طول ٢٨ سنة ابويا بيناديني بنت الحرام
مستنيني زي السكينة اللي بتتغرس في الصدر.
نسبة التطابق الجيني مع ميرفت الألفي 0.
إيدي اتملخت ووقعت.
الموبايل اتزحلق من إيدي على الكنبة.
كلمت المعمل وأنا مش حاسة بنفسي.
صوتي مكنش شبه صوتي خالص.
راجعوا رقم الحالة.
راجعوا العينات.
راجعوا خطوات الفحص والاستلام.
مفيش أي غلطة.
مفيش أي تلوث في العينات.
مفيش أي تبديل في المعمل.
مفيش أي حاجة غلط.
قعدت في مكاني، مبرقة في التقرير، وفي سؤال واحد بس انفتح زي القبر جوه قلبي
لو ميرفت مش أمي بالدم... يبقى في مكان ما في مصر، في ست تانية عاشت حياتي أنا...
وفي مكان ما، بنتها الحقيقية بتاعة أمي اتسرقت منها قبل ما حتى تسمع صرختها الأولى في الدنيا.
فضلت ست ساعات كاملة قاعدة قدام شاشة اللاب توب، باصة للتقرير اللي ممسوح منه كل حياتي.
نسبة التطابق الجيني مع عاصم الألفي 0
نسبة التطابق الجيني مع ميرفت الألفي 0
أنا قضيت عمري كله بهيأ نفسي للسطر الأول.. عمري ما عملت حساب للسطر التاني!
لما طارق رجع من التجمع، غرقان من مطر الشتا، وقف على الباب. نظرة واحدة لوشي خلت خوذة الموتوسيكل تقع من إيده على الأرض.
شاهي؟ في إيه؟
لفيت الشاشة ناحيته. قرا السطور وهو واقف في مكانه، وبعدين وببطء، وكأن رجليه مابقتش قادرة تشيل الوجع ده كله، قعد جنبي.
همس لأ.. مش ممكن.. المعمل غلطان.
ضحكت ضحكة مكسورة، طالعة من حتة ضلمة جوايا ده نفس اللي أنا قلته بالظبط.
مد إيده عشان يمسك إيدي، بس أنا بعدت.. مش عشان مش عوزاه، بس عشان اللمسة ساعتها كانت هتخليني أصدق إن الكابوس ده حقيقة.
قلت وصوتي مخنوق أنا مش بنته.. ودي كنت عارفاها ومستنياها. بس أنا مش بنت أمي كمان يا طارق! مش بنتها!
طارق حط إيديه الاتنين على بقه، وعينيه اتملت دموع، في حين إن عينيا أنا فضلت ناشفة. الصدمة قاسية أوي، بتجمد الدموع جوه العين عشان تخليك تنزف من جوه ومن غير صوت.
المواجهة الكبرى في فيلا الزمالك
على الساعة 940 بالليل، تليفوني رن.. شفت اسمها بينور على الشاشة أمي.
الكلمة دي بقى معناها إيه دلوقتي؟
الست اللي كانت بتغنيلي وتطبطب عليا وأنا عيلة صغيرة.. الست اللي كانت بتعملي كمادات دافية وتدعيلي ليلة كل امتحان.. الست اللي كانت بتسيب لي آخر حتة مانجة وتقولي مابحبهاش وهي بتموت فيها. الدم ماعملش كل ده.. الحب والتربية هما اللي عملوه.
لما رديت، صوتي كان بيرتعش أيوة يا أمي.
قالت بصوت واطي ومكسور يا بنتي.. التقرير طلع؟
غمضت عيني، وطارق ضغط على كتفي يثبتني أيوة يا أمي.. طلع.
ساد حتة سكات غريب، وبعدين قالت كلمتين وبس تعالي البيت.
مسألتش مكتوب فيه إيه؟ ولا طلعتي بنته؟.. قالت بس تعالي البيت.
رحنا. الفيلا البيضا في الزمالك كانت زي ما هي من برا.. الحيطان الشيك، الشجر المقصوص بالمسطرة، ويافطة النحاس اللي بتلمع تحت النور عاصم الألفي. اسمه على البيت، اسمه على حياتنا، واسمه على كل جرح اتجرحناه.
أمي كانت مستنيانا في أوضة الصالون، لسة بجلابيتها الخضرا الفاتحة، شعرها كان مفرود، وعينيها كانت واسعة ومرعوبة. جدتي كانت قاعدة جنبها، ضهرها مفرود، وإيدها بتسبح على سبحتها من غير صوت.
دخلت، وحطيت التقرير المطبوع قدامهم على التربيزة.
أمي قرت السطر الأول.. إيدها اترعشت.
وبعدين قرت السطر التاني..
الورقة وقعت من حجرها على الأرض.
الصالون كله سكت لثواني، وبعدين أمي طلعت صرخة عمرها ما طلعت من بني آدم.. مكنتش صرخة عالية، كانت ألعن.. كانت صوت 28 سنة بيتهدوا فوق دماغنا.
رميت نفسي تحت رجليها أمي..
مسكت وشي بين إيديها بجلد وعنف لأ.. لأ يا شاهيناز! إياكي تبصيلي كأنك ماشية وسايباني!
مش هسيبك والله.
ضاقت ضوافرها في خدودي أنتِ بنتي.. سمعاني؟ أنتِ بنتي أنا!
أنا انهرت ساعتها.. مش عشان ال DNA بيقول إني مش بنتها، عشان شفتها بتحارب الورقة دي كأنها شيطان عاوز يخطفني منها.
قلت وأنا بشهق من البكاء أنا مابقتش عارفة أنا مين يا أمي!
زعقت أنتِ بنتي!
بس بنتك الحقيقية.. بنتك اللي من دمك..
حطت كف إيدها على بوقي تكتم كلامي أنتِ اللي حقيقية!
من ورايا، جه صوت جدتي ناشف وبيترعش وفي مكان تاني.. في بنت تانية حقيقية برضه.
أمي اتسمرت، وإيديها وقعت من على وشي. وبقينا احنا التلاتة باصين للورقة كأنها بيت بيتحرق قدامنا.
ليلتها محدش فينا داق النوم. وعلى الفجر، جدتي فتحت الدولاب الخشب القديم في أوضتها، وطلعت صرة قماش مربوطة بخيط أحمر. كان جواها ورق، صور قديمة، فواتير مستشفى، ونسخة إخطار الولادة اللي مخبياها من 28 سنة.
المستشفى دار الشفاء للولادة.
العنبر ب.
المولود أنثى.
الوقت 1147 بالليل.
أمي كانت بتهز راسها برفض جنوني غلط.. الكلام ده غلط. أنا فاكرة الساعة كانت 1158 قبل نص الليل بدقيقتين. أنا فاكرة لإن الوجع كان هيموتني وفجأة سكت، والدكتور ضحك وقال لي بنتك كانت مستنية عشان متتولدش في يوم جديد يا مدام ميرفت. أنا فاكرة الممرضة وهي بتحط البنت على صدري.. شفتها لثانية واحدة بس.
سألتها كان شكلها إيه؟
أمي بصت لي، وملامح الذنب والوجع قطعت وشها كل العيال المولودة شبه بعض يا بنتي.. بس.. بس كان عندها وحمة حمرا صغيرة هنا بس لما خدتك فى حضنى بعد كده ملقتش وحمه وافتكرت أن دى تهيؤات من الولادة و تعبها.
شاورت بصباعها على جنب رقبتها.
جدتي غمضت عينيها وحمة؟
أمي همست أيوة.. شبه شعلة نار صغيرة.
إيدي راحت لرقبتي تلقائي.. مفيش حاجة.. أنا عمري ما كان عندي وحمة.
سقوط الطاغية
على الفطار، عاصم الألفي حس إن في مصيبة حصلت. دخل غرفة السفرة بالجلابية البيضا المكوّية ونضارة القراية على أرنبة مناخيره، كأنه مكسرش تلات ستات قبل ما الشمس تطلع.
بص لنا وقال ببرود إيه؟
محدش رد.
بصلي وابتسم التقرير وصل؟
وقفت في مكاني أيوة.
أمي مسكت معصم إيدي من تحت التربيزة جامد، وعاصم لمح الحركة دي، فابتسامته وسعت وبقت أخبث عظيم.. يبقى نقفل السيرة دي ونحل الموضوع ده زي ما الأصول بتقول.
جدتي بصت له بحدة أصول إيه يا عاصم؟
قال وهو بيصب الشاي في فنجان بورسلين العيلة من حقها تعرف الحقيقة. مش عاوز همس ولا دراما في البيت.. الحقيقة وبس. وحط مظروف تاني على التربيزة.
دمي اتجمد في عروقي. كان معاه تقرير تاني!
سألته أنت عملت لي تحليل؟
رد بثقة قميئة أنا عملت تحليل لنفسي.. وليكي، من العينة اللي سبتيها بغباء على فنجان القهوة الأسبوع اللي فات.
طارق، اللي كان معايا من الصبح، وقف بسرعة لدرجة إن الكرسي اتهبد في الأرض اللي بتعمله ده غير قانوني ويوديك في داهية!
عاصم مبصش لطارق أصلاً وقال أنا خلاص مابقتش مستعد أكون الضحية والشرير في بيتي.
أمي وقفت، ووشها كان غير الوش اللي نعرفه أنت اللي عملت من نفسك شرير طول عمرك.
وشه اتقلب وغضب احسبي كلامك كويس يا ميرفت.
الكلمة دي كانت شايلة وراها تحذير وذل بتاع 28 سنة.. احسبي كلامك.. متتكلميش.. متتنفسيش بصوت عالي.. متفضحينيش بوجعك. بس في حاجة ماتت جوه أمي ليلتها، ومن رماد الست المكسورة دي، وقفت ست تانية خالص.
وقالتله وهي بتبص في عينه لأ.. أنت اللي تحسب كلامك وتلم نفسك من هنا ورايح.
عاصم بهت وبص لها كأن الكراسي