مرات جوزي التانية جت عيادتي

لمحة نيوز

القلم نزل على وشها ب قسوة وسرعة لدرجة إن فريدة لثانية واحدة افتكرت إن صوت الرعد هو اللي دشدش زجاج الشباك؛ وبعدها السخونية والوجع سرحوا في خدها كله؛ نَفَسها اتكتم في النص بين الصرخة والآه؛ طلق الولادة اللي كان عمال يكبس ويروح في جسمها من أربع دقائق كاملة، فجأة اتحول وبقى حتة من مصيبة أكبر وأسقع، حاجة م لهاش علاقة ب ألم الولادة والطلق، وكلها علاقة ب الرعب الصافي؛ كانت نايمة في أوضة الولادة الخاصة في الدور السابع بمستشفى النيل الدولي في المعادي، إيد قفشة في حديد السرير، والإيد التانية حطاها ب غريزة عشان تحمي بطنها العالية والناشفة، وبتحملق ب ذهول في الست اللي واقفة فوق راسها ب لبس التمريض الأزرق؛ الممرضة إجلال م بانتش عليها أي خضة من الفجورة اللي عملتها؛ م اتأسفتش؛ ولا حتى رجعت خطوة لورا؛ قالت إجلال ب صوت واطي، متحكم فيه، ومليان لؤم وغل يشبه الباب المقفول في وش العاجز اكتمي صوتك ده خالص؛ الستات كلها ب تولد كل يوم ومحدش بيعمل زيك!؛ عيون فريدة اتملت دموع غصب عنها؛ هي ياما شافت وجع وأتحملت قساوة؛ دي كبرت في بيت ريفي قديم على أطراف كفر الشيخ، مطرح ما كان البرد بيدخل من شقوق الحيطان في الشتا، وكان عزة النفس والكرامة هما الحاجة الوحيدة اللي ب تدفي البيت؛ دفنت أبوها وهي بنت تسعتاشر سنة، ودفنت أحلام أمها من قبلها ب كتير، واتعلمت إزاي تبتسم ب أدب وبشاشة لما الستات اللي لابسين غوايش دهب وألماظ يلمحوا ب الكلام ويفتكروا إنها اتجوزت عاصم الشناوي عشان تطمع في عيشة م تتعبش فيها؛ بس مفيش أي حاجة في الدنيا دي كلها كانت مجهزاها إنها تتضرب بالقلم وهي على سرير ولادة، وفي الوقت اللي بنتها ب تحاول تطلع فيه للدنيا؛ همست فريدة بصوت طالع ب العافية وأصغر بكتير من اللي جواها أنا بس محتاجة مساعدة.. أرجوكي.. فيه حاجة غلط ب تحصل جوة؛ بوق الممرضة اتلوى ب قرف الغلط الوحيد هنا إنك فاكرة فلوس جوزك ه تخليكي بني آدمة مهمة وأحسن من كل الستات اللي ولدت قبل كدة؛ فريدة حاولت تثبت صوتها وهي ب تقاوح الوجع بس مفيش أي ست تانية في الدور ده الليلة دي؛ أنتِ بنفسك قلتي للممرضة الصغيرة إن الجناح كله فاضي ب سبب المطر والنوّة اللي بره؛ عيون الممرضة وحشيت؛ ولثانية فريدة لقطت في عينيها حاجة أوعر من مجرد الزهق؛ ده كان غل قديم ومتربي، كأن إجلال دخلت الأوضة دي وهي شايلة في قلبها حكم إعدام جاهز؛ قالت إجلال ب شماتة الناس اللي زيكم م ب يلقطوش ويمشوا وراء الكلام إلا لو كان فيه مصلحة ليهم؛ سبحان الله!؛ وقبل ما فريدة تلحق ترد، كبست عليها طلقة ولادة تانية؛ بدأت من تحت خالص وب ثقل، وبعدين قفشت لحد ما حسستها إن عضم حوضها ب يتفسخ ويتفصل عن بعضه؛ صرخت غصب عنها ومدت إيدها ب لهوجة ناحية زرار الاستدعاء اللي كان هربان جمب فخدها؛ بس الممرضة كانت أسرع؛ خطفت الريموت من على السرير وحطته في جيب البالطو الأزرق بتاعها؛ فريدة برشت ب عينيها وهي مذهولة، كأن عقلها محتاج وقت عشان يترجم الحركة البسيطة دي ل معناها الحقيقي والمرعب؛ قالت فريدة هاتي الزرار ده؛ ردت ب برود لما تهدّي ه تاخديه؛ زعقت أنا ب ولد!؛ قالت لها أنتِ ب تمثلي!؛ فريدة فضلت مبحلقة فيها؛ اللمبة النيون اللي فوقيهم كانت ب تزن ب صوت واطي؛ المطر كان ب يلطش في زجاج الشباك ب غزارة وعنف، ومن وراء الزجاج كانت شوارع المعادي عبارة عن خيال مية سودة، وإشارات مرور حمراء، وعمارات ب تترعش وراء غيوم العاصفة؛ الأوضة الخاصة، ب حيطانها البيج، وأجهزتها الهادية، ومنظر النيل الغالي، كانت باينة هادية ومطمنة من ساعة واحدة بس لما عاصم باس راسها ووعدها إنه ه يروح يخلص مشوار سريع ويرجع قبل ما الأمور تشد؛ بس دلوقتي الأوضة اتكشفت وبقت كأنها ديكور مسرحية م لعوبة وم تقفلة على مصيدة؛ فريدة عينيها راحت فجأة على الكومودينو وقالت ب لهفة موبايلي!؛ إجلال راحت ب عينيها وراء نظرتها وتبسمت ب قساوة؛ الموبايل كان محطوط جمب كوباية مية ب تلج، والشاشة منورة ب اسم عاصم من مكالمة فريدة كانت ب تحاول تعملها من شوية؛ قالت إجلال أنتِ وجعتِ دماغه كفاية أصلاً؛ صرخت فريدة هاتي الموبايل!؛ إجلال مدت إيدها وأخدته؛ فريدة حاولت تتعدل وتقعد بس الطلقة ثبتتها في السرير؛ الممرضة فضلت دايسة على زرار الباور لحد ما الشاشة اسودت وماتت، وراحت حاطة الموبايل في نفس الجيب اللي فيه ريموت الاستدعاء؛ الرعب جوة قلب فريدة غير شكله؛ لحد اللحظة دي، كانت فاكرة إن إجلال ست قاسية؛ بس دلوقتي فهمت إن الست دي خطر وحية ب
تقرص؛ قالت فريدة ب نَفَس مقطوع أنتِ م تقدريش تعملي كدة؛ إجلال قربت منها ب وشها، قربت لدرجة إن فريدة شمت ريحة لبان النعناع والقهوة في نَفَسها وقالت أنا أقدر أعمل أي حاجة تخليني أقعد في الدور ده ب مزاجي ورايقة؛ أنتِ فاكرة عشان عاصم الشناوي اشترى جناح في مستشفى وكتب اسمه على نص مشاريع البلد، يبقى كل الناس لازم تطأطأ وتوطي راسها؟
بس الفاجعة المرعبة اللي ه تشقلب كيان مستشفى النيل الدولي وم خطرتش على بال إجلال، مش في إن فريدة محبوسة في الأوضة والوجع ب يقطع فيها؛ المفاجأة اللى ه تزلزل المستشفى كلها وتخلي مديرين الدكاترة يجروا حولين نفسهم رعباً، هي الخطوة اللي عاصم الشناوي ه يعملها أول ما يفتح باب الأوضة ورجله تخطي العتبة، والسر الأسود اللي الأوضة المقفولة في آخر الممر مخبياه عن تجارة المستشفى، واللي ه يخلي الممرضة إجلال تعرف إن القلم اللي ضربته ل مرات عاصم الشناوي ه تدفع تمنه من عمرها وحياتها بالملي!
لو عاوزين تعرفوا إيه السر المرعب اللى مخبياه الأوضة المقفولة وإزاي عاصم ه يقلب المستشفى، 
قبل ما إجلال ترد على فريدة، دوّى ألم جديد في بطنها خلاها تصرخ صرخة هزت الأوضة كلها.
لكن المرة دي الصرخة ما راحتش في الهوا.
لأن في نفس اللحظة تقريبًا كان باب الجناح بيتفتح بعنف.
وصوت رجالي جه من آخر الممر
فين أوضة مدام فريدة الشناوي؟!
إجلال اتجمدت.
لثانية واحدة بس.
ثم رجعت لبرودها المعتاد.
لكن فريدة شافت الخوف الحقيقي في عينيها لأول مرة.
خطوات سريعة قربت.
ثم انفتح الباب.
وكان عاصم واقف.
هدومه مبلولة من المطر.
وشعره ملزق على جبينه.
وعينيه بيلفوا في الأوضة بسرعة.
أول حاجة شافها كانت فريدة.
وشها محمر من أثر القلم.
وشفايفها بترتعش.
ودموعها مالية عينيها.
بعدها شاف الموبايل طالع من جيب إجلال.
وشاف ريموت الاستدعاء.
وساعتها فقط سكت.
السكون اللي نزل على وشه كان أخطر من أي صريخ.
قال بهدوء
مين عمل كده؟
فريدة كانت هتتكلم.
لكن إجلال سبقتها.
يا فندم المدام متوترة و
اسكتي.
قالها من غير ما يبص لها.
فارتعشت.
لأنها فهمت إن اللعبة انتهت.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب من مجرد شكوى ممرضة.
عاصم ما جاش لوحده.
كان معاه ضابط مباحث.
ورجل في الخمسينات لابس بدلة رسمية.
رئيس مجلس إدارة المستشفى نفسه.
فريدة بصت لهم بعدم فهم.
عاصم قرب منها وقال
أنا كنت راجع من نص الطريق.
بس جالي تليفون.
سألته
مين كلمك؟
رد
موظف شغال هنا.
ثم أشار ناحية الباب.
وقال لي إن فيه حاجة غلط بتحصل في الدور السابع.
في أقل من عشر دقائق.
الممر كله اتقلب.
مدير التمريض.
مدير المستشفى.
رؤساء الأقسام.
الكل طلع يجري.
وفي وسط الفوضى.
اتفتح أخيرًا باب الأوضة المقفولة في آخر الممر.
الأوضة اللي محدش من المرضى كان مسموح له يقرب منها.
الأوضة اللي إجلال كانت بتختفي جواها بالساعات.
واللي كانت دايمًا مقفولة بالمفتاح.
ولما الباب اتفتح...
الصدمة نزلت على الكل.

 

تم نسخ الرابط