اقعدي جنب المطبخ
هتكملي؟
نور لم ترد فقط ظلت صامتة.
كريم كان واقف في منتصف القاعة، مكانه اللي كان قبل قليل مليان ضحك وتصفيق.
دلوقتي واقف لوحده.
اقتربت منه.
الفرح انتهى بس الحقيقة لسه.
بص لي بتعب
إنتِ كنتِ عارفة إن ده هيحصل النهارده؟
هزّيت رأسي
أنا ما اخترتش التوقيت هو اللي اختار يكمل كذبه لآخر لحظة.
مرر إيده على شعره بتوتر
طب الأرض دي كانت فعلاً حقك؟
طلعت الموبايل وورّيته نسخة من المستندات اللي بعتها لي المحامية.
دي ورقة التنازل المزورة ودي شهادة المحكمة إن مفيش أي تنازل رسمي مني.
أخذ الموبايل بإيد مرتعشة، وبدأ يقرأ.
كل سطر كان بيكسر حاجة جواه.
يعني كل السنين دي
أيوه.
رفع عينه لي، صوته مليان صدمة
هو عمل كده ليه؟!
نظرت بعيد للحظة ثم قلت
عشان كان شايف إنك الأحق بكل حاجة وأنا مجرد عبء.
سكت وكأن الكلام دخل في قلبه مباشرة.
في تلك اللحظة، دخلت المحامية سارة كمال القاعة.
كانت تمشي بثقة، تحمل حقيبة أوراقها وكأنها معتادة على مثل هذه النهايات.
اقتربت مني وقالت
الإجراءات بدأت رسميًا. بكرة هيتم التحفظ على كل الممتلكات لحد ما القضية تتحسم.
أومأت
تمام.
كريم بص لها، ثم لي
يعني إحنا ممكن نخسر كل حاجة؟
سارة ردت بوضوح
مش كل حاجة بس الحاجة اللي مش من حقكم أكيد.
نور أخيرًا تحركت، واقتربت من كريم.
خلعت خاتم الزواج ببطء وحطته في إيده.
أنا مش قادرة أبدأ حياتي في وسط كل ده.
كريم اتصدم
نور استني
لكنها هزّت رأسها ومشيت.
الصمت رجع يملأ القاعة مرة تانية
لكن المرة دي كان صمت النهاية الحقيقية.
نظرت حولي لكل شيء.
الورود الكراسي المنصة
كل حاجة كانت بتقول إن اللي حصل مش مجرد فضيحة
دي لحظة انكشاف كاملة.
كريم قال بصوت منخفض
إحنا ضيعناكي صح؟
بصيت له ولأول مرة، كان في عينيه ندم حقيقي.
لكن بعد فوات الأوان.
مش ضيعتوني إنتوا بس عمركم ما شفتوني.
لفّيت ومشيت ناحية باب القاعة.
لكن قبل ما أخرج
وقفت لحظة.
حسّيت إن في حاجة لسه ما خلصتش
وإن اللي جاي
هيكون أصعب من كل اللي فات.
الهواء خارج القاعة كان بارد لكنه كان أنضف من أي نفس أخدته جوه.
وقفت على درجات قصر النخيل، وبصيت للسماء للحظة كأنني بحاول أستوعب إن كل ده حصل فعلًا.
مشيت خطوتين لكن صوت ورايا وقفني.
ياسمين!
لفّيت كانت أمي.
كانت أول مرة أشوفها بالشكل ده ضعيفة، بدون أقنعة، بدون نظرات التعالي اللي اتعودت عليها طول عمري.
قربت مني بخطوات مترددة، وكأنها مش عارفة أنا هقبلها ولا لأ.
أنا أنا غلطت.
الجملة خرجت بصعوبة كأنها أول مرة تقولها في حياتها.
بصيت لها وسكت.
كملت وهي دموعها بتنزل
أنا كنت شايفة كريم وشايفة نجاحه وكنت فاكرة إن ده الصح.
كنت فاكرة إنك قوية ومش محتاجة حد فسيبتك لوحدك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لكن فيها وجع سنين.
أنا كنت محتاجة بس إنتوا ما سألتوش.
سكتت وحطت إيديها على صدري
سامحيني.
بصيت لإيديها ثم شلتها بهدوء.
أنا مش بزعل منك دلوقتي أنا بس ما بقيتش نفس البنت اللي كانت مستنية رضاك.
دموعها زادت لكنها فهمت.
يمكن متأخر لكن فهمت.
نزلت درجات القصر، ووقفت عند بوابة الحديد الكبيرة.
كان في عربية سودة مستنياني.
السائق فتح الباب باحترام
اتفضلي يا فندم.
ركبت وقبل ما الباب يتقفل، سمعت صوت تاني.
ياسمين!
كريم.
جري ناحيتي، ووقف وهو بياخد نفسه بصعوبة.
أنا عارف إني اتأخرت بس أنا مش عايز أخسرك.
بصيت له كويس.
لأول مرة مش كأخ كان دايمًا فوقي
لكن كشخص بيطلب فرصة.
إنت ما خسرتنيش النهارده
إنت خسرتني من زمان.
سكت والكلام ضرب فيه زي الحقيقة اللي ما ينفعش يهرب منها.
قرب خطوة
طب في فرصة أصلّح؟
فكرت لحظة
ثم قلت بهدوء
لما تتعلم تبص للي حواليك مش لنفسك بس.
قفلت باب العربية.
العربية اتحركت ببطء وبدأ القصر يبعد.
الأنوار الصوت الذكريات كله بيختفي ورايا.
فتحت موبايلي.
رسالة من المحامية سارة
مبروك المحكمة ثبتت حقك بالكامل. الأرض والبيت رجعوا باسمك.
غمضت عيني للحظة
مش فرحانة بالشكل اللي كنت متخيلته.
لكن مرتاحة.
وأخيرًا كل حاجة رجعت لمكانها.
بصيت من الشباك
الدنيا كانت ماشية عادي.
ولا كأن حياة كاملة كانت بتتغير من ساعة واحدة بس.
ابتسمت بهدوء
وقلت لنفسي
أنا مش خرجت من العيلة
أنا خرجت من الكذبة.
وبينما العربية بتختفي في الطريق
كانت بداية جديدة بتتكتب
مش بالعيلة اللي اختارت تهمشني
لكن بالشخص اللي اخترت أكونه.
العقيد ياسمين الشريف
مش ضيف إضافي بعد الآن.
تمت
حكايات محمد عبده