اقعدي جنب المطبخ
اقعدي جنب المطبخ وما تفضحيش أخوكي، همس أبي بحدةقبل ثوانٍ من أن يلمحني قائده، فيسقط كأس العصير من يده وينتصب في تحية عسكرية مفاجئة.
العقيد ياسمين الشريف؟!
سكتت القاعة تمامًا. أمي سحقت منديلها، وملف الأوراق المسروقة انزلق من يد أبي. كانوا يظنون أنني مجرد طالبة عسكرية فاشلة. لم يكن لديهم أي فكرة أن الشرطة كانت بالفعل بالخارج تنتظر.
أمي حذفت اسمي من برنامج زفاف أخي قبل حتى أن أدخل القاعة.
اكتشفت ذلك في الساعة 542 مساءً، تحت نجفة كريستال ضخمة في قاعة قصر النخيل، بينما كانت موظفة الاستقبال تراجع قائمة الضيوف ثلاث مرات وتسألني بابتسامة متحفظة إن كنت ضمن فريق تقديم الطعام.
اسمي ياسمين الشريف، قلت.
أصبعها تحرك مرة أخرى على الصفحة. كانت رائحة المكان خليطًا من الورد الأبيض ولمعة الليمون ومقبلات الزبدة التي كان النُدُل يمررونها من الأبواب المتأرجحة. من داخل القاعة، كان صوت الكراسي وهي تُسحب، ورنين الكؤوس، وضحكات براقة باهظة الثمن لأشخاص لا يعلمون أنهم على وشك مشاهدة عائلة تنهار.
آسفة، مفيش اسم ياسمين الشريف في القائمة.
وفجأة ظهرت أمي، بفستان بلون الشمبانيا عصير، وابتسامتها المصطنعة التي تستخدمها مع النساء قبل أن تنتقدهن لاحقًا.
دي من العيلة، قالت بدون أن تنظر للقائمة. حطيها على ترابيزة رقم 14.
راجعت الموظفة المخطط.
دي جنب المطبخ.
عارفة.
نظرت لي أمي من أعلى لأسفل كأني بقعة لاحظتها للتو.
جاية بملابس عادية؟
نظرت إلى فستاني الرمادي وحذائي البسيط.
ده فرح.
كنت فاكرة تلبسي الزي العسكري بتاعك.
كنت قد خدمت في الجيش لمدة اثنين وعشرين عامًا.
وأمي ما زالت تظن أنني مجرد طالبة عسكرية.
سيبته في البيت، قلت بهدوء.
لم تفهم شيئًا.
قائد أخوكي موجود النهارده. بلاش تتكلمي في الجيش وتحرجي نفسك.
ثم تركتني ومشت كأني طرد تم تسليمه.
ترابيزة 14 كانت محشورة بين باب المطبخ وسماعة ضخمة.
بطاقتي لم يكن عليها اسمي.
كان مكتوب ضيف إضافي.
أبي صرف ما يقرب من ثمانين ألف جنيه على الفرح ورود، فرقة موسيقى، مظاهر فخمة لكن كتابة اسمي كانت مكلفة زيادة!
كنت قد حضرت مبكرًالأن الجيش علمني أن التأخير غير مقبول.
وأيضًا بسبب الملف الأزرق الذي أعطاني إياه أبي الليلة السابقة في مطعم شعبي.
ورق ميراث عادي، قال. أرض جدتك امضي هنا.
الصفحة الأولى كانت تقول إنني تنازلت عن حقي في الأرض والبيت وكل شيء.
أنا ما تنازلتش عن حاجة، قلت.
كنتي مسافرة وقتها.
وده مش رد.
أمي قالت بحدة
بلاش تعملي مشاكل في فرح أخوكي.
أغلقت الملف وقلت
أنا مش هكون الغبية في الحوار ده.
لحظة صمت وخوف خفيف ظهر في عين أبي.
صورت الأوراق تحت الطاولة وبعتها لمحامية أعرفها.
ردت بعد 15 دقيقة
ما تمضيش. التوقيع مزور.
الآن، نفس الملف الأزرق كان تحت ذراع أبي وهو يتباهى في القاعة.
أخي كريم دخل بزيه العسكري الاحتياطي، مبتسمًا كأنه بطل الليلة.
أبي كان ينظر له بفخر نفس النظرة التي لم يوجهها لي يومًا.
عندما حصلت على قبولي في الكلية الحربية، قال فقط
يمكن عشان بيدخلوا بنات أكتر دلوقتي.
لا احتفال. لا فخر. لا وداع.
فقط
ما تفضحيش نفسك.
بدأت الخطابات.
أبو العروسة تكلم عن الحب.
ثم أبي قال
ابني كريم هو أفضل جندي في عيلة الشريف.
تصفيق ملأ القاعة.
لم ينظر لي أحد.
ثم عرضوا الصور
كلها كريم.
حتى صورة شجرة جدتي
في الحقيقة، كنت أنا من أنقذته وهو صغير لما علق فوقها.
لكن في الصورة
تم حذف يدي.
مش صدفة
مقصودة.
في تلك اللحظة وصلني رد المحامية
التوقيع مزور أثناء وجودك في مهمة خارج البلد.
فجأة، قائد أخي بدأ يتكلم
ثم لمحني.
تغير وجهه فورًا.
سقط منه كوب العصير وتحطم.
الصمت عم المكان.
مشى ناحيتي مباشرة.
أبي قال بدهشة
هو رايح فين؟!
وقف أمامي
يا فندم؟
وقفت.
رفع يده بتحية عسكرية حادة.
وقال بصوت سمعه الجميع
العقيد ياسمين الشريف ما كنتش أعرف إنك أخت الملازم كريم.
اختفت ابتسامة أخي.
وجه أمي تجمد من الخوف.
وسقط الملف الأزرق من يد أبي
وتناثرت أوراق التزوير على الأرض
في نفس اللحظة التي دخل فيها ضابطان من الشرطة إلى القاعة.
سكتت القاعة تمامًا لكن هذه المرة لم يكن الصمت بسبب المفاجأة فقط، بل بسبب الخوف.
الضابطان تقدّما بخطوات ثابتة فوق أرضية الرخام، وأصوات أحذيتهما كانت كأنها عدّاد تنازلي لنهاية كل شيء.
أبي حاول يبتسم تلك الابتسامة المزيفة التي يستخدمها في المواقف الرسمية.
أكيد في سوء تفاهم
لكن أحد الضباط قاطعه بهدوء حازم
الأستاذ محمود الشريف؟
تجمد مكانه.
أيوه
مطلوب حضورك معانا بخصوص بلاغ تزوير مستندات واستيلاء على ممتلكات.
همهمة خفيفة انتشرت في القاعة، والعيون بدأت تتحرك بيني وبينه.
أمي اقتربت بسرعة، صوتها مرتجف
تزوير إيه؟! ده فرح ابني!
الضابط الثاني فتح الملف الذي سقط على الأرض، وقلب بعض الصفحات.
التوقيع هنا مطابق لتوقيع المدعية، لكن التحليل أثبت إنه مزور.
ثم رفع عينه ونظر لي مباشرة
حضرتك العقيد ياسمين الشريف؟
أومأت بهدوء.
أيوه.
البلاغ متقدم باسم حضرتك عن طريق المحامية سارة كمال.
همسة صدمة خرجت من أمي، وكأن الأرض انسحبت من تحتها.
بلاغ؟! ضد أبوك؟!
نظرت لها بثبات لأول مرة في حياتي بدون خوف، بدون تردد.
أنا بلغت عن اللي اتسرق مني.
أخي كريم تحرك خطوة للأمام، صوته متوتر
ياسمين إنتِ مكبرة الموضوع. دي أرض عيلة!
ضحكت ضحكة خفيفة، لكن بدون أي دفء.
عيلة؟
نظرت حولي للقاعة، للناس، للصور اللي كانت كلها ليه.
العيلة اللي مسحت اسمي من كل حاجة؟ حتى من الصور؟
سكت ولم يجد رد.
الضابط اقترب من أبي
هنتفضل معانا بهدوء لو سمحت.
أبي حاول يتمالك نفسه، صوته منخفض لكنه حاد
إنتِ عملتي كده؟! فيا أنا؟!
نظرت له نفس النظرة اللي كان بيبصها لي زمان، لكن المرة دي كانت أقوى.
أنا ما عملتش حاجة أنا بس رجّعت حقي.
في تلك اللحظة، قيّد الضابط يديه.
الصوت المعدني للكلبشات كان أعلى من صوت الموسيقى، أعلى من الهمسات، أعلى من كل حاجة.
أمي بدأت تبكي، وهي تحاول تمسك في ذراعه
سيبوه! ده جوزي!
لكن الضابط أبعدها برفق.
الضيوف بدأوا ينسحبوا ببطء بعضهم في صمت، وبعضهم وهمسوا ببعض الكلمات اللي مليانة فضول وشماتة.
الفرح انتهى قبل ما يكمل.
بعد دقائق
وقفت لوحدي في نفس مكاني.
الكراسي فاضية
الأضواء لسه شغالة
لكن كل شيء فقد معناه.
سمعت صوت خطوات خلفي.
التفت كان كريم.
بدون ابتسامة. بدون غرور.
بس إنسان تايه.
ليه ما قولتيش؟
سألني بهدوء.
قولت كتير بس محدش كان بيسمع.
سكت شوية ثم قال
أنا ما كنتش أعرف.
نظرت له، وحاولت أقرأ الحقيقة في عينيه.
يمكن فعلاً ما كانش يعرف.
لكن ده ما غيّرش حاجة.
دلوقتي عرفت.
لفيت وبدأت أمشي.
ياسمين
وقفت لحظة بدون ما أبص له.
أنا آسف.
أغمضت عيني للحظة ثم كملت مشي.
مشيت بعيد عن القاعة عن الصوت عن الماضي كله.
وأول ما خرجت برا
هواء الليل لمس وشي.
وأخيرًا
لأول مرة من سنين طويلة
حسّيت إني حرة.
بعد خروج أبي في سيارة الشرطة، لم ينتهِ كل شيء كما تخيّل الجميع
بل كانت تلك مجرد البداية.
القاعة أصبحت شبه فارغة، لكن بعض الضيوف ظلوا واقفين في تجمعات صغيرة، يتهامسون ويشيرون نحوي وكأنني أصبحت فجأة محور الحكاية.
أمي جلست على أقرب كرسي، وجهها شاحب وعيونها زائغة.
كانت تنظر للأمام، لكن واضح أنها لا ترى شيئًا.
اقتربت منها ببطء.
لأول مرة لم أشعر بالغضب منها، فقط بشيء يشبه النهاية.
قالت بصوت مكسور
إنتِ دمرتي كل حاجة
رديت بهدوء
أنا ما دمرتش أنا كشفت اللي كان متدمر من زمان.
رفعت عينيها لي، والدموع بدأت تنزل
ده أبوك.
وكان المفروض يكون أول واحد يحميني مش أول واحد يسرقني.
سكتت ولم تجد رد.
في الجهة الأخرى من القاعة، كانت العروسة نور واقفة وحدها، فستانها الأبيض لم يعد يلمع كما كان قبل ساعة.
كانت تنظر إلى كريم وكأنها بدأت تراه بشكل مختلف لأول مرة.
اقتربت منها صديقتها وهمست
إنتِ لسه