الممرضة والرجل المريض
اطلعي برّه حالًا!
صرخة رجل الأعمال هزّت أوضة المستشفى، والممرضة خرجت منها وهي بتعيط، وقعدت في آخر الطرقة تحاول تتمالك نفسها.
كان ده المشهد اللي اتكرر تقريبًا كل يوم لمدة شهور.
كل ممرضة تدخل أوضة عمر الشافعي، رجل الأعمال الشهير، كانت بتخرج منها بعد ساعات أو أيام قليلة وهي بتقول نفس الجملة
الراجل ده مستحيل حد يستحمله!
عمر كان واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد.
اسمه لوحده كان كفاية يفتح أبواب أكبر الشركات والبنوك.
كان عنده شركات وعقارات واستثمارات بمبالغ ضخمة، وكان متعود طول حياته إن كل الناس تسمع كلامه من غير نقاش.
لكن في آخر سنة، كل حاجة اتغيرت.
مرضه اشتد.
وبقى محتاج رعاية طبية مستمرة، ومش قادر يعتمد على نفسه زي الأول.
ومن هنا بدأت أسوأ فترة في حياته.
مش بسبب المرض
لكن بسبب الوحدة والغضب اللي كانوا بياكلوا فيه من جوّه.
كان بيتعامل مع الممرضات كأنهم موظفين عنده، مش ناس جايين يساعدوه.
لو الدواء اتأخر دقيقة، يزعق.
لو الأكل مش على مزاجه، يرمي الطبق.
لو الممرضة حاولت تنصحه، يقول لها
إنتي هنا علشان تنفذي اللي أقول عليه، مش علشان تنصحيني!
وكان أحيانًا يضغط على زرار استدعاء الممرضة عشر مرات في الساعة.
ولما تدخل له
حضرتك طلبتني؟
يرد بمنتهى البرود
لأ، كنت بجرب أشوف الزرار شغال ولا لأ.
بعض الممرضات كانوا بيحاولوا يتحملوا.
واحدة كانت بتخرج من أوضته وتدخل الحمام تبكي.
واحدة تانية طلبت نقلها لقسم تاني بعد أول أسبوع.
أما آخر ممرضة
فما كملتش حتى أول يوم.
خرجت وهي بتقول لمدير المستشفى
أنا آسفة، بس أنا مش قادرة أكمل.
مدير المستشفى تنهد وقال
وأنا مش عارف أعمل إيه معاه.
الدكاترة كانوا نفسهم في حيرة.
لأن عمر، رغم عصبيته، كان محتاج الرعاية دي فعلًا.
حالته الصحية ما كانتش تسمح إنه يفضل لوحده.
وفي يوم، بعد ما خرجت ممرضة جديدة من أوضته وهي بتعيط، وقف مدير المستشفى في مكتبه وقال
لازم نلاقي حد يقدر يتعامل معاه بأي طريقة.
في اللحظة دي، كانت فيه بنت واقفة برّه المكتب مستنية دورها في التقديم على وظيفة.
اسمها مريم حسن.
مريم كانت بنت مصرية بسيطة، عندها حوالي 27 سنة.
هادية، مؤدبة، وملامحها عادية جدًا، مفيهاش أي حاجة تلفت النظر.
لكن حياتها كانت مليانة ضغوط.
والدها عم حسن كان فقد شغله من فترة، والأسرة كانت داخلة في أزمة مالية كبيرة.
كان عليهم أقساط متأخرة، والبنك بدأ يبعت إنذارات بسبب قرض البيت.
ومريم كانت بتحاول تشتغل أي شغلانة تساعد بيها أهلها.
لما مدير المستشفى شاف ملفها، سألها
عندك خبرة؟
أيوه، اشتغلت قبل كده في رعاية المرضى.
بص لها شوية، وبعدين قال
عندي شغلانة، بس قبل ما أقولك التفاصيل لازم تعرفي إنها مش سهلة.
مريم قالت
يعني إيه؟
قال
المريض اللي هتشتغلي معاه رجل أعمال مشهور جدًا وحالته الصحية محتاجة رعاية مستمرة.
سكت لحظة.
وبعدين قال
لكن شخصيته صعبة جدًا.
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة
صعبة قد إيه؟
مدير المستشفى ضحك من غير ما يكون عنده نفس للضحك.
كل الممرضات اللي قبلك مشيوا.
مريم سكتت.
قال
واحدة منهم كملت يومين بس.
وبعدين بص لها مباشرة
لو وافقتي، لازم تعرفي إن ممكن تسمعي كلام يضايقك جدًا.
مريم بصت للأرض.
كانت محتاجة الشغل.
محتاجة المرتب.
محتاجة تنقذ بيت أهلها.
فقالت
أنا موافقة.
مدير المستشفى استغرب.
حتى بعد اللي قولته؟
قالت بهدوء
أنا محتاجة الشغل وهحاول أعمل اللي عليا.
تاني يوم الصبح
وقفت مريم قدام أوضة عمر الشافعي.
كانت سامعة صوته من جوّه.
كان بيتكلم في التليفون بعصبية
قلتلك خلص الصفقة النهارده! مش عايز أسمع أي أعذار!
مريم خبطت.
ادخل.
فتحت الباب.
دخلت بهدوء.
عمر كان قاعد على السرير، لابس هدوم المستشفى، وشكله مرهق لكن عينيه فيها نفس النظرة الحادة اللي خلت ناس كتير تخاف منه.
رفع عينه عليها.
إنتي مين؟
أنا مريم، الممرضة الجديدة.
ما كملتش الجملة.
صرخ
لا!
مريم اتفاجئت.
قال
أنا مش عايز ممرضة جديدة. اخرجي.
مريم وقفت مكانها.
بس أنا مسؤولة عن رعايتك من النهارده.
قلتلك اخرجي!
سكتت ثانيتين.
وبعدين قفلت الباب وراها.
مشت ناحية الترابيزة، حطت الملف الطبي، وبدأت تقرأ.
عمر بص لها كأنه مش مصدق.
إنتي ما سمعتيش؟
سمعت.
أمال بتعملي إيه؟
بشوف جدول الأدوية.
صرخ
إنتي مش فاهمة أنا مين؟
مريم رفعت عينيها له وقالت بهدوء
حضرتك عمر الشافعي.
سكت.
قال
وعارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟
مريم ردت
مش مهم حضرتك تقدر تعمل إيه المهم إني هنا علشان أعمل شغلي.
لأول مرة
عمر ما عرفش يرد.
فضل يبصلها ثواني.
وبعدين قال بسخرية
إنتي هتمشي قبل آخر النهار.
مريم ابتسمت
هنشوف.
ومن هنا بدأت أغرب علاقة حصلت في المستشفى.
عمر قرر إنه يختبرها.
طلب منها كوب مية.
راحت جابته.
أول ما حطته قدامه قال
مش عايز مية.
مريم أخدت الكوباية من غير تعليق.
بعد عشر دقايق
افتحي الشباك.
فتحته.
بعد أقل من دقيقة
اقفليه! الجو برد.
قفلته.
بعد شوية وقع جهاز التحكم على الأرض.
بص لها.
كان مستني إنها تنفعل.
مريم انحنت، جابته، وحطته على الترابيزة.
ولا كلمة.
عمر اتضايق أكتر.
قال
إنتي مبتتعصبيش؟
مريم ردت
على حسب الموقف.
وأنا مش مستفزك؟
حضرتك بتحاول.
عمر بص لها باستغراب.
وأنا لسه بحاول؟
قالت
أيوه.
وسابته ومشيت.
اليوم الأول خلص.
مريم ما استقالتش.
اليوم التاني بدأ.
عمر كرر نفس الحكاية.
وفي نهاية اليوم، مريم كانت لسه موجودة.
التالت كمان.
والرابع.
وبدأ عمر يحس بحاجة غريبة.
البنت دي مش خايفة منه.
وده كان شيء جديد عليه.
طول حياته، كان متعود إن الناس تخاف من فلوسه واسمه ونفوذه.
لكن مريم كانت بتعامله كأنه مجرد مريض محتاج رعاية.
وفي صباح اليوم الخامس، دخلت مريم الأوضة بالدواء.
حطته قدامه.
لكن قبل ما تمشي، وقفت.
ممكن أسألك سؤال؟
عمر رفع عينه.
اسألي.
قالت
حضرتك عايز تخف؟
السؤال كان بسيط.
لكن عمر سكت.
وبعدين قال
طبعًا.
مريم قالت
طيب ليه بتطرد الناس اللي المفروض تساعدك؟
عمر قطب جبينه.
دي مش مشكلتك.
يمكن لأ.
سكتت لحظة.
بس أنا مسؤولة عن رعايتك، ولازم أفهم حضرتك.
عمر ضحك بسخرية
إنتي هتفهميني؟
مريم قالت
ممكن أحاول.
وسحبت الكرسي وقعدت.
أنا قريت ملفك كله.
عمر ما ردش.
قالت