طول ٢٨ سنة ابويا بيناديني بنت الحرام

لمحة نيوز


والحيطان هي اللي بدأت تنطق وتتمرد عليه. جدتي ابتسمت على جنب ابتسامة نصر خفيفة.
بعد يومين، عاصم جمع العيلة كلها.. مش القرايب القريبين بس، لأ.. الكل.
خالات وعمات من أكتوبر، قرايب من طنطا والإسكندرية، شركاء ومقاولين بيقولوا على نفسهم إخواته، صحاب النادي.. الناس اللي كانت بتشوفه وهو بيذلنا طول السنين اللي فاتت وبيعيشوا على بواقي الإهانة بتاعتنا.
60 واحد اتجمعوا في نفس الصالة الكبيرة اللي اتعملت فيها قراية فتحتي. صواني الفضة كانت مليانة حلويات وورد، لإن عاصم كان بيحب القسوة والأذية تتقدم في غلاف من المظاهر والتقاليد.
أمي كانت قاعدة جنب صينية منهم، إيديها متطبقة في حجرها. وأنا قاعدة جنبها. وطارق واقف ورا ضهري زي الحيطة السند. كريم أخويا جه متأخر، تهرب من إنه يحط عينه في عيني، ووقف جنب عمود في آخر الصالة مع مراته.
أما جدتي، فقعدت في الصف الأول.. وكانت لابسة أبيض.. مش أبيض حداد.. أبيض حرب.
وقف عاصم قدام ال 60 واحد والمظروف في إيده النهارده، أنا بنهي كدبة سممت العيلة دي لمدة 28 سنة.
الهمس بدأ يشتغل في الصالة. عمتي حطت إيدها على بوقها بتمثيل درامي، وحد تاني همس يا حبيبي يا عاصم.. طول عمره شايل الهم.
كنت هضحك.. يا حبيبي يا عاصم! الراجل كان ماسك السكينة بيذبحنا بيها طول 28 سنة ومقنع الناس كلها إنه هو اللي بينزف!
رفع التقرير في الهوا التقرير ده بيثبت إن شاهيناز مش بنتي الشرعية والبيولوجية.
أمي اتنفضت.. مش صدمة، ده كان رد فعل تلقائي من كتر الخوف والتعود. الصالة اتقلبت.. شهقات، همس، صوت حد بيقول يا لهوي، والتاني بيقول كنت حاسس من زمان.
بص عاصم لأمي، وابتسامته كانت صغيرة وفرحانة.. زي راجل بيتفرج على جثة بتغرق. وقال أنا مش هقف في فرحها ولا هكتب لها شبر واحد من أملاكي.. الراجل مابيديش للحرامي اللي مملكوش.
أمي كانت ضاغطة على طرف صينية الفضة لدرجة إن قطع السندوتشات والحلويات كانت بتهتز.
وفجأة.. عاصم قلب الصفحة.
ابتسامته بدأت تختفي.. وتتلاشى.
أنا عرفت اللحظة اللي قرا فيها السطر التاني.. شفت عينيه وهي بتتحرك بسرعة.. وبعدين بتتحرك تاني.. وبعدين بتتسمر في مكانها وبلمعان غريب. الصالة كلها لاحظت السكات المفاجئ ده.
جدتي مالت لقدام وقالت بصوت جهوري اقرأ يا عاصم.. سكت ليه؟
نزل الورقة وإيده بترحش خلاص.. ملوش لزمة، الكلام المفيد اتقال.
أمي وقفت وبأعلى صوت عندها اقرأ التقرير!
جز على سنانه قلت ملوش لزمة!
طارق خطى خطوة لقدام خلاص.. أنا هقراه. وطلع نسختنا من شنطتي واداها لجدتي.
جدتي مكنتش محتاجة نضارة قراية، صوتها كان عجوز بس رن في كل ركن في القاعة
نسبة التطابق الجيني مع عاصم الألفي 0.
الهمس رجع تاني، جعان وعاوز يفهم.
وبعدين جدتي كملت
نسبة التطابق الجيني مع ميرفت الألفي 0.
سكات.. سكات حقيقي وقاتل.. النوع اللي بيخلي الحيطان نفسها تسمع.
بوق عمتي فضل مفتوح ومطلعش منه الهوا. كريم بصلي لأول مرة وعينيه مرعوبة. أمي ضهرها اتهز وكانت هتقع، فلحقتها ومسكتها.
وش عاصم اتقلب وبقى لونه رمادي زي التراب.
جدتي طوت الورقة بنظام حاد قولنا بقى يا عاصم.. أمها ارتكبت أنهي خطيئة؟ إنها ولدت؟ ولا إن بنتها اتسرقت منها في المستشفى؟
محدش نطق.. وفجأة، صينية الفضة اتزحلقت من إيد أمي وخبطت في الأرض برنة هزت المكان. الحلويات والورد اتبعثروا على الرخام زي القربان المكسور.
عاصم بص للحلويات، وبعدين بصلي، وبعدين بص لأمي.. لأول مرة في حياتي، مكنش عنده شتيمة ولا إهانة جاهزة يقولها.
الراجل اللي بنى مملكته وسلطته على الاتهامات والظلم، وقف عريان قدام عيلته وناسه.
وحتى في اللحظة دي، مِشتمش ومَعتذرش. بصلي وقال بجحود ده مش هيغير حاجة في الحقيقة.. أنتِ برضه مش بنتي.
أمي ضحكت.. ضحكة رهيبة، مرعبة، وفي نفس الوقت جميلة ده بيغير كل حاجة!
مشت ناحيته، وكل عين في القاعة كانت بتتحرك معاها. شدت المظروف والتقرير من إيده وقطعتهم نصين.. وبعدين قطعتهم تاني.. وتاني.. لحد ما الورق بقى زي المطر بيقع بينهم.
وقالت وهي بتبص في عينه بقوة تزلزل أنت دفنتني وعيشتني في تربة طول 28 سنة.. النهارده، أنا بحرق الست والزوجة اللي كنت فاكر إنك تملكها وتذلها.
عاصم همس بضعف ميرفت..
شاورت بإيدها على الباب ولا كلمة زيادة.. برا!
بص حواليه، مستني أي حد من ال 60 قريب يدافع عنه أو يتكلم.. محدش فتح بوقه. حتى العائلات الغنية دي بتعرف امتى الصنم بيقع ويتكسر.
على المغربية، كنا وصلنا للعنوان اللي جدتي شايلاه للممرضة. جدتي صممت تيجي معانا، وطارق هو اللي كان سايق. أمي كانت قاعدة ورا ومادّة إيدها ماسكة إيدي بقوة لدرجة إن صوابعنا كانت بتوجعنا.
العنوان مخدناش لفيلل ولا قصور، ودانا لحارة ضيقة ورا كنيسة قديمة في حي مصر القديمة. مارتا كانت عايشة في الدور التاني في بيت قديم.
فتحت الباب بعد تالت دقة. كانت ست قصيرة، شعرها أبيض زي الفضة، بشرتها مجعدة زي الورق المطبق، وعينيها اتقفلت من الرعب أول ما شافت جدتي.
همست أنتِ؟
وش جدتي خشب أيوة.. أنا.
مارتا حاولت تقفل الباب بسرعة، بس طارق حط رجله ومنعه لو سمحتِ.. أنا عاوزة أعرف أنا مين بس.
الممرضة العجوزة بصت لي.. بصت في وشي أوي، وشفايفها اتهزت يا مريم العذراء..
أمي زقتها ودخلت وصوتها بيتجرح بنتي.. بنتي فين؟
مارتا بدأت تعيط.. مش عياط ذوقي ولا عياط واحدة اتمسكت في غلطة.. ده كان عياط ست بقالها 28 سنة مستنية العقاب والذنب يخلص.
دخلتنا شقتها الصغيرة، كانت ريحتها أدوية وأسرار قديمة. على الحيطة كان في صليب خشب وتحته صورة قديمة لمارتا وهي في سن الشباب بلبس التمريض الأبيض.
قعدت وشبكت إيديها ببعض أنا اتقال لي إن ابن أو بنة عيلة الألفي ماتت ليلتها.
أمي طلعت صوت مكتوم ومسكت في دراعي.
مارتا هزت راسها بسرعة لأ.. مش ماتت. ده اللي الدكتور قالهولي ليلتها. كان في بنت تانية من ست تانية، مولودة ضعيفة جداً وبتموت. المستشفى كانت مقلوبة، النور قطع لكام دقيقة، والمولد باظ في الجناح الشرقي. حالتين ولادة في نفس الوقت.. بنتين.. عيلة غنية وليها نفوذ، وست غلبانة لوحدها.
زعقت فيها مين الست دي؟ اسمها إيه؟
بلعت ريقها بصعوبة ست كان اسمها نعمة رأفت.
الاسم مكنش يعني لي حاجة، ومع ذلك قلبي دق بسرعة كأنه افتكر نغمة قديمة كان بيسمعها وهو جنين.
قالت مارتا وهي باصة في عنيا هي ولدت الساعة 1147 بالليل.. وأمك ولدت 1158.
جدتي غمضت عينيها الحداشر دقيقة.. القبر المفتوح بين حياتين.
مارتا كملت الدكتور اللي كان واقف اسمه دكتور شريف بدير. هو اللي قال البنت دي لازم تتنقل للحضانة والملاحظة فوراً. ادى الأوامر وأنا نفذت. لما رجعت.. لقيت غوايش التمريض والبطاقات اللي في إيدين العيال اتبدلت.
أمي همست والرعب واكلها مين اللي بدلها؟
عينين مارتا اتملت خوف مقدرش أثبت.. مقدرش.
جدتي زعقت انطقي الاسم يا مارتا!
بصت في الأرض الدكتور.. دكتور بدير.
الأوضة سقعت.. سألتها ليه؟ ليه يعمل كده؟
مارتا حطت قفل إيدها على بوقها عشان الست اللي اسمها نعمة دي اختفت وهربت قبل الصبح. مفيش ورق خروج، مفيش قرايب، مفيش أي حاجة. ومدير المستشفى قال لنا ليلتها لو حد فتح بوقه، هنترمي في الشارع وبيوتنا هتتخرب.
أمي كانت بتهز راسها بانهيار طب بنتي فين؟ بنتي
 

تم نسخ الرابط