حماتي قالت قدام الكل مراتك عندها شقة
هاجر؟
لا.
أمال من مين؟
ياسر بص للأرض.
وبصوت خافت قال
من محمود.
سلمى شعرت أن كل حاجة وقفت.
ومحمود ده عايز مني إيه؟
ياسر رفع عينه لها.
مش منك.
أمال من مين؟
سكت.
من أبوكي.
سلمى اتجمدت.
أبويا؟
هز رأسه.
إنت بتتكلم عن إيه؟
قبل ما يرد، رن موبايل سلمى.
نظرت للشاشة.
رقم غير مسجل.
ردت بحذر
ألو؟
لم يرد أحد لثانيتين.
ثم جاء صوت رجل غريب
سلمى؟
أيوه، مين؟
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن الشقة روحي بيت أبوكي دلوقتي.
سلمى عقدت حاجبيها.
مين حضرتك؟
الصوت قال جملة واحدة
واسأليه عن محمود عبدالسلام.
ثم أغلق الخط.
سلمى أنزلت الهاتف ببطء.
رفعت عينيها ناحية ياسر.
إنت كنت عارف إن الموضوع له علاقة بأبويا؟
لم يجب.
ياسر!
قال بصوت مكسور
كنت خايف أقولك.
ليه؟
نظر لها طويلاً.
ثم قال
لأن أبوكي هو اللي باع الشقة الأولى.
سلمى شهقت.
إيه؟
شقتك اللي إنتِ اشتريتيها بفلوسك.
سلمى لم تستوعب.
مستحيل.
والفلوس اللي دفعتيها وقتها
سكت لحظة.
ما راحتش كلها للبائع.
سلمى شعرت أن قلبها وقع.
أمال راحت فين؟
ياسر قال
لمحمود عبدالسلام.
وفي اللحظة نفسها
رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ياسر بص ناحية الباب.
وسلمى لأول مرة شافت الخوف الحقيقي في عينيه.
مين؟
لم يرد.
جرس الباب رن للمرة الثالثة.
ثم جاء صوت رجل من خلف الباب
أنا محمود.
سلمى بصت لياسر.
وياسر لم يتحرك.
قال الرجل من الخارج
وجيت أخد حقي.
سلمى قربت من الباب.
لكن ياسر مسك إيدها بسرعة.
ماتفتحيش.
بصت له.
ليه؟
قال بصوت مرتعش
لأن محمود مش جاي عشان الفلوس.
سكت لحظة.
ثم أضاف
هو جاي عشان العقد.
سلمى فضلت باصة لياسر، وإيدها لسه في إيده.
العقد؟ عقد إيه؟
ياسر ما ردش.
جرس الباب رن تاني.
لكن المرة دي، محمود ما استناش.
صوته جه من ورا الباب
ياسر افتح. كفاية هروب.
سلمى سحبت إيدها من إيده.
إنت كنت عارف.
سلمى، اسمعيني.
كنت عارف إن في عقد؟
أيوه.
وعارف إن أبويا له علاقة؟
أيوه.
وعارف إن فلوسنا اتسحبت؟
سكت.
جاوبني!
أيوه.
سلمى رجعت خطوة.
كأن كل إجابة كانت بتسحب جزء من الأرض من تحت رجليها.
إنت خذلتني.
ياسر قرب منها.
أنا عملت كده عشان أحميكي.
ماحدش بيحميني بالكذب.
فتح الباب.
دخل محمود.
كان رجلًا في أواخر الخمسينات، هادئًا بشكل غريب، وفي إيده ملف بني.
بص لسلمى وقال
أنا آسف إنك عرفتي بالطريقة دي.
سلمى ردت
إنت مين؟
أنا الشخص اللي اشترى الشقة من والدك.
اتسعت عيناها.
أبويا باع شقتي؟
أبوك كان عليه ديون كبيرة، والشقة كانت الضمان.
محمود فتح الملف وأخرج أوراقًا.
إنتِ دفعتي تمن الشقة، لكن والدك كان مستخدم جزء من الفلوس لسداد ديونه. ولما اكتشفتِ الموضوع، كان الأوان فات.
سلمى هزت رأسها.
أنا مش فاهمة إزاي الشقة بقت باسمي؟
لأن والدك سدد الدين، وأنا وافقت أبيعها لكِ بعقد جديد.
سلمى بصت لياسر.
وإنت عرفت إمتى؟
قال بصوت منخفض
من أول جوازنا.
ضحكت سلمى بمرارة.
يعني كل السنين دي كنت عارف إن أبويا خد جزء من فلوسي؟
أيوه.
وسكت؟
لأن أبوكي طلب مني ما أقولكيش.
سلمى مسحت دموعها بسرعة.
وموضوع الشقة الجديدة؟
محمود وضع الملف على الطاولة.
الشقة الجديدة ما كانتش لأخت ياسر.
سلمى عقدت حاجبيها.
أمال لمين؟
محمود بص لياسر.
ياسر قال
لأبوكي.
سلمى اتجمدت.
إيه؟
أبوك كان عايز يرجع الشقة القديمة، لكنه ما قدرش. فمحمود اقترح حل تاني.
محمود أكمل
الشقة الجديدة كانت هتتسجل باسم هاجر مؤقتًا، لأن والدك عليه قضايا وديون تمنعه من تسجيل أي ممتلكات باسمه.
سلمى بصت لياسر بصدمة.
يعني فلوسنا كانت هتروح لأبويا؟
آه.
وهاجر؟
محمود قال
هاجر كانت مجرد اسم على الورق.
سلمى ضحكت من شدة الصدمة.
يعني أمي وأبويا وياسر وهاجر كلهم كانوا عارفين؟
ياسر نزل عينيه.
هاجر عرفت متأخر.
وفي اللحظة دي، اتفتح باب الشقة فجأة.
كانت نوال واقفة.
وخلفها هاجر وحسام.
نوال قالت
كفاية بقى يا سلمى.
سلمى بصتلها.
كفاية إيه؟
إحنا كنا بنحاول نحل المشكلة.
مشكلة مين؟
نوال سكتت.
سلمى كملت
مشكلتكم ولا مشكلة أبويا؟
هاجر بدأت تبكي.
سلمى، أنا مكنتش عارفة كل حاجة.
حسام بص لها بغضب.
وأنا كنت حاسس إن في حاجة غلط.
سلمى بصت لياسر.
وأنت؟
ياسر لم يجد ما يقوله.
فقالت
أنت أكتر واحد وجعني.
اقترب منها.
أنا غلطت.
لأ.
هزت رأسها.
إنت ما غلطتش مرة. إنت اخترت تسكت كل مرة كان المفروض تتكلم فيها.
ثم أخذت الملف من فوق الطاولة.
قلبت أول ورقة.
ثم الثانية.
ثم توقفت.
كان هناك توقيع والدها.
وتوقيع ياسر.
وتوقيع نوال كشاهد.
سلمى أغلقت الملف.
من النهارده، كل حاجة هتكون بالقانون.
نوال صرخت
هتعملي قضية في أبوكي؟!
سلمى بصتلها بهدوء.
أنا مش هعمل حاجة في حد.
ثم نظرت لياسر.
أنا بس هرجع حقي.
محمود ابتسم ابتسامة خفيفة.
وده بالضبط اللي كان لازم يحصل من البداية.
بعد أسبوعين، اتضح أن والد سلمى كان قد أخفى ديونًا قديمة، وأن جزءًا من الأموال التي دفعتها سلمى لشراء شقتها استُخدم دون علمها. أما خطة الشقة الجديدة، فتم إلغاؤها قبل توقيع أي عقد نهائي.
وبمساعدة محامٍ، استعادت سلمى مستنداتها ووضعت كل أموالها في حساب منفصل لا يملك ياسر حق التصرف فيه.
أما ياسر
فلم تطلب منه الطلاق.
ولم تسامحه أيضًا.
قالت له في آخر مواجهة بينهما
أنا مش هعاقبك، ومش هنتقم منك.
سكت.
لكن الثقة لما بتتكسر، مش بتتصلح بكلمتين.
رفع عينيه لها.
يعني انتهينا؟
سلمى ردت
مش عارفة.
ثم أخذت حقيبتها.
بس عارفة حاجة واحدة.
إيه؟
البيت اللي كنت فاكرة إنه أماني طلع أكتر مكان كنت محتاجة أحمي نفسي منه.
وخرجت.
بعد شهور، كانت سلمى واقفة في شرفتها، تبص للشقة الصغيرة اللي كانت يومًا حلمها الأول.
لم تعد تراها مجرد شقة.
كانت تراها درسًا.
وعرفت أخيرًا أن امتلاكك لشيء
لا يعني فقط أن يكون اسمه مكتوبًا في عقد.
بل أن تعرف قيمته
وأن تعرف متى تقول
لأ.
حتى لو كان الطلب جاي من أقرب الناس إليك.
ومن يومها، لم تعد سلمى تخاف من أن تخسر الناس.
كانت تخاف فقط
أن تخسر نفسها وهي تحاول إرضاءهم.