إتهموني بالسرقة
بعد ما أنا رفضتها عشان كانت صغيرة ومش عاجباني!
من الصالة، جاء صوت أمي ينادي
سبيها يا شروق! هي عاوزه تروح تجرب المر بنفسها، خليها تتربى!
أغلقتُ سحاب الحقيبة، وشعرت بفراغ شديد في صدري. كنت أعتقد في الماضي أنهم يفضلون شروق لأنني عاقلة ومطيعة، لكنني فهمت الآن.. كانوا يفعلون ذلك لمجرد أنهم يعرفون أنني لن أجرؤ أبداً على الاعتراض.
2
عندما جاء أبي ليأخذني، ظل واقفاً عند باب الشقة ولم يدخل.
نظرت إليه أمي ونبحت فيه بقسوة
يا طارق، يارب متندمش! لو مريم جرى لها حاجة ولا أتساء معاملتها هناك، أنا مش هسكت لك!
نظر إليها أبي وجاء صوته بارداً كالجليد
والسنين اللي فاتت دي كلها لما كانت بتتظلم عندك هنا.. أنتِ عمرك رفعتِ عينك وشوفتيها؟
تجمّدت أمي في مكانها. وعلى الفور تجمعت الدموع في عينَي شروق وقالت بتمثيل
بابا! أنت بتقول إيه؟ قصدك إن ماما كانت بتعاملها وحش؟ أومال أنا إيه؟ ولا عشان اتجوزت واحدة جديدة خلاص مقتش عاوزني؟
مسد أبي على رأسه بتعب وقال
يا شروق، أنا عزمتك النهاردة تيجي معانا وأنتِ اللي رفضتِ.
مش رايحة!
تمام قال أبي بتصميم أنا بحترم رغبتك.
لم تتوقع شروق أن يكون رد أبي حاسماً بهذه الطريقة، فاستكانت وشحب وجهها.
سحبتُ حقيبتي وخرجتُ من الشقة. وقبل أن يغلق الباب، سمعتُ أمي وهي تحاول تهدئتها بصوت منخفض
ماتخافيش يا حبيبتي، بكرة أبوكي يعرف إنك أنتِ اللي حبيبته وأصلك طاهر، وأختك دي أسبوعين اتنين وهتجيلي زاحفة من القهر.
أُغلق باب الأسانسير.
وفي ذلك الفضاء الضيق، حان أبي عليّ ومسح على رأسي بحنان
يا مريم، لو حسيتِ هناك بأي حاجة مش مريحاكي، قوليلي على طول. مش مطلوب منك تتصنعي عشان تعجبي حد، ولا تتغصبي تبقي حد تاني غير نفسك.
خفضتُ رأسي وقلت بصوت خافت حاضر يا بابا.
كان المنزل الجديد في منطقة راقية بشرق القاهرة. وقبل أن نصل للباب، كانت يدانا تبتلان من العرق بسبب توتري.
فُتح الباب من الداخل.
كانت طنط نادية زوجة أبي تقف عند المدخل. كانت ترتدي فستاناً منزلياً أنيقاً بهادئ الألوان، واستقبلتنا بابتسامة دافئة للغاية.
فسحت لي المجال للداخل وقالت بصوت مبهج
نورتي بيتك يا مريم! ألف مرحب بيكي يا حبيبتي.
على جزامة الأحذية، كان هناك أربعة أزواج من النعال المنزلية الشباشب. وكان من بينها زوج جديد تماماً، بلون أخضر نعناعي هادئ، وعلى مقاس قدمي بالضبط.
أخذتني طنط نادية إلى الدور الثاني
تعالي يا مريم، أوضتك فوق، تعالي شوفيها وشوفي لو محتاجة نغير فيها أي حاجة عشان تعجبك.
وعندما فُتح باب الغرفة.. وقفتُ مبهورة في مكاني.
كانت الغرفة مشمسة ومقابلة للقبلي، الستائر بلون الكافيه الفاتح، والمفرش على السرير مخطط باللونين الأبيض والأزرق الناعم، وعلى المكتب المرتّب توجد أباجورة صغيرة لطيفة.
وعلى الجدار رفوف كتب فارغة، والدولاب مفتوح ونصفه مجهز بالكامل لي.
لم تكن غرفة ضيوف أُعدت على عجل.. بل كانت مكاناً طال انتظاره، صُمم وصُنع لي أنا بالذات.
عند باب الغرفة، كانت تقف فتاة طويلة القامة.
شعرها الأسود المنسدل مربوط للخلف، وعيناها تبدوان هادئتين وباردتين بعض الشيء.
نظرت إليّ لثوانٍ، ثم مدّت يدها وأعطتني ميدالية بها عدة مفاتيح
ده كارت البوابة الكبيرة، وده مفتاح الشقة، وده مفتاح أوضتك، وده مفتاح أدراج مكتبك.
أخذتها منها وأنا لا أعرف ماذا أقول من الصدمة، فأضافت بنبرة جافة
أوعي تضيعيهم، استخراج غيرهم بياخد وقت وعطلة.
رغم نبرتها الجافة، كانت الميدالية تحمل شكل نجمة صغيرة كيوت.
ضحكت طنط نادية وقالت لمُعرفتي بها
دي نورهان، أكبر منك بسنتين.. هي بس طبعها مابتكلّمش كتير ومعندهاش مقدمات.
قطمت نورهان حاجبيها وقالت
على فكرة يا ماما أنا بتكلم عادي!
ثم التفتت إليّ وقالت بحزم
لو حد مضايقك في المدرسة ولا في أي مكان.. قوليلي وأنا أظبطهولك.
قبضتُ على ميدالية المفاتيح في يدي بقوة، وشعرت بحرارة تتجمع في عيني من شدة التأثر.
في بيت أمي.. لم يكن يحق لي حتى أن أغلق درج مكتبي بالمفتاح.
وهنا، في بيت زوجة الأب التي طالما حذروني منها ومن قسوتها.. أصبحتُ أمتلك مفاتيح عالمي الخاص لأول مرة في حياتي.
في تلك الليلة الأولى، لم أستطع النوم تقريباً.
ليس بسبب الخوف.. بل لأن كل شيء كان جميلاً وأشبه بالحلم بشكل لا يُصدق.
تقلبُّت في فراشي بمنتهى الهدوء والخفة.. خائفةً من أن أحدث جلبة، حتى استيقظت واكتشفت أن كل هذا الجمال كان مجرد حلم جميل وانتهى وان الكابوس الحقيقى سوف يبدأد
في أول أسبوع ليا في البيت الجديد، كان كل شيء هادي ومريح بشكل ما حلمتش بيه قبل كده. طنط نادية كانت بتعاملني بكل ذوق وحنية، ونورهان رغم جفاف أسلوبها كانت دايماً تتأكد إن أكلتي كويسة وأدواتي كاملة.
لحد ما جه يوم الجمعة.. وبابا قرر يعمل عزومة غدا صغيرة للأهل عشان يعرفهم عليا بصفة رسمية.
البيت كان مليان ناس، وقرايب بابا وقرايب طنط نادية بقوا يتوافدوا. وفي وسط الحركة، دخلت طنط سناء أخت طنط نادية الكبيرة ست متكبرة وبصاتها كلها فحص وتقييم.
أول ما شافتني، بصت لي من فوق لتحت بنظرة استحقار، وقالت لطنط نادية بصوت مسموع للكل
هي دي بقى البنت اللي أخدتيها تعيش معاكي؟ مش خايفة يا نادية تأثر على نورهان ولا تعلمها عادات مش كويسة؟ ما أنتي عارفة التربية بتفرق برضه!
كنت واقفة في الصالة وسط الناس، وشي أحمر وجسمي كله بدأ يترعش. افتكرت كلام أمي