بعد انتهائي من نوبة عمل

لمحة نيوز

بعد انتهائي من نوبة عمل مرهقة استمرت ستة عشر ساعة كاملة، ارتكبت خطأً غريبًا لم أكن أتخيل أنني قد أقع فيه يومًا. صعدت إلى الطائرة الخطأ، وأنا واثق تمامًا أنني في طريقي للعودة إلى القاهرة. لكن عندما فتحت عينيّ على ارتفاع ثلاثين ألف قدم فوق المحيط الأطلسي، اكتشفت أنني نمت في المقعد الشخصي لرجل ملياردير يملك طائرة خاصة. كنت متأكدًا أنه سيأمر بالقبض عليّ فور هبوطنا لكن كلماته الأولى لي غيّرت مستقبلي بطريقة لم أكن أتخيلها أبدًا.
الإرهاق الشديد يمكن أن يجعل حتى أذكى إنسان يفعل أشياء لا تُصدق.
في تلك الليلة الإرهاق وضعني على الطائرة الخطأ.
كنت قد أنهيت ستة عشر ساعة متواصلة من رعاية طفل كثير البكاء في الإسكندرية، ولم يتبقَّ لدي أي طاقة تقريبًا لأبقي عينيّ مفتوحتين.
كان هناك شيء واحد فقط يدور في رأسي
أرجع إلى القاهرة.
أرتمي على السرير.
أنام حتى يوقظني المنبه.
لم أكن أريد مغامرات
ولا مفاجآت
ولا أي تغيّر في القدر.
كنت أريد النوم فقط.
ملابسي كانت مجعدة، وشعري مربوط بشكل عشوائي، ومع كل خطوة في المطار، كانت حقيبتي تبدو أثقل وكأن وزنها يتضاعف.
نظرت إلى بطاقة الصعود
رحلة 847
البوابة 12A
المقعد 14B
بدا الأمر بسيطًا.
سافرت للعمل عشرات المرات من قبل، ولم أخطئ أبدًا.
لكنني أيضًا لم أحاول التنقل داخل مطار مزدحم وأنا شبه نائم.

عندما وصلت أخيرًا إلى البوابة، لاحظت شيئًا غريبًا.
الطائرة كانت أصغر مما توقعت
وأكثر أناقة
وأفخم بكثير من أي طائرة عادية.
للحظة سخيفة، فكرت
هل تمت ترقيتي؟
ربما قرر الحظ أخيرًا أن يبتسم لي.
صعدت إلى الطائرة
وتجمدت في مكاني.
المقصورة كانت مذهلة.
مقاعد جلدية بلون كريمي
إضاءة هادئة
مساحات واسعة بشكل غير طبيعي
كل شيء يصرخ بالثراء.
وكانت الطائرة فارغة.
يبدو أن اليوم حظي حلو تمتمت.
وضعت حقيبتي، وجلست في أنعم مقعد جلست عليه في حياتي
وأغمضت عيني.
دقيقة واحدة فقط
لكن الدقيقة تحولت إلى أعمق نوم عشته منذ شهور.

لم أسمع إقلاع الطائرة.
لم أشعر بالحركة.
لم أعرف أننا غادرنا نيويورك.

الصوت الذي أيقظني كان صوت رجل.
هادئ عميق وكأنه مستمتع بالموقف.
أنت جالس في مكاني.
فتحت عينيّ فجأة.
ثم رأيته.
طويل عريض الكتفين يرتدي بدلة رمادية أنيقة وعيناه زرقاوان حادتان.
لكنه لم يكن غاضبًا.
بل بدا مستمتعًا.
أنا آسف جدًا تمتمت.
ثم نظرت من النافذة
سحب لا نهاية لها.
تجمد قلبي.
أنا فين؟!
على طائرتي الخاصة. قال بهدوء.
ثم أضاف
نحن في طريقنا إلى باريس.
باريس؟!
جلست بسرعة مفزعة.
يا نهار أبيض! لازم ترجع الطيارة فورًا!
رفع حاجبه بهدوء
نحن على ارتفاع ثلاثين ألف قدم.
نظرت للخارج لا شيء سوى السحب.
أنا كده ضعت
ابتسم
خفف من الألفاظ.
طيب أعمل إيه دلوقتي؟!
ولا حاجة.
ثم جلس بجانبي بكل هدوء.
إزاي ولا حاجة؟!
هنكمل الرحلة.
إنت بتهزر؟!
لا.
ثم سحب جواز سفري من حقيبتي بهدوء.
معاك جواز.
تذكرت فجأة رحلة قديمة إلى إيطاليا.
بس ليه؟ ليه مش متضايق؟
نظر إليّ طويلًا
ثم قال بصوت منخفض
لأن بقالى سنين محدش حس بالأمان كفاية علشان ينام على طائرتي.
تجمدت.
يعني إيه؟
الناس بتخاف مني
ثم نظر لي
لكن أنت كنت مرتاح.

إنت مين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة
اسمي سيف الكيلاني.
شعرت أن الأرض انسحبت من تحتي.
مؤسس شركة الكيلاني للتكنولوجيا
واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر
وشخص يخشاه الجميع.
إنت سيف الكيلاني؟!
أيوه.
وسايبني أكمل الرحلة؟!
أيوه.
ليه؟
نظر من النافذة وقال
مفيش صدفة بتحصل من غير سبب.

الساعة اللي بعدها كانت كأنها حلم.
طلب عشاء فاخر
مش أكل طيارة عادي لا
أكل مطعم خمس نجوم.
وسألني عن حياتي
وشغلي
وأحلامي
أحلامي!
مش فاكر آخر مرة حد سألني السؤال ده.
والأغرب
إنه كان بيسمع.
بجد.

قبل الوصول بساعات قليلة
كنت بضحك لأول مرة من شهور.
ونسيت التعب
ونسيت حتى إني ركبت الطيارة الغلط
تقريبًا.

فجأة
دخلت مضيفة الطيران وهي مرعوبة
يا فندم!
وقف فورًا.
في إيه؟
اختفت ابتسامته تمامًا.
في حد دخل على حساباتك البنكية
سكت المكان كله.
الجو برد فجأة.
ثم ببطء
بص لي.
ودمي اتجمد.
لأن
كان في شنطة جلد سودا على رجلي.
شنطة أنا أخدتها بالغلط

بصيت عليها
وبصيت له
ومن نظرة عينه
عرفت إن الشنطة دي
ماكانش المفروض تكون معايا أبدًا.

لو عايز تكملة القصة،  
الجزء الثاني
تجمدت في مكاني
وعيني معلّقة على الشنطة الجلد السوداء اللي على رجلي.
صوتي خرج مهزوز
أنا أنا أخدتها بالغلط والله ما أعرف دي بتاعت مين
لكن سيف الكيلاني ما ردش فورًا.
كان واقف قدامي، عينيه باردة وثابتة كأنه بيقرأني.
ثم مد إيده بهدوء وأخذ الشنطة من فوق رجلي.
فتحها ببطء.
وكل ثانية كانت بتعدّي كانت قلبي بيدق أسرع.
المضيفة واقفة مستنية والتوتر مالي المكان.
أخيرًا فتح الشنطة بالكامل.
وسكت.
بص جوه ثم قفلها تاني بهدوء شديد.
المضيفة قالت بسرعة
يا فندم، الفريق التقني بيحاول يوقف الاختراق، بس
رفع إيده، قاطعها
سيبينا لوحدنا.
المضيفة خرجت فورًا.

بقيت أنا وهو في صمت تقيل.
قلت بسرعة
أنا والله ما ليش دعوة بأي حاجة أنا حتى ما كنتش أعرف إني على طيارتك!
سيف بصلي نظرة غريبة، مش غضب ولا شك كامل.
أنا عارف.
اتصدمت
عارف؟!
لو كنت بتكذب كنت هتتصرف غير كده.
بلعت ريقي
طب الشنطة دي فيها إيه؟
سكت لحظة ثم قال
فيها حاجة ناس كتير مستعدة تقتل علشانها.
حسيت الدم نشف في عروقي.
أنا أنا مش عايز مشاكل أول ما نوصل هنزل وخلاص.
لكنه فجأة قال
لا.
رفعت عيني له
لا؟!
إنت مش هتنزل من الرحلة دي كأن حاجة ما حصلتش.
يعني إيه؟!
قرب خطوة وصوته بقى أخفض
واضح إن في حد حاول يوصل لحساباتي وفي نفس الوقت الشنطة دي اتحركت من مكانها واتبدلت.
قلبي وقع.
إنت تقصد إن حد ورّطني؟!
أو استخدمك من غير ما تعرف.

قعد قدامي تاني لكن المرة دي مفيش ابتسامة.
إسمك إيه؟
أحمد.
بتشتغل إيه يا أحمد؟
ممرض أطفال.
هز رأسه ببطء كأنه بيثبت حاجة في دماغه.
شخص زيك مش هيبقى جزء من اللعبة دي بإرادته.
قلت بسرعة
أكيد طبعًا!
سكت شوية ثم قال
بس للأسف إنت بقيت جوه اللعبة.

حسيت الدنيا بتلف.
أنا؟! أنا مالي؟!
لأن الشنطة كانت معاك.
بس بالغلط!
الناس اللي ورا الموضوع ده مش هيفرق معاهم بالغلط ولا لأ.

سكتنا لحظة.
ثم قال فجأة
إنت واثق إن محدش خبط فيك في المطار؟ أو قرّب منك؟
حاولت أفتكر
زحمة ناس كتير حد خبّط فيّ فعلاً عند البوابة
استنى آه في واحد خبّط فيا فعلاً.
عينه لمعت
شكله إيه؟
مش فاكر كويس كان لابس كاب ونضارة
شد على إيده
تمام كده الصورة بدأت توضح.

فجأة الطيارة اهتزت اهتزاز خفيف.
صوت الكابتن أعلن
في اضطراب جوي بسيط
لكن سيف ما اهتمش.
كان مركز معايا أنا.
إسمع كويس يا أحمد
صوته بقى حاد
من اللحظة دي إنت تحت حمايتي.
اتصدمت
حمايتك؟!
لأن اللي حصل ده مش صدفة عادية.
بلعت ريقي
وإيه المطلوب مني؟
بصلي بثبات
توصل معايا لباريس ونفهم مين اللي بيحاول يوقعني وليه اختارك إنت تحديدًا.

حسيت إني دخلت فيلم مش حياتي.
أنا كنت عايز أنام بس
لقيت نفسي في طيارة ملياردير
وفي نص مؤامرة!

لكن السؤال اللي كان بيخوفني بجد
ولو الناس دي حاولت توصل لنا؟
سيف ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها مخيفة
يبقى هما اللي غلطوا.

وفجأة باب المقصورة اتفتح بعنف.
ودخل واحد من طاقم الطائرة وشكله مرعوب
يا فندم في حد على متن الطيارة مش موجود في قائمة الركاب!
اتجمدت مكاني.
وبصيت لسيف
اللي عينيه بقت مظلمة تمامًا.
وقال بهدوء مرعب
واضح إن اللعب بدأ بدري

تكملة الجزء الثالث هتكون أقوى
الجزء الثالث
الصمت نزل على المكان كأنه حمل تقيل.
أنا وسيف وراجل الطاقم اللي واقف بيترعش عند باب المقصورة.
سيف ما اتحركش بسرعة بالعكس، صوته طلع هادي جدًا
مين هو؟
الرجل رد بتوتر
مش عارفين يا فندم بس العدد مش مطابق وفي حد اتحرك في الجزء الخلفي من الطيارة من غير إذن.
قلبي بدأ يدق بعنف.
سيف وقف ببطء وملامحه اتغيرت تمامًا.
اختفى الرجل اللي كان بيضحك معايا من شوية
وظهر شخص تاني أخطر وأهدى بشكل مرعب.
اقفلوا كل الممرات ومحدش يتحرك لوحده.
تمام يا فندم.
الراجل خرج بسرعة.

بصلي
 

تم نسخ الرابط