوم التالي...
توقفت ثلاث سيارات سوداء أمام البنك القديم في وسط القاهرة.
نزل ياسين أولًا.
وخلفه سلمى...
ثم أربعة من رجال الأمن.
لكنهم لم يكونوا وحدهم.
على الجانب الآخر من الشارع...
كانت سيارة مظللة النوافذ تراقبهم منذ الفجر.
ابتسم الرجل الجالس بداخلها وقال
خلاص... وصلوا للخزنة.
دخل ياسين وسلمى إلى غرفة الخزائن.
تقدم الموظف المسن وهو يحمل سجلًا قديمًا.
نظر إلى المفتاح رقم 17، ثم تغيرت ملامحه.
وقال
آخر مرة الخزنة دي اتفتحت... كانت من عشرين سنة.
أدخل المفتاح.
ثم أدار المقبض.
صدر صوت معدني ثقيل...
وانفتح الباب.
داخل الخزنة...
لم تكن هناك سبائك ذهب.
ولا أموال.
بل صندوق خشبي صغير، ومغلف أصفر، وشريط فيديو قديم.
فتح ياسين المغلف أولًا.
كانت بداخله رسالة بخط السفير محمود النجار.
بدأ يقرأ بصوت مرتفع
إذا وصلتم إلى هنا... فاعلموا أن الحقيقة نجت أخيرًا.
ثم أكمل
لم تكن عائلة عبدالعزيز هي عدوي... بل شخص واحد تسلل إليها واستغل اسمها ونفوذها لسرقة الموانئ، وتهريب الأموال، وتلفيق القضايا لكل من يعترض طريقه.
فتح الصندوق الخشبي.
وجد بداخله عشرات المستندات الأصلية...
وتسجيلات صوتية...
وعقودًا موقعة.
كلها تثبت أن العقل المدبر لم يكن ياسين...
ولا والده...
بل فؤاد عبدالعزيز، عم ياسين، الذي كان يدير كل شيء من خلف الستار، ويستخدم اسم العائلة ليحمي نفسه.
ساد الصمت.
أغلق ياسين عينيه.
ثم قال بصوت مكسور
طول عمري فاكر إن عمي هو اللي رباني...
طلع هو اللي دمر حياة أبويا... ودمر حياة والدك.
وفي اللحظة نفسها...
دخلت قوات الشرطة والنيابة إلى البنك.
لم تكن صدفة.
فنبيل...
لم يمت ولم يُختطف.
كان مختبئًا طوال الوقت بالتنسيق مع النيابة، حتى يجمع آخر دليل ويدفع الخائن إلى ارتكاب أخطائه.
وبفضل المستندات الموجودة في الخزنة...
تم القبض على فؤاد عبدالعزيز وعدد من شركائه.
وسقطت الإمبراطورية التي بُنيت على الكذب والفساد.
أما ياسين...
فوقف أمام قبر السفير محمود النجار بعد أيام.
ووضع الرسالة فوق شاهد القبر.
وقال بصوت هادئ
سامحني... اتأخرت عشرين سنة أعرف الحقيقة.
ثم التفت إلى سلمى.
وقال
والدك حافظ على شرفه لحد آخر نفس... وأنا هحافظ على اسمه طول عمري.
ابتسمت سلمى لأول مرة منذ سنوات.
لم تعد مجرد نادلة فقيرة...
بل استعادت اسم والدها، وكرامته، ومستقبلها.
وبعد عدة أشهر...
افتتحت مطعمًا صغيرًا يحمل اسم النجار، تكريمًا لوالدها.
وكان أول زبون يدخل المطعم...
هو ياسين.
جلس على الطاولة رقم 4.
نفس الرقم الذي بدأت عنده الحكاية.
ابتسمت سلمى وهي تضع أمامه قائمة الطعام، وقالت مازحة
تحب أقراهالك... ولا المرة دي هتقراها بنفسك؟
ضحك ياسين لأول مرة دون خوف أو حواجز.
وانتهت القصة...
بعد أن انتصرت الحقيقة، ولو تأخرت سنوات.