الممرضة والرجل المريض

لمحة نيوز


حضرتك محتاج علاج، ومحتاج ناس تساعدك، ومحتاج حد يتابع حالتك طول الوقت.
وبعدين بصت حواليها.
الأوضة كانت فخمة جدًا.
لكنها كانت فاضية.
مفيش صور عيلة.
مفيش هدايا.
مفيش ورد.
مفيش حتى حد بيزوره.
مريم قالت
تعرف إيه أكتر حاجة لفتت نظري؟
عمر قال بضيق
إيه؟
إن الأوضة دي فخمة جدًا لكن مفيهاش أي حد.
عمر وشه اتغير.
قال
إنتي مالك؟
مريم كملت
قريت في ملفك إن أولادك مش بييجوا كتير.
سكت.
وقرايبك نادرًا لما بيزوروا.
سكت أكتر.
وأصحابك تقريبًا اختفوا.
عمر بص للناحية التانية.
قالت
يمكن حضرتك فاكر إن كل الناس عايزة فلوسك.
عمر قال بعصبية
لأن ده حقيقي!
مريم ردت بهدوء
يمكن بعضهم فعلًا.
وبعدين قالت
لكن مش كلهم.
سكت.
حضرتك بتطرد كل حد يقرب منك قبل حتى ما تعرف هو عايز إيه.
عمر بص لها.
مريم قالت
يمكن المشكلة مش إن كل الناس وحشة
وسكتت لحظة.
يمكن حضرتك بقيت بتصدق إن كل الناس وحشة.
الجملة وقعت عليه كأنها
ضربة.
عمر ما ردش.
مريم قامت.
خد الدواء في معاده.
ومشت ناحية الباب.
قبل ما تخرج، سمعت صوته
مريم.
لفت.
أيوه؟
قال بصوت أهدى
روحي.
خرجت.
ومن اللحظة دي
عمر اتغير.
مش فجأة.
ومش في يوم وليلة.
لكن لأول مرة بدأ يفكر في كلام حد غير نفسه.
قعد بالساعات قدام الشباك.
افتكر أولاده.
افتكر أخوه اللي بقاله سنين مش بيكلمه.
افتكر صاحبه القديم اللي طرده من مكتبه بسبب خلاف بسيط.
افتكر كل ممرضة خرجت من أوضته وهي بتعيط.
ولأول مرة سأل نفسه
هو أنا فعلًا المشكلة؟
تاني يوم دخلت مريم.
عمر ما زعقش.
ولا طلب منها تخرج.
بس قال
مريم
أيوه؟
إنتي فعلًا شايفة إن المشكلة فيا؟
مريم قربت وحطت الدواء قدامه.
وقالت
أنا مش قاضي علشان أحكم عليك.
أمال؟
بس لو أكتر من عشرين ممرضة مشيوا في كام شهر بسبب نفس التصرفات
وسكتت لحظة.
صعب يكونوا كلهم غلط.
عمر نزل عينه.
فضل ساكت.
وبعد دقيقة قال
في حياتي كلها محدش قال لي الكلام ده.
مريم ابتسمت
يمكن عشان الناس كانت بتخاف تخسره.
تخسر إيه؟
شغلك فلوسك أو رضاك.
سكتت.
أنا معنديش حاجة أخاف أخسرها منك.
عمر بص لها لأول مرة بنظرة مختلفة.
وفي اليوم ده، لأول مرة
اعتذر لممرضة.
الممرضة دخلت تديه الدواء، فقال لها
أنا آسف على اللي حصل امبارح.
الممرضة اتجمدت مكانها.
حضرتك بتقول إيه؟
قال
بقول آسف.
ومن اليوم ده، بدأ التغيير الحقيقي.
كان يتعصب أحيانًا.
لكن لما يهدى، يعتذر.
بدأ يتعامل مع الدكاترة باحترام.
وبطل يستدعي الممرضات من غير سبب.
وبعد أسابيع، حالته الصحية بدأت تتحسن بشكل واضح.
الدكتور قال لمريم
مش عارف عملتي إيه معاه بس دي أول مرة أشوفه متعاون بالشكل ده.
مريم ضحكت
أنا معملتش حاجة.
الدكتور قال
لأ إنتي عملتي حاجة محدش قدر يعملها.
إيه؟
خليتيه يسمع نفسه.
ومرت الأيام.
لحد ما جه اليوم اللي عمر خرج فيه من المستشفى.
قبل ما يمشي، طلب من مريم تدخل أوضته.
دخلت.
كان واقف جنب الشباك.
قال
اقفلي الباب.
قفلت.
مد إيده ناحية ملف بني كبير.
خديه.
مريم بصت له باستغراب.
ده إيه؟
افتحيه.
فتحت الملف.
وفي اللحظة اللي قرأت فيها أول ورقة
وشها اتغير.
كانت مستندات خاصة ببيت أهلها.
قرض.
أقساط.
إنذارات البنك.
لكن الورقة الأخيرة كانت مختلفة.
إثبات سداد كامل للمديونية.
مريم رفعت عينيها بسرعة.
إيه ده؟
عمر قال
بيتكم خلاص مش عليه أي مديونية.
مريم اتصدمت.
حضرتك عرفت منين؟
سألت.
بس ليه؟
عمر سكت.
وبعدين قال
لأن أبوكي فقد شغله وإنتي كنتي بتشتغلي علشان تنقذي البيت.
مريم بدأت دموعها تنزل.
حضرتك مش لازم تعمل كده.
عمر ابتسم.
لأ، لازم.
وبعدين قال الجملة اللي عمره ما كان يتخيل إنه هيقولها
أنا طول عمري كنت فاكر إن الناس محتاجة فلوسي علشان تقرب مني.
سكت لحظة.
إنتي أثبتيلي إن في حد ممكن يقرب مني من غير ما يكون عايز مني حاجة.
مريم مسحت دموعها.
قال
إنتي أنقذتيني من حاجة أخطر من المرض.
إيه؟
بص لها وقال
الوحدة.
وسكت شوية.
الفلوس خلتني أقدر أشتري أي حاجة إلا الناس اللي خسرتهم.
مريم ما عرفتتش تقول حاجة.
عمر كمل
لو كنتي خفتي مني زي كل اللي قبلك، كنت خرجت من المستشفى بجسمي أحسن شوية لكن كنت هفضل نفس الشخص.
وبص لها وقال
إنتي ما عالجتيش مرضي بس يا مريم.
ابتسم.
إنتي خليتيني أشوف نفسي لأول مرة.
خرجت مريم من الأوضة وهي بتعيط.
لكن المرة دي
ما كانتش دموع خوف أو قهر.
كانت دموع ارتياح.
أما عمر الشافعي
فخرج من المستشفى بعدها بيوم.
ورجع بيته الكبير.
لكن البيت اللي كان زمان مليان حراس وخدم وصالات فاضية
بدأ لأول مرة من سنين يستقبل ناس.
اتصل بابنه.
وبعدين بأخوه.
وبعدها بص لصورة قديمة لصاحبه اللي خسره من سنين.
وأخد نفس طويل.
ثم قال لنفسه
يمكن لسه أقدر أصلح اللي بوظته.
وأغرب حاجة حصلت بعد كده
إن عمر ما اكتفاش بسداد ديون عيلة مريم.
عمل صندوق صغير لمساعدة المرضى اللي مش قادرين يدفعوا تكاليف العلاج.
ولما سألوه ليه عمل كده، رفض يتكلم عن نفسه.
لكن مريم كانت عارفة الحقيقة.
أحيانًا الإنسان مش محتاج حد يعالجه من مرضه
محتاج حد عنده شجاعة يقوله الحقيقة اللي كل الناس حواليه خايفة تقولها.

 

تم نسخ الرابط