وقعت على أوراق الطلاق
وقّعتُ على أوراق الطلاق دون أن أنطق بكلمة.
زوجي، نادر بيومي، المدير التنفيذي الملياردير لشركة "سكاي لينك"، كان مستندًا إلى كرسيه الجلدي الفاخر، ودفع بطاقة ائتمان سوداء فوق الطاولة الخشبية اللامعة.
قال ببرود:
"خديها يا إيمان. هتكفيكِ شقة رخيصة كام أسبوع. اعتبريها تعويض عن السنتين اللي ضيعتيهم من عمري."
نظرتُ إلى البطاقة… لكني لم ألمسها.
بالقرب من النوافذ، كانت مروة فؤاد—عشيقته ومديرة الاستراتيجية الجديدة في "سكاي لينك"—تضحك وهي تراجع العرض التقديمي الذي ستقدمه للمستثمرين بعد قليل.
قالت بثقة:
"خوارزمية أستر هتخلي تقييم الشركة يوصل لمليارين دولار."
قالتها وكأنها هي من ابتكرتها.
الجميع في الغرفة كان يعتقد أنني لا شيء.
كانوا يعرفونني باسم إيمان راضي، نادلة سابقة في كافيه، وأن نادر هو من "أنقذني". كنت أرتدي كارديجان بسيط، وحذاء رخيص، ولا أضع أي مجوهرات سوى خاتم زواجي.
رأوا البساطة… فظنوا الفقر.
رأوا الصمت… فظنوا الضعف.
في زاوية الغرفة، جلس رجل مسن يرتدي سترة قديمة. كتفاه منحنِيان، ونظارته منخفضة على أنفه. نادر بالكاد لاحظه.
لم يكن يعلم أن هذا الرجل يمتلك البرج بأكمله.
ولم يكن يعلم أيضًا… أنه جدي.
قال نادر باستخفاف:
"الجوازة دي كانت أسوأ استثمار في حياتي."
كررتُ بهدوء:
"أسوأ استثمار؟"
"آه. لما قابلتكِ كنتِ بتقدمي قهوة. أنا دخلتكِ عالم أحسن، بس عمرك ما اندمجتي فيه. بتكسفيني في المناسبات، ومش بتعرفي تأثري على المستثمرين… وبصراحة، مملة."
ابتسمت مروة بخبث.
وأضافت:
"دي قدمت شُربة بيتية لمديري التسويق!"
قلتُ بثبات:
"وخلصوا الطبق للآخر."
تأفف نادر وقال:
"عندنا اجتماع مع مستثمرين بخمسين مليون الساعة اتنين. مستشاريني شايفين إن صورتي هتبقى أقوى وأنا داخل الطرح كشخص أعزب."
نظرتُ إليه:
"يعني أنا عبء؟"
"دي شغل يا إيمان. عقد ما قبل الجواز مش بيديكي حاجة… بس أنا كريم."
ودفع البطاقة نحوي أكثر:
"خديها واختفي. حتى العربية الهوندا هسيبهالك."
خلعتُ خاتم زواجي… ووضعته فوق البطاقة.
"مش عايزة لا ده ولا ده."
صفق نادر بأصابعه نحو الرجل العجوز:
"اصحى يا عم، وخلص الورق. أنا بدفع لشركتك ألف دولار في الساعة."
رفع الرجل العجوز نظارته ببطء… ثم وقف.
اختفى انحناء ظهره فجأة، وبدا أطول، وأكثر حدة وهيبة مما توقعه الجميع.
قال بصوت هادئ لكنه قوي:
"قبل ما أوثّق أي حاجة… لازم نتكلم عن صحة عقد ما قبل الزواج، وملكية تكنولوجيا الشركة، وكمان الإفصاحات المالية للسيد نادر."
ضحك نادر باستهزاء:
"إنت موثّق… مش محامي."
أجابه الرجل:
"وأكتر من كده بكتير."
ثم التفت إليّ:
"متأكدة إنك عايزة تكمّلي يا إيمان؟"
ابتسمتُ لأول مرة ذلك اليوم:
"آه… يا جدي."
ساد الصمت المكان.
قال الرجل:
"اسمي الدكتور طه راضي. رئيس شرفي لمجموعة راضي العالمية… ومالك المبنى ده… والوصي على براءات اختراع نظام أستر."
تجمّد نادر وهو ينظر إليّ:
"جِدك؟!"
قلت بهدوء:
"اسمي الكامل دكتورة إيمان كمال راضي."
"مستحيل! إنتي كنتي نادلة!"
"اشتغلت في كافيه… بس دي ما كانتش القصة كلها."
قبل وفاة والديّ، كنت قد حصلت على دكتوراه في الرياضيات الحاسوبية، وطورت نظام "أستر"—نظام ذكي للتنبؤ يُستخدم في التخطيط الطبي والطوارئ.
أخفيت اسمي الحقيقي… لأنني أردت حياة عادية.
وعندما كانت شركة نادر على وشك الإفلاس، سمحت له بتجربة "أستر" بعقد مؤقت. وثقت فيه… وتركته يعرض التقنية من خلال شركته.
لكنه بدلًا من ذلك… سرق عملي.
ومكّن مروة من نسبه لنفسها.
وضع جدي ملفًا على الطاولة وقال:
"العقد يمنع أي استخدام تجاري غير مصرح به، أو ادعاء ملكية كاذب، أو تضليل المستثمرين. والسيد نادر وقّع عليه بنفسه."
هز نادر رأسه بعصبية:
"أستر ملك لشركتي!"
نظرتُ إليه بثبات:
"لا… أستر ملكي أنا."
تفقد جدي ساعته وقال:
"ومن الساعة 9 صباحًا… تم إيقاف الترخيص."
نظرتُ إلى الساعة… كانت 1:42 ظهرًا.
لم يتبقَّ على عرض المستثمرين سوى 18 دقيقة.
قلتُ بهدوء:
"من غير أستر… شركتكم ما عندهاش حاجة تقدمها."
—
القصة طويلة ومش هتنفع في الكابشن… اكتبوا "YES" علشان تقروا باقي الأحداث 👇👇
جلَس الصمت في الغرفة كأنه حكم نهائي.
نادر شحب وجهه فجأة، وكأن الأرض انسحبت من تحته. مروة نظرت إليه بقلق لأول مرة، ثم التفتت نحوي وهي تحاول التماسك.
"ده تهديد، صح؟" قالتها وهي تبتسم ابتسامة مصطنعة.
"إحنا خلاص قدمنا العرض… المستثمرين في الطريق."
جدي أغلق الملف بهدوء:
"بلّغوهم بالحقيقة إذًا."
نادر ضرب الطاولة بيده:
"مفيش وقت للكلام الفاضي ده! العرض هيتم… وأستر شغال!"
رفعتُ حاجبيّ بهدوء:
"جرّب."
أخرج هاتفه بسرعة، وبدأ يطلب رقم المدير التقني.
"يوسف، افتح النظام حالًا… عايز تأكيد إن أستر جاهز للعرض."
ساد صمت لثوانٍ… ثم تغيّر لون وجهه.
"إيه؟!" صرخ.
"إزاي السيرفرات وقفت؟! إزاي النظام مش بيرد؟!"
أغلقتُ عينيّ للحظة… ثم فتحتها:
"لأن الترخيص اتسحب. كل خوارزمية أستر مربوطة بمفتاح تشغيلي خاص بيا."
مروة تقدمت خطوة للأمام، صوتها بدأ يهتز:
"طيب… نعرض النسخة اللي عندنا!"
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة:
"النسخة اللي عندكم؟ دي مجرد واجهة عرض… من غير القلب الحقيقي للنظام."
جدي أضاف:
"وأي محاولة لتشغيلها أو تقديمها كمُلكية خاصة بيكم… هتُعتبر احتيال رسمي على المستثمرين."
نادر بدأ يفقد أعصابه تمامًا:
"إنتي بتدمري الشركة!"
نظرتُ إليه بهدوء شديد:
"أنا؟ ولا أنت اللي سرقت مجهودي وكذبت على الكل؟"
في تلك اللحظة، رنّ هاتف مروة.
نظرت إلى الشاشة… ثم فتحت الاتصال بسرعة.
"أيوه؟… آه، إحنا جاهزين…"
توقفت فجأة، وملامحها انهارت.
"إيه؟! المستثمرين وصلوا؟!"
أغلقت الهاتف بيد مرتعشة:
"نادر… هما فوق… في قاعة الاجتماعات."
نظر إليها… ثم إليّ.
ولأول مرة… لم يكن في عينيه غرور.
كان هناك خوف.
قال بصوت منخفض:
"إيمان… خلينا نتكلم بهدوء. أكيد نقدر نحل الموضوع."
ضحكتُ بخفة:
"دلوقتي بقيت عايز تتكلم؟"
اقترب خطوة:
"اسمعي… نقدر نديكي نسبة في الشركة. شراكة… أي حاجة إنتي عايزاها."
هززت رأسي:
"أنا كان عندي كل ده… واخترت أكون جنبك. إنت اللي ضيّعته."
جدي نظر إليه بنظرة حاسمة:
"قدامك اختيارين:
إما تعترف بالحقيقة حالًا…
أو نبلّغ المستثمرين والجهات القانونية بكل التفاصيل."
صمت نادر… وصوت أنفاسه كان واضح.
ثم فجأة… فتح الباب بعنف وخرج مسرعًا.
مروة وقفت للحظة، مترددة… ثم لحقت به.
نظرتُ إلى جدي:
"هيحاول يكذب."
ابتسم جدي بثقة:
"وأنا مستني اللحظة دي."