كتبت لحبيبي
والأغرب من كده يا فندم... إن تاريخ إنشاء الملف يرجع لأربع سنين... يعني قبل ما حضرتك تقابل الأستاذة ليلى أصلًا.
أغلق آدم الهاتف وهو يشعر أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما تخيله.
في مساء اليوم نفسه...
اجتمع مجلس إدارة مجموعة المنشاوي بالكامل في المقر الرئيسي.
دخل آدم القاعة، وعلى وجهه ملامح لم يرها الموظفون من قبل.
وضع الملف أمام الجميع.
وقال
عايز تفسير.
ساد الصمت.
ثم قال أحد الأعضاء المسنين
إحنا أول مرة نشوف الملف ده.
لكن رجلًا يجلس في آخر الطاولة بدأ يتصبب عرقًا.
كان المستشار القانوني للشركة، فؤاد الشربيني.
لاحظ آدم ارتباكه.
فسأله مباشرة
تعرف حاجة؟
ابتلع فؤاد ريقه.
ثم قال
أنا... أنا كنت بنفذ أوامر.
ضرب آدم الطاولة بقبضته.
أوامر مين؟
أغمض فؤاد عينيه.
وقال بصوت منخفض
أوامر والدك.
ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
حتى نادية المنشاوي، التي كانت تجلس إلى جوار آدم، شهقت في ذهول.
قالت بانفعال
مستحيل... الله يرحمه عمره ما يعمل كده.
هز فؤاد رأسه.
أنا معايا تسجيلات ومستندات تثبت كل كلمة.
فتح حقيبته، وأخرج جهاز تسجيل قديم.
ضغط زر التشغيل.
وانطلق صوت رجل يعرفه الجميع.
كان صوت الراحل محمود المنشاوي، والد آدم.
ابني قلبه طيب... وأي واحدة هيدخلها حياته هتبقى نقطة ضعف يستغلها منافسينا. ممنوع يرتبط بأي حد خارج اللي إحنا نختاره... ولو اضطرينا نبعد أي شخص عنه، اعملوا اللي لازم يتعمل.
أغلقت نادية عينيها، وانهمرت دموعها.
أما آدم، فظل واقفًا دون أن ينطق.
كان يواجه حقيقة مؤلمة...
أن المؤامرة لم تبدأ بسبب ليلى.
بل بدأت منذ سنوات، لأن بعض من حوله كانوا يرون في حياته الخاصة مجرد ورقة في لعبة السلطة والنفوذ.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد الحراس مسرعًا إلى القاعة.
وقال وهو يلهث
يا فندم... الشرطة الدولية قبضت على كريم المنشاوي في المطار قبل ما يهرب... لكنه طلب طلبًا واحدًا قبل التحقيق.
نظر إليه آدم.
إيه هو؟
أجاب الحارس
قال... مش هتكلم غير لما أشوف ليلى... لأنها الوحيدة اللي تقدر تثبت إن في شخص أخطر مني لسه حر في صباح اليوم التالي، توجه آدم وليلى إلى مقر النيابة حيث كان كريم محتجزًا.
رفض كريم أن يتحدث أمام أي شخص آخر.
وبمجرد أن دخل آدم وليلى غرفة التحقيق، ابتسم كريم ابتسامة مرهقة وقال
كنت عارف إنكم هتيجوا.
قال آدم ببرود
عندك خمس دقائق. قول اللي عندك.
نظر كريم إلى ليلى أولًا، ثم قال
أنا مذنب... وأنا اللي وافقت أخفي الرسائل وأبعدكم عن بعض. لكن في حاجة محدش يعرفها.
سأله المحقق
إيه هي؟
تنهد كريم وقال
يوم الرسالة ما وصلت الشركة... أنا ما حرقتهاش.
رفع آدم رأسه فجأة.
أمال كانت فين؟
أجاب
حطيتها في درج مكتبك السري... لأن ضميري مقدرش يتخلص منها. كنت فاكر إنك هتلاقيها بعد كام يوم، لكن بعدها بيوم واحد حد دخل المكتب وأخذ نسخة من كل الملفات المهمة... وهو اللي نقل الرسالة لمكانها الأخير.
قال آدم
مين؟
رد كريم
السكرتيرة التنفيذية الجديدة... داليا.
تبادل الجميع النظرات.
كان اسم داليا غير مطروح في التحقيقات إطلاقًا.
قال المحقق
عندك دليل؟
ابتسم كريم وقال
كاميرات الشركة.
ساد الصمت.
ثم أكمل
راجعوا تسجيلات ليلة 14 أكتوبر... هتلاقوها دخلت مكتب آدم بعد منتصف الليل، رغم إن مفيش أي تصريح ليها.
بعد ساعات، استخرج فريق الأمن التسجيلات القديمة من الأرشيف.
ظهر المكتب هادئًا.
ثم، عند الساعة الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، فُتح الباب بهدوء.
دخلت داليا.
اتجهت مباشرة إلى الدرج السري، وكأنها تعرف مكانه مسبقًا.
أخرجت المظروف الذي يحمل اسم ليلى.
التقطت له صورة.
ثم أخذته معها وغادرت.
وقف آدم أمام الشاشة غير مصدق.
قال مدير الأمن
واضح إنها كانت بتشتغل لحساب حد.
رد آدم بحزم
دوروا عليها... في أي مكان.
لكن الموظف هز رأسه.
للأسف يا فندم... داليا قدمت استقالتها واختفت من البلد بعد اختفاء حضرتك بأسبوعين.
خرج آدم من غرفة المراقبة وهو يشعر بثقل السنوات الماضية.
وجد ليلى تنتظره في الحديقة الخارجية، وجنى تركض خلف الحمام وهي تضحك.
جلس بجوارها.
وقال بصوت هادئ
أنا ضيعت وقت كتير.
ابتسمت ليلى.
إحنا كسبنا عمر جديد... وده أهم.
نظر إلى ابنته، ثم أمسك يد ليلى.
وقال
من النهارده مش هسيب أي شغل، ولا أي صفقة، ولا أي حد... ياخدني بعيد عنكم تاني.
ابتسمت ليلى للمرة الأولى منذ زمن طويل.
وشعرت أن الوعد الذي انتظرته خمسة عشر شهرًا... تحقق أخيرًا.
لكن بينما كانت جنى تلهو في الحديقة، انحنت فجأة والتقطت سلسلة معدنية صغيرة كانت ملقاة تحت أحد المقاعد.
ركضت بها نحو آدم وهي تقول ببراءة
بابا... دي وقعت من الست اللي كانت قاعدة هنا.
أخذ آدم السلسلة.
وفي ظهرها نقش صغير.
الحرف د.
نظر مدير الأمن إليها، ثم تغير وجهه وقال
دي مش أي سلسلة...
دي الشعار الخاص بالشركة الأمنية اللي كانت داليا شغالة معاها... واللي لسه محدش عرف مين صاحبها الحقيقي.
وهنا أدرك آدم أن سقوط كريم لم يكن نهاية القصة... بل بداية كشف الشبكة كاملة مرّت ثلاثة أيام.
وخلالها، تحولت القضية إلى حديث الصحف والبرامج.
لكن آدم لم يكن يهتم بأي عنوان.
كان يقضي معظم وقته مع ليلى وجنى في القرية، وكأنه يحاول تعويض كل لحظة ضاعت منهما.
وفي صباح اليوم الرابع، دخل عليه مدير الأمن وهو يحمل ملفًا أزرق.
قال
لقينا صاحب الشركة الأمنية.
رفع آدم رأسه.
مين؟
فتح المدير الملف، ثم دفعه نحوه.
تجمد آدم عندما رأى الصورة.
ثم قال ببطء
مستحيل...
كانت الصورة لرجل في أواخر الستينيات.
اللواء المتقاعد حسن الشاذلي.
الرجل الذي عمل مستشارًا أمنيًا لعائلة المنشاوي لأكثر من عشرين عامًا، وكان يدخل منزلهم دون استئذان.
قال المدير
هو المالك الحقيقي للشركة اللي كانت داليا بتشتغل فيها.
وأضاف وهو يقلب الأوراق
والأغرب... إن الشركة دي كانت بتراقب تحركات حضرتك من سنين، بعقود موقعة باسم شركات وهمية.
ضرب آدم المكتب بقبضته.
ليه؟
قال المدير
لسه مش عارفين.
في المساء...
استدعت النيابة اللواء حسن للتحقيق.
دخل بثقة، وجلس أمام المحققين دون أن تبدو عليه أي علامة خوف.
قال المحقق
عندنا أدلة إن شركتك شاركت في إخفاء مراسلات خاصة والتجسس على الأستاذ آدم المنشاوي.
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.
ثم قال
صحيح.
نظر الجميع إليه بدهشة.
لم ينكر.
بل اعترف.
سأله المحقق
ليه؟
تنهد الرجل طويلًا.
ثم قال
لأني كنت بنفذ وصية.
سأل آدم بحدة
وصية مين؟
أخرج اللواء ظرفًا قديمًا من حقيبته.
كان مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
وصية والدك... لكنه قال ما تتفتحش إلا لو الأمور خرجت عن السيطرة.
فتح المحقق الظرف.
وبدأ يقرأ.
لكن بعد السطر الأول مباشرة، رفع رأسه في ذهول.
قال
لازم حضرتك تقرأها بنفسك.
أخذ آدم الورقة.
وجاء فيها
إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابني، فهذا يعني أن الحقيقة خرجت للنور قبل الوقت الذي كنت أخشاه...
واصل القراءة.
ثم توقفت عيناه عند الجملة التالية.
ليلى لم تدخل حياتك بالصدفة... بل أنقذتك قبل سنوات دون أن تعرف من أنت.
اتسعت عينا آدم.
نظر إلى ليلى.
ثم همس
أنقذتني؟
هزت رأسها باستغراب.
أنا؟
أكمل قراءة الرسالة.
في ليلة الحادث على الطريق الزراعي، عندما انقلبت سيارتك وغادرتُ قبل وصول الإسعاف لظروف أمنية، كانت الفتاة الوحيدة التي بقيت بجوارك حتى وصلت النجدة هي ليلى. يومها قررت أن أبحث عنها لأكافئها، لكنك سبقتني وتعرفت إليها بنفسك دون أن تعلم أنها نفس الفتاة.
ساد الصمت.
بدأت ليلى تسترجع ذكريات قديمة.
ليلة ممطرة...
سيارة سوداء محطمة...
ورجل فاقد الوعي، لم ترَ وجهه بوضوح بسبب الدم والمطر.
همست وهي تنظر إلى آدم
يعني... ده كان أنت؟
ابتسم آدم ابتسامة امتزجت فيها الدهشة بالامتنان.
وقال
يمكن القدر جمعنا مرتين...