كتبت لحبيبي
يعملها.
التفتت نادية المنشاوي إلى قائد الحراسة.
اقفلوا الشارع كله. محدش يدخل ولا يخرج.
خلال أقل من دقيقة، انتشر رجال الأمن حول المنزل.
وكان أهل القرية يراقبون المشهد من بعيد، غير مصدقين أن البيت الصغير الذي اعتادوا المرور بجواره كل يوم أصبح محاطًا بسيارات الحراسة.
وفجأة...
توقف صوت محرك سيارة قديمة عند مدخل الشارع.
نزل منها رجل في منتصف الخمسينيات، يرتدي جلبابًا بسيطًا ويضع نظارة سوداء.
نظر حوله بهدوء، ثم بدأ يسير باتجاه منزل ليلى.
لكن قبل أن يقترب بخطوتين، صاح أحد الحراس
وقف مكانك!
توقف الرجل.
ثم خلع النظارة ببطء.
وفي اللحظة التي رأته فيها نادية...
اتسعت عيناها.
شريف!
كان الرجل هو شريف السيوفي، مدير مكتب آدم السابق، والرجل الذي وثقت به العائلة لأكثر من عشر سنوات.
ابتسم شريف ابتسامة باهتة وقال
واضح إن اللعبة خلصت.
أشار قائد الحراسة إلى رجاله.
قبضوا عليه.
لكن شريف رفع يده قائلًا
استنوا... قبل ما تقبضوا عليّ، في حاجة لازم آدم يعرفها.
قالت نادية بحدة
مفيش كلمة هتنقذك.
هز رأسه.
أنا مش بدور على نجاة... أنا بدور على الحقيقة الكاملة.
ثم نظر إلى ليلى مباشرة وقال
أنا فعلاً خبيت رسالتك... لكن ما عملتش كده لوحدي.
ساد الصمت.
وسألته نادية ببطء
تقصد إيه؟
أجاب وهو يزفر
اللي أمرني كان واحد من مجلس إدارة الشركة... شخص كان عارف إن آدم لو عرف بوجود زوجته وبنته، هيرجع فورًا ويوقف صفقة بمليارات كانت هتخلي ناس كتير تخسر.
ارتبكت نادية.
مين؟
ابتسم شريف ابتسامة حزينة.
للأسف... الاسم ده هيكسر قلب آدم أكتر من أي حاجة.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت المروحية من جديد وهي تعود للهبوط.
فتح الباب قبل أن تتوقف بالكامل.
وقفز منه آدم بنفسه.
كان أول ما وقعت عيناه عليه هو جنى.
الطفلة الصغيرة كانت تقف ممسكة بطرف فستان أمها، وتنظر إليه بفضول.
توقف آدم في مكانه.
لم ينطق بكلمة.
واكتفى بالنظر إلى ابنته للمرة الأولى في حياته، بينما سالت دموعه بصمت، مدركًا أن خمسة عشر شهرًا من عمرها سُرقت منه... بسبب خيانة لم يكن يتخيل أن مصدرها سيكون أقرب الناس إليه تقدّم آدم بخطوات بطيئة، وكأنه يخشى أن تختفي اللحظة إذا أسرع.
كانت عيناه معلقتين بجنى.
أما الصغيرة، فاختبأت خلف ساق أمها، وأخرجت نصف وجهها فقط تنظر إلى الرجل الغريب الذي يبكي.
انحنى آدم على ركبتيه حتى أصبح في مستوى نظرها.
وقال بصوت متهدج
السلام عليكم يا جنى.
نظرت إليه الطفلة لحظة.
ثم همست
وعليكم السلام.
ابتسم رغم دموعه.
وأخرج من جيبه دبدوبًا صغيرًا كان يحتفظ به منذ سنوات.
قال
ده كان هدية... كنت مستني أديهالك يوم ما أشوفك.
ترددت جنى قليلًا.
ثم نظرت إلى أمها.
ابتسمت ليلى وهي تومئ برأسها.
اقتربت الطفلة بخطوات صغيرة، وأخذت الدمية، ثم سألت ببراءة
إنت بتعيط ليه؟
ضحك آدم وسط دموعه.
وقال
عشان اتأخرت عليكي قوي.
مدت جنى يدها الصغيرة، ومسحت دمعة من على خده.
وقالت
متعيطش.
لم يتمالك آدم نفسه.
ضمها إلى صدره برفق، وكأنه يخشى أن يؤذيها.
أما ليلى، فاستدارت حتى تخفي دموعها.
اقتربت منها نادية المنشاوي، وقالت بصوت منخفض
ظلمتك... وأول واحدة لازم تعتذرلك هي أنا.
نظرت إليها ليلى بصمت.
أكملت نادية
كنت مقتنعة إنك عايزة تستغلي ابني وفلوسه. ولما الرسالة اختفت، صدقت إنه هو اللي قرر ينهي كل حاجة. عمري ما فكرت إن حد كان بيلعب بينكم بالشكل ده.
قالت ليلى بهدوء
اللي فات فات... المهم الحقيقة ظهرت.
في تلك اللحظة، قيد رجال الأمن يدي شريف.
لكن قبل أن يركب سيارة الشرطة، التفت إلى آدم وقال
لو فاكر إنك عرفت كل الحقيقة... فأنت غلطان.
اقترب آدم منه.
اتكلم.
ابتسم شريف بمرارة.
أنا مجرد منفذ. أما اللي خطط لكل حاجة... فهو الشخص اللي كان بيوقّع جنبك كل يوم، وبيعتبرك أخوه.
انعقد حاجبا آدم.
مين؟
قال شريف ببطء
كريم المنشاوي.
ساد صمت ثقيل.
شهقت نادية.
مستحيل... كريم ابن عمك!
أغمض آدم عينيه للحظة.
كان كريم شريك طفولته، والرجل الذي منحه ثقة كاملة داخل الشركة.
همس آدم
ليه؟
ضحك شريف ساخرًا.
لأنك كنت العقبة الوحيدة بينه وبين رئاسة المجموعة... ولو رجعت وقتها علشان مراتك وبنتك، كانت الصفقة هتقع، وخطته كلها كانت هتنهار.
نظر آدم إلى رجال الأمن وقال بحزم
بلغوا الإدارة القانونية... ومنعوا كريم من السفر فورًا. ومن النهارده، كل ملفات الشركة هتتراجع من أول وجديد.
لكن الهاتف في جيب أحد الحراس رن بعد ثوانٍ.
أجاب بسرعة، ثم تغير لون وجهه.
رفع رأسه وقال
يا فندم... للأسف فات الأوان.
سأله آدم بحدة
يعني إيه؟
أجاب الحارس
كريم المنشاوي غادر بطائرته الخاصة قبل أقل من نصف ساعة... واتجه خارج البلاد ساد صمت ثقيل.
قبض آدم على يده حتى برزت عروقها.
ثم قال بهدوء لم يعرفه أحد عنه من قبل
خليه يمشي.
نظر الجميع إليه باستغراب.
حتى نادية سألته
يعني إيه خليه يمشي؟!
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
لأنه نسي حاجة أهم من الهروب.
التفت إلى مدير الأمن.
جمّدوا كل حساباته... وفعّلوا أوامر الحجز على أسهمه فورًا.
أخرج مدير الأمن هاتفه.
وبعد دقائق قليلة، بدأت الاتصالات تتوالى.
ثم قال
تم التنفيذ يا فندم... البورصة وقفت أي تصرف على حصته، والبنوك جمدت الحسابات.
ابتسم آدم.
يبقى الطيارة اللي هرب بيها هتوصل... وهو معهوش جنيه واحد يقدر يصرفه.
في الوقت نفسه...
كانت الطائرة الخاصة التي تقل كريم المنشاوي تحلق فوق البحر المتوسط.
جلس وهو يحتسي كوبًا من القهوة بثقة.
نظر إلى مساعده وقال مبتسمًا
أول ما نهبط هنبدأ حياة جديدة.
لكن هاتفه أصدر إشعارًا بعد الآخر.
فتح أول رسالة.
تم تجميد جميع الحسابات المصرفية.
فتح الثانية.
تم إيقاف صلاحياتك داخل مجموعة المنشاوي القابضة.
فتح الثالثة.
صدور أمر بالتحفظ على جميع الأسهم والممتلكات المرتبطة بالقضية.
اختفت الابتسامة من وجهه.
حاول الاتصال بمدير البنك.
لا رد.
اتصل بمحاميه.
الهاتف مغلق.
ثم جاءت الرسالة الأخيرة.
تم إصدار مذكرة توقيف دولية بحقك بتهمة الاحتيال والتلاعب في مستندات الشركة وإخفاء مراسلات رسمية.
أغلق الهاتف ببطء.
وهمس لنفسه
آدم سبقني...
أما في القرية...
فخرج أهلها جميعًا إلى الشارع بعد انتشار الخبر.
المرأة التي طالما تعرضت للهمسات أصبحت حديث الناس من نوع آخر.
قالت إحدى الجارات بخجل وهي تقف أمام ليلى
سامحينا... إحنا ظلمناكي.
وقالت أخرى
كنا فاكرين إن الحكاية غير كده.
ابتسمت ليلى بهدوء.
ربنا هو اللي بيظهر الحق... حتى لو بعد وقت.
اقترب آدم منها.
ثم أمسك يدها أمام الجميع لأول مرة دون خوف أو تردد.
وقال بصوت سمعه كل من في الشارع
دي مراتي... واللي يشرفني قدام الدنيا كلها.
ثم حمل جنى بين ذراعيه.
ضحكت الصغيرة وهي تمسك بربطة عنقه.
وقال لها مبتسمًا
من النهارده... بابا مش هيتأخر عليكي تاني.
لكن بينما كان الجميع يظن أن النهاية السعيدة قد بدأت...
رن هاتف آدم مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل رئيس قسم الأمن الإلكتروني بالشركة.
رد سريعًا.
جاءه الصوت مرتبكًا
يا فندم... في مشكلة جديدة.
إيه اللي حصل؟
أثناء مراجعة أرشيف المراسلات... لقينا ملف سري باسمه ليلى... وفيه مستندات تثبت إن اللي حصل مع الرسالة كان جزءًا من خطة أكبر بدأت قبل ما حضرتك تقابلها أصلًا... والخطة دي لسه ما انتهتش توقفت ابتسامة آدم.
نظر إلى ليلى، ثم ابتعد عدة خطوات حتى لا تسمع المكالمة كاملة.
قال بهدوء
ابعتلي كل اللي عندك.
جاءه الرد
يا فندم... الملف متشفر، لكن قدرنا نفتح أول صفحة.
وإيه فيها؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال الموظف
أول سطر مكتوب فيه... المشروع رقم 27 إبعاد آدم المنشاوي عن أي ارتباط عائلي حتى يظل تحت السيطرة.
انعقد حاجبا آدم.
إيه الكلام ده؟