لما جوزي طلقني
اللابتوب بسرعة.
حطت الفلاشة في شنطتها، وبصت لمي.
ولا كلمة لأي حد عن اللي شفناه.
مي هزت رأسها.
اطمني.
بعد ثواني، دخل ثلاثة أشخاص.
رجل في أواخر الخمسينات، ومعاه محامية، وشاب شايل حقيبة جلد.
الرجل ابتسم باحترام.
صباح الخير... الأستاذة شهد عبد الرحمن؟
أيوة.
مد لها كارته.
أنا المستشار عادل منصور... المستشار القانوني لمجموعة الرواد.
شهد صافحته وهي لسه مستغربة.
اتفضلوا.
قعدوا جميعًا.
لكن بدل ما يطلعوا أوراق العقد...
المستشار فتح الحقيبة، وطلع ملف أسود سميك.
إحنا مش جايين النهارده علشان الرعاية.
سكت لحظة.
إحنا جايين ننفذ وصية.
اتجمدت شهد.
وصية؟
وصية من والد حضرتك.
شهقت.
والدي توفى من أكتر من عشرين سنة.
ابتسم المستشار بهدوء.
وده صحيح... لكن الوصية كان فيها شرط.
شرط إيه؟
فتح أول صفحة.
ألا يتم تسليم الملف إلا بعد مرور عشرين سنة كاملة... وبعد ما تبلغي الثلاثين من عمرك.
حست إن أنفاسها تقيلة.
كل دقيقة كانت بتعدي، الأسئلة بتزيد.
إزاي أبوها خطط لكل ده؟
وليه؟
المستشار كمل
والدك كان رجل أعمال، لكنه كان بيخفي جزءًا كبيرًا من أعماله عن الجميع... حتى أقرب الناس ليه.
شهد هزت رأسها بعدم تصديق.
إحنا كنا عايشين حياة بسيطة جدًا.
وده كان مقصود.
فتح صفحة تانية.
وفي الوصية كتب بالحرف إذا وصلت ابنتي لهذا الملف بنفسها، يبقى معناها إنها قدرت تبني نجاحها من غير الاعتماد على اسمي... وساعتها فقط تستحق تعرف الحقيقة.
دموع شهد لمعت في عينيها.
أول مرة تسمع كلمات من أبوها بعد كل السنين دي.
ثم أخرج المستشار مفتاحًا معدنيًا قديمًا، ووضعه على الطاولة.
وده كمان أمانة ليكي.
شهد مسكته.
مفتاح إيه ده؟
ابتسم المستشار وقال
ده مفتاح صندوق أمانات.
فين؟
في أحد البنوك.
وإيه اللي جواه؟
المستشار أغلق الملف بهدوء.
للأسف... أنا معرفش.
إزاي؟
لأن والدك كتب إن الصندوق لا يُفتح إلا بمعرفتك، وبحضورك شخصيًا.
ساد الصمت في الغرفة.
كل اللي كانت فاكرة إنها تعرفه عن حياتها... بدأ يتغير.
وفي اللحظة دي، رن هاتف المستشار.
نظر للشاشة، ثم اعتذر ورد بسرعة.
بعد أقل من دقيقة، أغلق المكالمة، لكن ملامحه اتبدلت تمامًا.
بص لشهد وقال بجدية
لازم نروح البنك النهارده... حالًا.
ليه؟
قال بصوت منخفض
لأن فيه شخص سبقنا وسأل عن نفس صندوق الأمانات... لأول مرة من عشرين سنة.
يتبع...شهد قامت من مكانها بسرعة.
مين الشخص ده؟
المستشار هز رأسه.
البنك رفض يفصح عن اسمه، وده حقه قانونًا... لكن مدير الفرع بلغني إن الشخص كان معاه رقم صندوق الأمانات بالضبط.
شهقت مي.
يعني حد عارف بوجوده؟
وده اللي مخليني مستعجل.
بعد أقل من ساعة...
وصلوا البنك.
شهد كانت ماسكة المفتاح بقوة لدرجة إن صوابعها وجعتها.
استقبلهم مدير الفرع بنفسه.
اتفضلي يا أستاذة شهد.
دخلوا غرفة صناديق الأمانات.
وقف المدير قدام صندوق قديم مكتوب عليه الرقم 317.
بص للمفتاح اللي في إيدها.
اتفضلي.
شهد قربت...
ودخلت المفتاح.
لحظة صمت.
ثم...
تك.
القفل اتفتح.
سحبت الدرج الحديدي ببطء.
الجميع كان متوقع يلاقي ذهب...
أو فلوس...
أو عقود ملكية.
لكن اللي كان جواه خلى الكل يبص لبعض في استغراب.
كان فيه
دفتر مذكرات جلدي قديم.
فلاشة إلكترونية.
ظرف أبيض مكتوب عليه بخط اليد
إلى ابنتي شهد... لا تفتحي الظرف إلا بعد قراءة المذكرات.
مدت إيدها على الظرف.
لكن المستشار قال بهدوء
والدك كان دقيق جدًا... الأفضل ننفذ وصيته.
شهد هزت رأسها.
فتحت المذكرات.
أول صفحة كانت مكتوب فيها
لو بتقري الكلام ده... يبقى أنا نجحت أخليكي توصلي بنفسك، من غير ما تعيشي في ظل اسمي.
قلبت الصفحة.
وكان أول سطر بعدها كافي يغير كل حاجة كانت فاكراها عن حياتها...
أنا ما خسرتش ثروتي... أنا أخفيتها بإرادتي.
رفعت شهد رأسها بصدمة.
يعني... كل اللي عشناه؟
قبل ما المستشار يرد...
رن هاتف شهد.
رقم غير مسجل.
ترددت...
ثم ردت.
جالها صوت رجل كبير في السن
أخيرًا فتحتي الصندوق.
اتسعت عيناها.
حضرتك مين؟
رد بهدوء
أنا آخر شخص كان شريك لوالدك... ولسه عندي الأمانة اللي طلب مني أسلمها ليكي.
يتبع...الرجل كمل بصوت هادئ
بس قبل ما أقابلك... لازم أتأكد إنك قرأتي أول عشر صفحات من المذكرات.
شهد بصت للمستشار.
حضرتك تعرفه؟
هز رأسه بالنفي.
لا... لكن واضح إنه يعرف تفاصيل محدش غير والدك كان يعرفها.
أغلق الرجل المكالمة بعد ما قال جملة واحدة
لما تخلصي القراءة... هعرف.
انقطع الخط.
رجعت شهد للمكتب وهي ماسكة المذكرات.
قفلت الباب، وقعدت هي ومي والمستشار.
بدأت تقلب الصفحات.
الصفحة الأولى كانت عن طفولتها.
الثانية عن والدتها.
الثالثة عن يوم ولادتها.
لكن في الصفحة العاشرة...
اتغير كل شيء.
كان فيه ظرف صغير ملزوق داخل المذكرات.
مكتوب عليه
افتحيه الآن.
فتحت الظرف.
طلع منه مفتاح إلكتروني صغير، وكارت مكتوب عليه
المكتب رقم 21.
مي سألت باستغراب
مكتب إيه؟
المستشار قلب الكارت...
وفجأة اتغير لون وشه.
معقول...
شهد قلقت.
في إيه؟
قال وهو مندهش
ده رقم مكتب في البرج الإداري القديم بتاع والدك... البرج اتقفل من سنين، ومحدش دخله من وقت وفاته.
يعني المكتب لسه موجود؟
على الورق... أيوه.
بعد ساعتين...
وقفوا قدام البرج.
المكان كان مهجور.
الغبار مالي المداخل.
والحارس العجوز أول ما شاف المفتاح الإلكتروني، وقف باحترام وقال
أخيرًا... صاحبة الأمانة وصلت.
شهد اتفاجئت.
إنت تعرفني؟
ابتسم.
لا أعرفك... لكن كنت أعرف والدك.
طلع دفتر قديم من درج صغير.
قبل عشرين سنة طلب مني لو بنته جات يومًا بالمفتاح ده... أسلمها الدفتر.
فتحت شهد الدفتر.
كان أول توقيع فيه بتاريخ قديم جدًا.
وآخر سطر مكتوب بخط والدها
إذا وصلت شهد إلى هنا... يبقى المرحلة الأولى انتهت.
شهقت.
مرحلة أولى؟!
رفعت رأسها بسرعة.
يعني فيه مراحل تانية؟
الحارس ابتسم ابتسامة غامضة، وأشار ناحية المصعد القديم.
المكتب اللي بتدوري عليه... مش في الدور اللي مكتوب على الكارت.
إزاي؟
قال بهدوء
المكتب الحقيقي... موجود في دور سري، والمصعد ده هو الوحيد اللي بيوصله.
ثم أخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من جيبه.
والمفتاح ده... ما بيفتحش غير مع المفتاح اللي معاكي.
شهد مسكته وهي حاسة إن كل خطوة بتكشف سر أكبر من اللي قبله.
ولما ضغط الحارس على زر في جانب المصعد...
صدر صوت ميكانيكي قديم.
وفجأة...
ظهر زر جديد على لوحة الأدوار...
زر ماكانش موجود من ثوانٍ.
مكتوب عليه حرف واحد فقط
S
يتبع...ضغطت شهد على الزر.
المصعد اتحرك... لكن الغريب إنه ما